; وعورة الطريق.. الحلقة الرابعة | مجلة المجتمع

العنوان وعورة الطريق.. الحلقة الرابعة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1986

مشاهدات 80

نشر في العدد 795

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 09-ديسمبر-1986

  • قادة الدعوة الإسلامية في القديم والحديث وضحوا لأتباعهم طبيعة الدعوة ووعورتها.
  • البلاء فتنة يسقط فيه البعض، ويثبت الله فيه البعض الآخر.
  • البلاء الذي يقع على الحركة الإسلامية ليس سببه الأخطاء، إنما هو سنة من سنن الله -تعالى- ليعلم الصادق من الكاذب.

تصور خاطئ:

     ومن خلال الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة نستطيع أن نجزم بخطأ التصور القائل بالنصر دون ابتلاء، وأن مما يحز في النفس أن البعض ما زال يكيل الاتهام تلو الاتهام للحركة الإسلامية في مصر، ويتهمها بقصور النظر والتخطيط، الأمر الذي أدى إلى هذه الابتلاءات المتعاقبة، ولقد رد الأستاذ مصطفى مشهور على هذا التصور حيث قال: «لقد تعرض الرسل والداعون إلى الله على مر الأزمان للإيذاء والتعذيب والقتل من أعداء الله؛ بسبب قيامهم بواجب الدعوة إلى الله، ولو أراد الله -عز وجل- أن يحول بينهم وبين هذا الإيذاء لفعل وهو بهم رؤوف رحيم، لكنه -سبحانه- لم يفعل، وتركهم هكذا يتعرضون لصفوف الأذى والعذاب» (۱)، ثم يقول: «هل تركهم الله ولم يحمهم من أذى الكفار لأنهم أخطئوا، وأن عليهم أن يتحملوا نتيجة خطئهم؟ هل يعقل أو يقبل من أحد أن ينسب ما تعرض له الرسل والذين آمنوا معهم من أنواع البلاء إلى أخطاء صدرت عنهم أثناء سيرهم بدعوة الله؟ إننا نقول على العكس من ذلك فإن تمسكهم بدعوة الله، واستقامتهم على أمر الله هما سبب تعرضهم لهذا الأذى، ولو أنهم انحرفوا، أو فرطوا، أو داهنوا لما تعرضوا للإيذاء والعنف» (۲)، إننا لا نقول بعصمة الحركة الإسلامية من الأخطاء، ولكن نريد أن نقرر بأن البلاء الذي يقع على الحركة الإسلامية ليس سبيه الأخطاء، إنما هو سنة من سنن الله -تعالى- ليعلم الصادق من الكاذب، وليمحص عبده ويقوى عوده قبل أن يسلمه الأمانة، هكذا يريد الإمام ابن القيم أن يوصلها لأبناء الحركة الاسلامية بأن على الواحد منهم أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أولیائه وحزبه أم لا؟ فإن ثبت اصطفاه واجتباه، وخلع عليه خلع الإكرام، وألبسه ملابس الفضل، وجعل أولياءه وحزبه خدمًا له وعونًا له، وإن انقلب على وجهه، ونكص على عقبيه طرد وصفع قفاه وأقصى، وتضاعفت عليه المصيبة» (۳)، ويخاطب الشاعر مأمون جرار الغفاة الراقدين، الذين يريدون نصرًا دون بلاء، ويريدون جنة دون بذل تلك الدماء، ويصيبهم اليأس عندما تتناثر الدماء على أيدي البغاة، فيقول مخاطبًا لهم:

«هذه الدماء على الطريق منائر

                                                         قدسية الأضواء والألوان 

تدعو الغفاة الراقدين تنبهوا 

                                                       وتحرروا من ربقة الإدمان 

ما جنة الفردوس مأوی ساکت 

                                                       عن حقه ومنافق وجبان 

درب الشهادة لم تزل خطواته 

                                                          مشتاقة لقوافل الفرسان

الرافعين رؤوسهم صوب العلا

                                                            يرجون دار الروح والريحان» (٤)

القادة يوضحون وعورة الطريق:

     ما من قائد من قادة الدعوة الإسلامية في القديم والحديث إلا وقد وضح لأتباعه طبيعة الطريق ووعورتها، والنتيجة الطبيعية التي تحدث بعد دعوة الناس وهي البلاء، اقتداء بما جاء في القرآن الكريم، وبما وضحه الرسول -صلى الله عليه وسلم- لصحابته الكرام من طبيعة الطريق؛ حتى يكونوا على بينة في بداية الطريق قبل أن يسلكوها معه فيخذلونه في منتصفها، وها هو قائد الحركة الإسلامية الحديثة في مصر الإمام البنا يوضح طبيعة الطريق في فجر الحركة، وأيامها الأولى، وفي رسالته الأولى للرعيل الأول من الإخوان يقول لهم فيها:

«أحب أن أصارحكم أن دعوتكم ما زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات، وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات، أما الآن فلا زلتم مجهولين ولا زلتم تمهدون للدعوة، وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد، سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام، وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم، وأن تصنع العراقيل في طريقكم» (٥)، ثم يقول: «وستدخلون بذلك -ولا شك- في دور التجربة والامتحان فتسجنون، وتعتقلون، وتنقلون، وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتعطل أعمالكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: ﴿أحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (سورة العنكبوت: 2)، ولكن الله وعدكم بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين. (٦).

     وبعد هذه الكلمات بعشر سنوات تقريبًا حدث معظم ما توقعه الإمام البنا لأتباعه، وبعد ذلك ببضع سنوات حدث كل ما توقعه، وما كان كل ذلك ضربًا من ادعاء علم الغيب بقدر ما هو استقراء للآيات وسنن الله في دعوته ودعاته.

     وبعد البنا جاء العلامة أبو الأعلى المودودي رائد الحركة الإسلامية في الهند ليصارح أتباع الحركة في مؤتمر عام عن طبيعة الطريق بكلمات تشبه إلى حد ما الكلمات التي صارح بها البنا أتباعه؛ إذ قال لهم: «إن من طبيعة هذا الطريق أن الإنسان ما أن يخطو عليه خطوة، حتى يجد بيئته التي يعيش فيها تناصبه العداء، وتضيق عليه الخناق؛ فأبواه وإخوانه وأقرباؤه وأصدقاؤه وأولاده وأهل بيته كلهم يعملون وسعهم لابتلائه في إيمانه، بكل ما يملكون من الوسائل، ولا يظهر في حياته أول أثر من آثار سلوكه لهذا الطريق إلا وأن مهده الذي نشأ فيه متدللًا يترفل في النعيم، ينقلب عليه فراشًا من الأشواك، هذه هي المرحلة الأولى التي هيأتها لنا المشيئة الإلهية بنفسها لتربية الأفراد على ما يحتاج إليه سلوك هذا الطريق من الصلاح، والتقوى، والإخلاص، والأخلاق القوية الطاهرة» (۷)، فليس لمتململ ولا متضجر ولا إلى أن يقول بعد هذا التوضيح لطبيعة الطريق، حتى متى هذا البلاء؟ ويبتعد عن الصف بسبب ذلك، فلا بد للنصر بعد ذلك، إذا تم النضج في فرن البلاء، وثبتت الأقدام في أرض المحنة، وهبت رياح الرحمة والنصرة من قبل العزيز الحكيم.

٣- الصبر على وعورة الطريق:

استطالة البلاء:

     إن البلاء بحد ذاته فتنة، يسقط فيه البعض، ويثبت الله فيه البعض الآخر، فكيف إذا أضيف للبلاء طول المدة، وتأخر بزوغ الفجر، فإن ذلك -بلا شك- له تأثير عظيم على كثير من النفوس التي قد تتساقط أثناء الطريق، أو تعتزل السير مع القافلة لطول البلاء؛ لذا يصيح الإمام ابن الجوزي في هذه الفئة محذرًا: «فإياك إياك أن تستطيل زمان البلاء، وتضجر من كثرة الدعاء، فإنك مبتلى بالبلاء، متعبد بالصبر والدعاء، ولا تيأس من روح وإن طال البلاء» (۸)، فإنه لا يستطيل البلاء إلا من تسربت إلى نفسه خيوط اليأس من نصر الله.

تذكر البيعة:

     والعبد ليس له إلا الصبر على البلاء؛ ذلك لأنه مملوك لسيده، وليس للعبد الاعتراض على السيد إذا ما أراد أن يتصرف في ملكه، فكيف للداعية أن يعترض أو يضجر بسبب طول البلاء من ربه، وهو الذي يدعى بأنه باع له نفسه وماله؟ فكيف بنی هذه البيعة، وهو لا يملك حتى نفسه التي طلبها من رب العزة أن يبيعها له؟ يقول الإمام ابن الجوزي:

«إن نظر أن النفس كالملك له فقد خرجت عن يده من يوم «إن الله اشترى» أفيحسن لمن باع شاة أن يغضب على المشتري إذا ذبحها، أو يتغير قلبه؟ والله لو قال المالك -سبحانه-: إنما خلقتكم ليستدل على وجودي، ثم أنا أفنيكم ولا إعادة لكان يجب على النفوس العارفة به أن تقول سمعًا وطاعة، وأي شيء لنا فينا حتى نتكلم؟ فكيف وقد وعد بالأجر الجزيل والخلود في النعيم، الذي لا ينفذ، لكن طريق الوصول تحتاج إلى صبر على المشقة» (٩).

غسيل اليدين:

     وبعد خروجه الأول من سجنه في القاهرة كتب الإمام ابن تيمية رسالة إلى أتباعه في دمشق يطمئنهم فيها عن حاله، ويذكرهم ببعض الأصول التي لا يستغنى عنها الدعاة، وخاصة فيما يتعلق في البلاء الذي يصيب المؤمن، فيظن البعض أن ذلك بسبب ضعف أو نقص، أو أنهم يجزعون بسبب ذلك لجهلهم بما يعكسه البلاء من المصالح للدعوة والداعية، فيذكر برسالته تلك الأمور فيقول: «إن ما يجري من تغليظ أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان ما كان يجري بدمشق، ومما يجري الآن بمصر فليس ذلك غضاضة ولا نقصًا في حق صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغير منا ولا بغض، بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين أرفع قدرًا وأنبه ذكرًا، وأحب وأعظم، وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض، فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقله الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة، ما نحمد ذلك لتخشين» (١٠)، فمن أراد النظافة والنعومة الباطنية والخارجية لكي يلاقي الله بقلب سليم فعليه أن يصبر على تلك المواد الخشنة، والتي لا يزول الوسخ المتراكم على القلوب إلا بها.

السقوط من القافلة:

     هكذا يضع الأستاذ مصطفى مشهور الصبر شرطًا من شروط الانتساب إلى قافلة المجاهدين، وبغيره يسقط تلقائيًا دون أن يدفعه أحد، فيقول فإذا لم يحتمل الداعية هذا الإيذاء، ولم يصبر عليه ويحتسبه عند الله، وآثر العافية وبرد العافية على حساب باب دينه وعلى حساب وقفته مع الحق، ورضي بالقعود عن الجهاد، ومواصلة السير في طريق الدعوة- فإنه يكون بذلك قد أخفق في تخطي هذه العقبة، وحرم نفسه شرف الانتساب إلى قافلة المجاهدين، ويستبدل الله به غيره، وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم. (۱۱).

 (۱) (۲) طريق الدعوة (۱) ص ٦٦.

(۳) طريق الهجرتين ص ٤٩٤- قطر؟

(٤) مشاهد من عالم القهر ٥3،٥2.

(٥) (٦) مجموعة الرسائل ۱۰۸، ۱۰۹- رسالة بين.

(۷) تذكرة دعاة الإسلام ص ۲۷، ط دار العربية.

(۸) صيد الخاطر ٣٦٣.

(۹) صيد الخاطر ٢٧٦.

(۱۰) العقود الدرية ص ٢٥٩.

(۱۱) طريق الدعوة (١) ص ٥٦,٥٥.

الرابط المختصر :