; موضوع الغلاف: المآسي والأهوال في كردستان | مجلة المجتمع

العنوان موضوع الغلاف: المآسي والأهوال في كردستان

الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1992

مشاهدات 82

نشر في العدد 1015

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 08-سبتمبر-1992

·       صدام دمر في كردستان أربعة آلاف وثلاثمائة قرية وأكثر من مائة وثمانين ألف شخص لا يعرف مصيرهم منذ عام 1988 إلى الآن.

 

·       النظام البعثِي يتبع منذ عام سياسة تجويع للأكراد حتى يخضعوا له لكنهم صامدون.

 

·       النظام البعثي يكلف ضباطه بقتل ستة آلاف طفل كردي تم القبض عليهم من كردستان ورحلوا إلى بغداد.

 

·       أحفاد صلاح الدين بحاجة إلى دعم إخوانهم المسلمين لا سيما في إعادة بناء المساجد والمدارس.

 

كردستان العراق: جروح الأنفال وصمود أحفاد صلاح الدين

 حجم الكارثة الإنسانية وتدمير الهوية

شاهدت كردستان العراق مرة أخرى بعد غياب طال أكثر من خمسة عشر عامًا، لم نستطع العودة خلالها حفاظًا على ديننا وكرامتنا. شاهدت جبال كردستان الشامخة، ووديانها الجميلة الخلابة، وينابيعها الرقراقة، وشلالاتها الرائعة البديعة. وشاهدت مع هذا الجمال الخراب الذي حدث لكردستان العراق.

لقد تغيرت أكثر معالم كردستان التي تركتها منذ عام 1977م، حتى كدت لا أصدق عيني. فأين القرى الجميلة التي كنا ندرس فيها، وأين مساجدها التي كانت عامرة بذكر الله؟ وأين المدارس العلمية الشرعية التي خرجت علماء أعلامًا أمثال ابن الصلاح الشهرزوري، وابن الجزري، وابن خلكان، والبنجويني، والقره داغي، وملا محمد كوبي، والبريفكاني، وآلاف لا يمكن عدهم ولا حصرهم هنا؟ وأين المدارس والمجالس الأدبية التي خرجت أدباء وشعراء عظماء أمثال أحمد شوقي، والبيتوشي، والزهاوي؟

وأين مدارس حلبجة، وقره داغ، وبنجوين، وبشدر، وأطرش، وكوبي؟ وأين المسجد الأثري الضخم في قرية "نوتي" التي كنت في الصغر أدرس فيها؟

عملية الأنفال والدمار الشامل

كل ذلك قد انتهى في عهد النظام البعثي الصدامي العفلقي. لقد دُمرت كل هذه القرى والأقضية والنواحي، وهُجّر أهلها إلى المجمعات والمخيمات خلال عملية "الأنفال" الظالمة التي راح ضحيتها حوالي أربعة آلاف وثلاثمائة قرية، وأكثر من مائة وثمانين ألف شخص لا يُعرف مصيرهم منذ عام 1988م إلى الآن.

زرت بعض المدن والقرى التي دمرها النظام الصدامي العفلقي، وجعلها قاعًا صفصفًا لا ترى فيها أثر البنيان إلا الأطلال من الركام. بل كانت الخطة أن يُزال كل شيء يدل على وجود القرى، حتى لا يُقال: إن صدامًا هدم القرى، معاذ الله! لمصلحة من هُدمت كل هذه القرى التي تُقدر قيمتها البنائية بعشرات المليارات من الدولارات؟

 

الأهوال والجرائم المروعة تحت الحكم البعثي

لقد دمر صدام في كردستان أربعة آلاف وثلاثمائة قرية وأكثر من مائة وثمانين ألف شخص لا يُعرف مصيرهم منذ عام 1988م إلى الآن. النظام البعثي يتبع سياسة تجويع للأكراد حتى يخضعوا له لكنهم صامدون. النظام البعثي كلف ضباطه بقتل ستة آلاف طفل كردي تم القبض عليهم من كردستان ورُحّلوا إلى بغداد.

شهادات التعذيب والإبادة

تجولت في كردستان العراق التي تحررت من ظلم صدام، وذهبت إلى مجمعاتها وقراها المهدمة، ورأيت وسمعت ما يَشِيبُ له الوِلْدَانُ من هول ما حدث للأكراد، ومن جرائم يندى لها الجبين. ورأيت حقًا أن ما حدث للشعب الكردي من مصائب لم يحدث لأي شعب آخر. فترى جميع القرى الكردية قد هُدمت بكل ما فيها، بمساجدها ومدارسها ومستشفياتها.

ورأيت أزواجًا أُخذت زوجاتهم ضمن "الأنفال" منذ عام 1988م ولا يعرفون عنهن شيئًا. ورأيت آباء أصابهم الهستيريا من شدة الهول. وقد حكى لي أحد أقاربي أن الحكومة في السليمانية قبضت على ابنه الطالب في الثانوية فأعدمته مع مجموعة، ثم جاءت قوة للقبض على جميع أسرته، فقبضوا على والده ووالدته، لكن أخته قفزت من الطابق الثاني خوفًا على عرضها، فانكسرت رجلها ويدها، وكانت تحمد الله على هذه الحالة. ثم جاء "البلدوزر" فهدم البيت، وكُتب في لافتة: "هذا بيت الخائن فلان". 

وقد أخبرني أحد الثقات أن عددًا من مدراء الأمن في بغداد وُزِّع عليهم مجموعة من أطفال الأكراد (من الأنفال) ليقوم كل واحد بقتل مجموعة منهم، وكان عددهم ستة آلاف طفل، ثم وُزع الباقي على طلبة كلية الأمن القومي ليقوم كل طالب بقتل أربعة أطفال، ليتبين للمسؤولين البعثيين ولاؤهم للحكومة.


الوضع الحالي: الحصار الاقتصادي والصمود الكردي

بعد الانتفاضة الشعبية التي قام بها الأكراد في كردستان والعرب في الجنوب، قام النظام البعثي بحملة انتقامية شرسة. ثم عاد الأكراد إلى مدنهم بعد أن وفرت قوات التحالف نوعًا من الأمن، ولا سيما في دهوك وأربيل.

ومنذ يونيو/تموز 1991م، أمر النظام الصدامي أن ينسحب الجيش والشرطة وجميع الموظفين من المحافظات الثلاث (أربيل، دهوك، السليمانية)، فتمركز الجيش في كركوك. لذلك امتنع النظام العراقي عن دفع الرواتب لهم منذ سنة، بل قام بـ حصار اقتصادي على هذه المحافظات الثلاث. المدرسون والموظفون والأئمة والخطباء والإداريون والعمال أصبحوا بدون رواتب منذ سنة، وحالتهم يُرثى لها.

الصمود والاستقلال الإداري

وكان النظام العراقي في خطته التجويعية هذه يتوقع أن يركع له الشعب الكردي بناء على نظريته الحاقدة: "جَوِّع كلبَك يَتْبَعْك". غير أن الشعب الكردي شعب يعشق الحرية، وهو مستعد لأن يموت دون أن يُذَلَّ مرة أخرى.

وأدى هذا الفراغ السياسي الرسمي إلى إجراء انتخابات واسعة لاختيار البرلمان الكردي ورئيسه، ونجحت الانتخابات في ذلك. ثم خطا الأكراد خطوة أخرى نحو تشكيل حكومة محلية في ظل الفدرالية التي ينادي بها الشعب الكردي في العراق، أي بحكم الأكراد أنفسهم بأنفسهم في إطار دولة العراق. [موقع حكومة إقليم كردستان (لتمثيل الكيان الإداري): https://gov.krd/arabic/home/]


الصحوة الإسلامية ومواجهة التنصير

على الرغم من كل ذلك فإن المؤامرة الكافرة الخبيثة لم تَنْطَلِ على الشعب الكردي المسلم، حيث أدركوا خطورة المؤامرة، ولا يزال الإسلام بخير في كردستان، بل إن الصحوة أدركت الشباب تمامًا. وترى بأم عينيك أن الشباب عادوا إلى المساجد، وأن الأكراد متعطشون للدين الحق، حيث ظهر لهم أيضًا أن جميع الأفكار اليسارية والإلحادية والعلمانية تهاوت وتساقطت.

خطر المنظمات التنصيرية

مع الأسف الشديد لا توجد منظمة إسلامية لها دورها الإنساني في الساحة الكردية سوى فرع للهيئة العالمية للإغاثة في زاخو.

في المقابل، فإن المنطقة الكردية تَعِجُّ بالمنظمات الصليبية والتبشيرية حتى تجاوز عددها إحدى وثلاثين منظمة لها إمكانياتها الضخمة. وقد نشرت إلى الآن مئات الآلاف من نسخ الإنجيل المترجمة إلى اللغة الكردية، وتستغل هذه المنظمات الفقر والحاجة والعوز وربط ذلك بالدين المسيحي، مع التركيز على إثارة العداء بين العرب والكرد، وتحميل ما فعله صدام على الإسلام والعرب.


نداء عاجل لدعم أحفاد صلاح الدين

أهمية العناية بالشعب الكردي: الشعب الكردي شعب مسلم على مذهب أهل السنة والجماعة وعددهم اليوم في حدود 25 إلى 30 مليون نسمة، ولهم دورهم التاريخي في خدمة الإسلام والمسلمين من خلال صلاح الدين الأيوبي والعلماء الأعلام.

الاحتياجات الأساسية للشعب الكردي

يحتاج إخوانكم الأكراد في كردستان إلى إغاثة عاجلة ليكونوا قادرين على العيش ولا سيما قبل مجيء الشتاء حيث الثلوج القاتلة. الطبقات الأكثر حاجة هم أهل المجمعات والأنفال، والموظفون والعمال والأئمة والخطباء الذين لم يتسلموا الرواتب منذ سنة.

المشاريع المطلوبة بشكل عاجل:

1.    بناء المساجد والمراكز الإسلامية: لا سيما بناء مسجد جامع ومركز إسلامي في كل من أربيل، ودهوك، والسليمانية، وأكثر من ألف مسجد صغير في القرى المهدمة.

2.    بناء المعاهد الإسلامية والمدارس: تحتاج المنطقة إلى حوالي خمسة عشر معهدًا إسلاميًّا وألف مدرسة ابتدائية على الأقل.

3.    المستوصفات والمستشفيات: تحتاج المنطقة إلى حوالي عشرين مستشفى وثلاثمائة مستوصف وعيادة.

4.    مشروعات الكفالات: كفالة الأيتام (أكثر من خمسين ألف يتيم)، والأرامل، وطلبة العلوم الشرعية، والدعاة (حوالي 200 ريال شهرياً للداعية).

لو قام إخواننا العرب - ولا سيما في الخليج - فأغاثوهم وبنوا لهم مساجدهم ومدارسهم، فقد نالوا بذلك أجرًا عظيمًا، وجَسَّدوا الأخوة الإسلامية. فالشعب الكردي معروف بشدة الوفاء وعدم نسيان المعروف.





الرابط المختصر :