; عصابات التجسس الإسرائيلية في العالم العربي | مجلة المجتمع

العنوان عصابات التجسس الإسرائيلية في العالم العربي

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1996

مشاهدات 118

نشر في العدد 1231

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 24-ديسمبر-1996

موضوع الغلاف

▪ المعونة الأمريكية العسكرية (لإسرائيل) تمول ميزانية أجهزة المخابرات الإسرائيلية بالكامل والتي تبلغ حوالي ٤٠٠ مليون دولار

▪ صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية علاقات السلام سهلت على (إسرائيل) عملية التجسس على الدول العربية

حادثة اعتقال الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام في مصر في ٦ نوفمبر تشرين ثان الماضي، أعادت فتح ملف التجسس الإسرائيلي في الأقطار العربية، وإذا كانت عمليات كشف شبكات تجسس إسرائيلية فيما مضى لا تحظى بقدر كبير من اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية، كون هذا النشاط الاستخباري أمرًا طبيعيًا ومتوقعًا في مرحلة الصراع والعداء، فإن الأمر قد تغير كثيرًا في مرحلة ما يسمى بالسلام، وبات الكشف عن نشاط استخباري إسرائيلي في الدول العربية، وخاصة تلك التي ترتبط بمعاهدات سلمية مع (إسرائيل)، يشكك في جدية الادعاءات الإسرائيلية بأنها ترغب ببناء علاقات جديدة قائمة على الثقة مع الأطراف العربية، ويثير الكثير من التساؤلات حول إمكانية تخلي إسرائيل عن طبيعتها العدوانية.

ولعل ذلك ما أثار حفيظة الرئيس المصري محمد حسني مبارك الذي عبر في مقابلة مع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أجريت مؤخراً عن امتعاضه واستغرابه من استمرار (إسرائيل) في ممارسة نشاطها الاستخباري في مرحلة السلام، حيث قال: «أنا لا أفهم لماذا تحتاجون إلى التجسس عندنا، أليس بيننا وبينكم علاقات، وكل شيء معروف، وإذا أردتم معرفة شيء ما، وإذا كان لديكم سؤال اسألوا، إن موضوع تجنيد العملاء اليوم في عهد الأقمار الصناعية ووسائل الاتصال المحكمة لم يعد يبرر استفزازات في العلاقة بين الدول».

▪ (إسرائيل) تزيد من نشاطها التجسسي في عهد «السلام»

قد يثير استمرار (إسرائيل) في ممارسة نشاطها التجسسي في المرحلة الراهنة واستغراب البعض، ولكن هذا الاستغراب ليس مبررًا للذين يعرفون حقيقة العقلية الإسرائيلية، (فإسرائيل) لم تتورع عن التجسس حتى على أقرب أصدقائها وحلفائها، كما حصل عام ١٩٨٦م، حينما اكتشفت الولايات المتحدة والجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد الذي كان يتجسس على الولايات المتحدة لحساب أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

وقد أثار اكتشاف بولارد استياء المسئولين الأمريكيين، حيث طلبت إدارة الرئيس الأمريكي في حينه رونالد ريجان من الحكومة الإسرائيلية اتخاذ عقوبات ضد المسئولين عن عملية التجسس، وفق ما ذكرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية التي أشارت إلى أن الحكومة الإسرائيلية أصدرت بيانًا خاصًا لتهدئة الغضب الأمريكي أكدت فيه أن قضية بولارد عملية شاذة لم يعلم بها المستوى السياسي، وأن مكتب العلاقات العلمية «لاكام» الذي كلف بولارد بمهمة التجسس سيتم حله، وهو ما لم يحدث، كما أكدت صحيفة «هآرتس».

وقد أكدت أجهزة تابعة لجامعة الدول العربية تشرف على التنسيق بين الأجهزة الأمنية العربية والإسلامية بموجب المعاهدات الموقعة بينها أن عدد الجواسيس الإسرائيليين في العالم العربي قد تضاعف ثلاث مرات منذ انخراط بعض الدول العربية جديًّا في العملية التفاوضية مع (إسرائيل)، وأشارت تلك الأجهزة إلى أن تخفيف المراقبة المشددة على الرعايا الإسرائيليين وتسارع عملية التطبيع التي أوجدت أجواء نفسية جديدة، سهلت على أجهزة التجسس الإسرائيلية اختراق عدد من الدول العربية وتجنيد عملاء فيها.

وهو ما أشارت إليه صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في 13/ 11/ 1996م والتي قالت: إن علاقات السلام تشكل فرصة لتوسيع الخيارات والقدرات التجسسية، «ففي الوقت الذي لم تكن هناك علاقات طبيعية بين الطرفين، عانت (إسرائيل) من صعوبة إرسال عملائها إلى مصر والدول العربية، وكانت تضطر إلى القيام بذلك خلسة تحت جنح الظلام عبر الحدود أو بواسطة عملاء يتم إدخالهم عن طريق دولة ثالثة.. العلاقات السلمية تقلص الحاجة للعمل حسب الطرق القديمة، ويوسع الإسرائيليين والأجانب الدخول إلى مصر، الأمر الذي لا يدعو لإرسال العملاء عبر دولة ثالثة، ويمكن أن نفترض بأن الحركة النشطة للسياح الإسرائيليين في مصر والسفارة الإسرائيلية في القاهرة وزيارات الوفود التجارية والعلمية قد تخفف من جهود نقل المعلومات من مصر إلى (إسرائيل)، وعلى كل حال يمكن الاعتقاد بأن الأهداف التي ينبغي جمع المعلومات عنها لم تتغير، ومنها جمع المعلومات السياسية والاقتصادية، وخصوصًا حول الجيش وقدراته وخططه التسليحية».

وبصراحة متناهية تخلص «هآرتس» إلى القول: «يجب ألا تضللنا حقيقة إبرام هذا الاتفاق «كامب ديفيد» منذ العام ۱۹۷۹م، وكذلك الحدود المفتوحة، والترتيبات الأمنية على الحدود المشتركة والعلاقات التجارية وغيرها من الروابط الدبلوماسية الثنائية، فما زالت كل من (إسرائيل) ومصر تنظران إلى بعضهما البعض على أنهما خصمان وندان، بل وعدوان محتملان.. من هنا تتبدى ضرورة جمع المعلومات قدر الإمكان لكل منهما عن الأخرى».

وتقدر أجهزة المخابرات الفرنسية عدد جواسيس وعملاء (إسرائيل) في العالم العربي بنحو ۱۲۰۰ شخص، وهو ما يضاهي عدد جواسيسها المنتشرين في الأمريكيتين ودول أوربا، وآسيا، وإفريقيا، وقدرت مصادر المخابرات الفرنسية حجم الميزانية السنوية لأجهزة المخابرات الإسرائيلية المختلفة بنحو ٤٠٠ مليون دولار تقتطع من المعونة الأمريكية السنوية (لإسرائيل) التي تزيد على ٣ مليارات دولار.

وقد كشفت صحيفة «الأوبزيرفر» اللندنية في تقرير نشرته في شهر يونيو «حزيران» الماضي النقاب عن وحدة عسكرية خاصة تابعة جهاز الاستخبارات الإسرائيلية العسكرية يطلق عليها اسم «الغرفة ٥٠٤» تمارس نشاطها التجسسي والتخريبي في دول عربية ترتبط بمعاهدات سلام مع (إسرائيل) مثل مصر والأردن، إضافة إلى دول عربية أخرى كسورية ولبنان، وقالت «الأوبزيرفر»: إن هذه الفرقة هي التي تقف وراء تجنيد عدد من العملاء الذين تم ضبطهم مؤخرًا في مصر.

لم تكن شبكة التجسس الإسرائيلية التي اكتشفتها أجهزة الأمن المصرية الشهر الماضي الأولى في سجل النشاط الاستخباري الإسرائيلي ضد مصر، والذي بدأ في وقت مبكر في الخمسينيات، ولكنها أثارت ضجة إعلامية واسعة وأسهمت في زيادة التوتر في العلاقات المصرية الإسرائيلية.

وكانت أجهزة الأمن المصرية في 6 نوفمبر «تشرين ثان» الماضي قد اعتقلت الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام، وهو إسرائيلي من أصل درزي، دخل مصر كخبير فني للآلات بمصنع نسيج يعمل برأس مال مصري إسرائيلي مشترك، وجاء اعتقاله بعد أربعة أيام فقط من اعتقال مصري يدعى عماد إسماعيل تمكنت أجهزة الأمن الإسرائيلية من تجنيده للتجسس لصالحها، وكان هو الخيط الذي أوصل أجهزة الأمن المصرية إلى عزام، حيث عثرت في منزله على وثائق هامة تثبت تورط عزام في ممارسة النشاط التجسسي لصالح (إسرائيل) في مصر.

وذكرت أجهزة الأمن المصرية أن عماد إسماعيل الذي كان يعمل في نفس مصنع النسيج الذي يعمل فيه عزام وسبق له أن زار (إسرائيل) عدة مرات قد اعترف بأنه تسلم فيه عدة رسائل مشفرة، ووجهت النيابة العامة المصرية لعزام تهمة التجسس لحساب (إسرائيل)، والإضرار بالأمن القومي المصري، كما وجهت لعماد إسماعيل إضافة إلى التهمتين السابقتين تهمة تلقي رشوة من دولة أجنبية بغرض التجسس لحسابها.

وخلال العام الحالي اكتشفت أجهزة الأمن المصرية خمسة جواسيس عملوا لحساب (إسرائيل) في مصر، فإضافة إلى عزام وعماد اعتقلت مؤخرًا مصريًا يدعى سمير عثمان اتهم بتزويد جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بمعلومات عن المواقع العسكرية والاستراتيجية في مصر، وفي شهر مايو «آيار» الماضي اعتقلت أجهزة الأمن المصرية مصريين آخرين اتهما بالتجسس لصالح (إسرائيل)، وبإفشاء أسرار عسكرية مصرية وهما عبد المالك حامد الذي اعترف بأنه رصد بعض المواقع العسكرية في الإسكندرية والدقهلية، وسلمان أرميلات الذي اعتقل بعد عشر سنوات من التجسس لصالح (إسرائيل).

وذكرت مصادر مصرية أن وزارة الخارجية المصرية بدأت في الآونة الأخيرة بالتشدد في منح التأشيرات للرعايا الإسرائيليين الذين يرغبون بزيارة مصر لمواجهة المحاولات الإسرائيلية المتواصلة لتجنيد عملاء فيها، كما بدأت السلطات المصرية بمراجعة ملفات المواطنين المصريين العاملين في (إسرائيل) أو المتزوجين من إسرائيليات للتأكد من سلامة ملفاتهم الأمنية، وكانت مصادر مصرية قد أشارت إلى أن الوفد الإسرائيلي الذي شارك في قمة القاهرة التي عقدت مؤخرًا يضم عددًا من ضباط الموساد الإسرائيلي والذين تخفوا وراء صفات رجال أعمال.

وتعتبر السفارة الإسرائيلية في مصر مركزًا للتجسس، إضافة للمركز الأكاديمي الإسرائيلي، وأشارت مصادر صحفية مصرية إلى أن السفارة الإسرائيلية تستغل لرصد التحركات السياسية في مصر، كما تم تركيب أجهزة رادار قوية على سطحها يمكنها من رصد المكالمات الهاتفية للمسئولين المصريين ومن ضمنها مكالمات الرئيس المصري.

وذكرت مجلة «المصور» المصرية أنه تم اكتشاف ۲۰ شبكة تجسس إسرائيلية في مصر منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد.

وكانت أشهر شبكة تجسس إسرائيلية في مصر اكتشفت عام ١٩٥٤م فيما عرف في حينه باسم «فضيحة لافون»، حيث ألقت قوات الأمن المصرية القبض على شبكة تجسسية زاد عدد أعضائها على عشرة أعضاء غالبيتهم من اليهود المقيمين في مصر، وقد أصدرت المحكمة العسكرية في القاهرة في 27/ 1/ 1955م أحكامًا بإعدام اثنين من أعضاء المجموعة، وبالسجن لفترات طويلة على بقية الأعضاء، وعلى إثر انكشاف المجموعة اضطر وزير الدفاع الإسرائيلي في حينه «بنحاس لافون» إلى تقديم استقالته من منصبه.

وفي عامي ۱۹۹۲ و۱۹۹۳م أعلن عن كشف عدة شبكات تجسس إسرائيلية، حيث تمكن جهاز الأمن المصري في عام ۱۹۹۲م من ضبط شبكة تجسس كبيرة عرفت باسم آل مصراتي، والتي تتكون من شخص يحمل الجنسية الليبية، إضافة إلى شقيقه وابنه وخبيرين مصريين، وضابط في الموساد الإسرائيلي، كما اعتقلت السلطات المصرية في نفس العام المواطن المصري عبد السلام شهيد الذي كان يعمل لصالح أجهزة الأمن الإسرائيلية، وقد صدر بحقه حكم بالإعدام، وفي العام ۱۹۹۳م أعدم مصري آخر يدعى إبراهيم شاهين بعد أن ثبت تورطه بالتجسس لصالح (إسرائيل).

▪ نشاط تجسسي إسرائيلي في الأردن أيضًا

أشارت مصادر مطلعة في الأردن إلى أن الأجهزة الأردنية المختصة رصدت منذ فترة تحركات مشبوهة لإسرائيليين دخلوا إلى الأردن تحت غطاء سياحي، وأشارت مصادر صحفية إلى أن الحركة الإسلامية في الأردن وجهت مذكرة سرية إلى رئيس الحكومة أعربت فيها عن شعورها بالقلق جراء تنامي الوجود الأمني الإسرائيلي في الأردن تحت ستار الأفواج السياحية، وقالت إنها تعتقد أن هذه العناصر تمارس نشاطًا استخباريًا داخل الأراضي الأردنية، وتعمل على إثارة القلاقل والتأثير على الاقتصاد والأمن العام.

ونسبت المصادر الصحفية إلى مصدر حكومي قوله: إن (إسرائيل) ما زالت تمارس نشاطًا تجسسيًا على الأردن، وأنها لا تزال تطرح أسئلة أمنية على الأشخاص الذين يتنقلون على الجسور والمعابر، حول طبيعة النشاط العسكري للقوات الأردنية، وأشارت هذه المصادر إلى أن أجهزة الأمن المصرية نصحت الجهاز الأمني الأردني بالحذر من المحاولات الإسرائيلية للتجسس على الأردن في ظل أجواء التطبيع.

وكانت محكمة أمن الدولة في الأردن أصدرت مؤخرًا حكمًا بالسجن المؤبد على مواطن أردني ثبت تورطه بالتجسس لحساب (إسرائيل).

وقالت مصادر صحفية أردنية: إن جهاز الموساد الإسرائيلي بدأ باستخدام الأردن كمحطة للتخطيط والتسليم وتنظيم اللقاءات لعملائه بعد توقيع معاهدة السلام الأردنية- الإسرائيلية، وأشارت هذه المصادر إلى أن جهاز الموساد الإسرائيلي نظم لقاء بين الجاسوسين عماد إسماعيل وعزام عزام في الأردن من أجل تسليم عماد حقيبة تحوي أجهزة تجسس أحضرها عزام معه من (إسرائيل).

▪ ٢٠٠ عميل إسرائيلي في لبنان

مصادر لبنانية أشارت إلى أنه تم الكشف منذ عام ۱۹۹۳م عن أكثر من ۲۰۰ جاسوس وعميل إسرائيلي في لبنان، وفي شهر أكتوبر «تشرين أول» ۱۹۹٦م أعلنت وزارة الداخلية اللبنانية عن كشف خلية تجسس إسرائيلية في بيروت كانت تعد لعمليات تخريب واغتيالات في لبنان، وقد نسبت الأوساط اللبنانية (لإسرائيل) مسئولية عدة عمليات تخريبية خلال الأعوام الماضية، كان آخرها تفجير كنيسة النجاة عام ١٩٩٤م، والذي أسفر عن مقتل نحو 10 لبنانيين وإصابة أكثر من ستين بجراح.

وإذا كانت بعض الأطراف العربية تريد أن تخدع نفسها بأن «السلام الهش» مع الإسرائيليين يمكن أن يوفر لها الأمن والاستقرار، وهو ما قد يدفعها بالتالي إلى الاسترخاء والتغافل عن محاولات الاختراق الأمني التي تخطط الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لتحقيقها بشكل متواصل، فإن ذلك سيكون له انعكاسات في غاية الخطورة قد لا يتم التنبه لها إلا بعد فوات الأوان.

الرابط المختصر :