العنوان واحة الإيمان .. ماذا بعد التذكير؟
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أبريل-1987
مشاهدات 75
نشر في العدد 813
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 14-أبريل-1987
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الحاكم في مستدركه، عن أنس رضي الله عنه: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرًا»«۱».
إن هذا الحديث وأمثاله تدفع المؤمن للانخلاع من جو الركود واللاشعور، الذي تعود العيش فيه إلى عالم الاستشعار والتذكر، والتذكر مطلوب شرعًا، ولكنه ليس مطلوبًا لذاته، وإنما يطلب حتى يكون موصلًا جيدًا للعمل، الذي هو من أسباب النجاة من النار، ورضى الرحمن يوم القيامة، فالبكاء والندم بتذكر الموت والآخرة لا ينفعان صاحبهما إذا لم يقترنا بالعمل.
الرقدة الكبرى
ولقد انتبه شاعر الزهد أبو العتاهية لأهمية العمل بعد التذكر، فقال مخاطبًا اللاهين ببناء دور الدنيا، وزخرفتها والغفلة عن بناء دور الآخرة:
«يا باني الدار المعد لها! *** ماذا عملت لدارك الأخرى؟
وممهد الفرش الوثيرة لا *** تغفل فراش الرقدة الكبرى
ولقد دعيت، وقد أجبت لما *** تدعى له، فانظر لما تدعى
أتراك تحصي من رأيت من الأ حياء ثم رأيتهم موتى؟
فلتلحقن بعرصة الموتى *** ولتنزلن محلة الهلكى»«2»
فإذا كانت الرقدات كلها لا تساوي في مدتها رقدة القبر، أفليس من العقل أن يكون الاستعداد لتمهيد فراش الرقدة الكبرى أولى وأكثر؟!
المانع من العمل:
ولا شك أن الانشغال بالدنيا عن الآخرة، هو من أكبر الأسباب لضعف الاستعداد ولجمود العمل لما بعد الموت، فدوام ذكر الآخرة، حتى تكون هي الهم الرئيسي للإنسان من أكبر أسباب العمل؛ ذلك لأن الاستشعار اللحظي لا يعقبه إلا عمل لحظي، أو لا يعقبه في أغلب الأحيان عمل، ومع هذا، فإن من جعل الآخرة هي الهم الرئيسي له والذي لا يشغله هم سواه، جاءت له الدنيا تتملقه بأن يأخذها، بينما نراها تهجر وتهرب من طلبها، ذلك ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له»«3».
ويقول شميط بن عجلان: «من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا ولا بسعتها»«4».
ومن هذا نستخلص بأن من «داوم وأكثر» من ذكر الموت أثر ذلك في عمله واستعداده للآخرة، وهذا ما استخلصه الإمام الحسن البصري قبلنا عندما قال: «ما أكثر عبد ذكر الموت إلا رأى ذلك في عمله، ولا طال أمل عبد قط إلا ساء العمل» «5».
الاغترار بمن يُعمَّر
وهذا سبب آخر من أسباب ضعف الاستعداد؛ إذ إن رؤية البعض للمعمرين تنسيهم أن الموت لا يفرق بين شاب وشيخ وطفل، ويخدعه الشيطان «بأنك ستعمر مثله فأجل العمل حتى الشيخوخة» مع أن الرد المنطقي لمثل هذا وغيره حكمة الله بتغييب علم نهاية كل منا، ليكون ذلك أدعى للعمل، وللاستعداد الدائم. يقول الإمام ابن الجوزي: «يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدًّا ولا يغتر بالشباب والصحة؛ فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشبان، ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا:
يعمر واحد فيغر قومًا *** وينسى من يموت من الشباب«6»
طوفان الموت
والموت يشبه الطوفان الذي يغمر اليابسة شيئًا فشيئًا، فكلما غمر قطعة جاء للقطعة التي تليها، حتى يغطي على الجميع، والعاقل من لا يعيش في أوهام ابن نوح عليه السلام عندما ظن أنه سينجو من الطوفان عندما يلجأ إلى قمة الجبل، فكذلك الموت، من لم يستعد له جرفه وأغرقه قبل «التفكير في الاستعداد» لهذا قال ابن الجوزي: «جاء طوفان الموت، فاركب سفن التُّقى» «7». إنها ليست سفن زينة وترويح وسياحة؛ بل هي سفن إنقاذ من الطوفان الذي سيغمر الأرض.
ذلك الطوفان الذي أخاف الزاهد سعيد بن السائب، فقد جاء في ترجمته أنه «لا تكاد تجف له دمعة، إنما دموعه جارية دهره: إن صلى فهو يبكي، وإن طاف فهو يبكي، وإن جلس يقرأ في المصحف فهو يبكي، وإن لقيته في طريق فهو يبكي» «8»، ومع ذلك سئل: كيف أصبحت؟: فقال: «أصبحت أنتظر الموت على غير عدة»«9». وهذا لا يعني أننا نريد أن نصل إلى درجة اليأس من رحمة الله وسعة عفوه، فإن الله أرحم من الأم بوليدها الذي افتقدته، ولكننا لا نريد أن نتكل فنهجر العمل، فيبغتنا الموت دون استعداد.
«1» الحاكم في المستدرك- وصححه الألباني «ص ج ص ٤٤٦٠».
«2» دیوان أبي العتاهية: ٢٣.
«3» الترمذي، وصححه الألباني «ص ج ص ٦٣٨٦».
«4» صفة الصفوة: 3/ 342.
«5» الزهد لأحمد: ٢٦٩.
«6» صيد الخاطر: ۱۷۸- دار الفكر.
«7» اللطف في الوعظ: ۲۱.
«8»«9» صفة الصفوة: 2/ 283.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل