; التفسير المادي للنوازل والكوارث | مجلة المجتمع

العنوان التفسير المادي للنوازل والكوارث

الكاتب عبد المنعم سليم

تاريخ النشر الأحد 26-أبريل-1992

مشاهدات 66

نشر في العدد 998

نشر في الصفحة 26

الأحد 26-أبريل-1992

  • ·       مهمة الجيش حماية أمن الوطن لا الحاكم.

    ·       الدكتاتور يعتبر شعبه قاصرًا وأنه وصي عليه.

    النظم الدكتاتورية على ساحتنا العربية ما زالت وحدها المتشبثة بالتفسير المادي للأحداث والكوارث، وما زالت أبواقها الإعلامية وحدها التي تصر على أن تعيد بكل ما حاق ويحيق بالشعوب من نكبات أو نزل وينزل بساحتها من أزمات ونكبات إلى أسباب اقتصادية فقط ولا دخل ولا علاقة له بأي أسباب أخرى، حتى لو كانت مزاعمها مفضوحة، وتبريراتها أو تفسيراتها للأحداث والنوازل أكثر من مفضوحة.

    فالصحوة الإسلامية في شتى أرجاء العالم العربي والإسلامي إنما حركها في عرف وفهم الدكتاتوريات وإعلامها الرشيد أزمات الاقتصاد ومشكلاته وحاجات الناس المادية ومطالبهم المتزايدة مع القصور في الموارد والإمكانات والإنتاج.

    واجتياح الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر للانتخابات التشريعية مع نهاية العام الماضي - وهي الانتخابات التي أُلغيت مرحلتها الثانية - سببه أيضًا العوائق الاقتصادية وافتقار الشعب إلى المسكن والملبس والمأكل والعمل مما دفع الناس إلى التصويت في صالح من رفعوا شعار الإسلام هو الحل طمعًا في أن يجدوا عندهم حلًا للأزمات وعلاجًا للنكبات.

    وتمادى إعلام بعض الدكتاتوريات بعد أن اطمأن محركوه وموجهوه إلى إلغاء الانتخابات الجزائرية ومصادرة حق الناس في الاختيار، والحيلولة دون الإسلاميين والتقدم لعلاج ومواجهة الأزمات والنكبات التي جرتها الدكتاتوريات وفسادها وإفسادها على البلاد والعباد فقال: كنا نود أن تستمر عملية الانتخابات الجزائرية وتصل الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى السلطة لتواجه المشكلات والأزمات والمعضلات، وتؤكد عجزها البالغ ليعرف الناس المدى الواسع بين الشعارات البراقة وبين الواقع.

    ووقوع جريمة بشعة هزت وأدمت القلوب والعقول ومزقت وفتتت الأكباد والمشاعر وسط مدينة كبرى في عالمنا العربي يُنتهك فيها عرض فتاة، وتُعرى من ملابسها أمام أعين الجماهير الغفيرة أيضًا مبعثه وسببه اقتصادي واقتصادي فقط.

    وهدف الدكتاتوريات وإعلامها من وراء التبرير الاقتصادي للأحداث والأزمات والتفسير الاقتصادي للنكبات والنوازل.

    وقد عفا على التبرير والتفسير الدهر، وبان عُريها من خلال ما حاق بشعوب ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي وما آلت إليه أحوالها وأوضاعها من تدهور إلى الحضيض، وسقوط إلى ما هو أبعد وأدهى من الحقيقة، لا يخفى على صاحب فطنة، بل أحسبه لا يخفى على كل الشعوب المضطربة خاصة وأن النوازل والكوارث التي حلت بساحتها في عهد وعلى أيدي الدكتاتوريات قد فاقت كل الحدود وتعدت كل التصورات.

    إن الدكتاتورية وأبواقها الإعلامية تحاول من وراء هذا التفسير الأعرج أو هذا التبرير الأعوج أن تتنصل من مسؤولياتها كما تحاول أن تخفي الوجه القبيح لسياساتها التعليمية والاقتصادية والإعلامية والاجتماعية والأمنية ومصادرتها للحريات وتهميشها للشعوب أو دفعها للشعوب تحت سيف الإرهاب لتركن إلى الانزواء في سلبية لا تُعرّضها لأنواع الملاحقات والاضطهادات والتصفيات من خلال أنماط من المحن - قصد من ورائها إهدار الكرامات، وقتل مشاعر ومواقع الشهامة والنخوة والثورة للحق والانحياز إليه والثورة على الباطل ومواجهته.

    الدكتاتوريات وحدها التي تحاول بشكل ممسوخ أن تسدل ستارًا أو تهيل ترابًا على العلاقة بين مصادرة الحريات وسلب الأمن والأمان وبين الكبت والقهر اللذين يدفعان الناس إلى الاحتجاج أو الاستنكار ولو من خلال العدوان والتدمير.

    والدكتاتوريات وحدها ومعها إعلامها الرشيد يحاولان إسدال ستار كثيف على العلاقة بين ملاحقة الدعاة إلى الله، وترويع الشباب المؤمن ومصادرة الصوت الإسلامي الصحيح، وبين فقدان الضوابط عند الكثيرين، ضوابط الداخل التي تحول دون الإنسان والخطأ، وتقود إلى الصواب والفضيلة.

    والدكتاتوريات حريصة كل الحرص ومن خلال إعلام تنفق عليه بكل سخاء ومن خلال أبواق تحللت من كل فضيلة، وانفصلت عن كل قيمة أن تفصل بين أسلوبها الأمني والإعلامي والتعليمي وبين إفرازاته وكلها السقم والبلاء.

    واحد  من النظم الدكتاتورية يحتفظ بما يقرب من نصف مليون جندي من الأشاوس يقودهم 15 ألف ضابط وصف ضابط لحماية أمنه وأمنه وحده ضد من؟ ضد الشعب. وأينما حل الإنسان في ناحية من نواحي عاصمة النظام وحاضرة حكمه وسلطانه، رأى العربات العسكرية تغص بالأشاوس مدججين بالبنادق والدروع تأهبًا لمظاهرة أو انتفاضة أو أي عمل يهدد أمن النظام من قبل أي فرد من أفراد الشعب.

    أما أمن الناس في بيوتهم في أرواحهم في أعراضهم في أبنائهم وبناتهم فلا وزن له ولا اعتبار. وحين تُوجه كل الطاقات البشرية والمادية لخدمة أمن النظام على حساب أمن الشعب تُنتهك الأعراض وتُسلب الأموال وتُقتحم البيوت ويُعتدى على الناس في المواصلات وأمام أعين الآلاف من المقهورين أو المسلوبين إرادة، المقهورين إرهابًا.

    في عرف وفهم النظم الديموقراطية، والحكومات المنبثقة عن الشعوب، والتي تحكم باسم الشعوب ولصالح الشعوب، تُخصص الجيوش للدفاع عن الحدود، وأجهزة الأمن في الداخل لحماية الشعوب، ويعدل الحكام فينامون في الخلاء مطمئنين آمنين فقد أمنوا حين أقاموا العدل فناموا في هناء والعيون قريرة.

    وفي عرف وفهم النظم التي تعرف وتدرك وتؤمن بصحيح دورها الشعبي، وواجبها الوطني يُسخر الإعلام لخدمة الشعب لا لخدمة الحاكم، وتُرسم له سياسة في إطار قومي يشارك فيه الجميع من أصحاب الرأي والعلم.

    كما تُوضع للتعليم سياسة من خلال مشاركة قومية تتمثل فيها كل الطاقات المبدعة، والعقول المفكرة والأذهان المستنيرة.

    لقد شدني ما قرأته لواحد من أصحاب الفكر والعلم في بلد عربي وقد سُئل عن رأيه في هذا الحادث الذي اُنتُهِك فيه عرض فتاة أمام أبصار الناس ووسط عاصمة مكتظة بسكانها فقال:

    أشعر منذ فترة بوجود درجة من التوتر العام تحتل مساحة واسعة من الشارع والعمل والمنازل من ورائه ملابسات وظروف كثيرة واللون الذي يغلب على هذا التوتر هو نوع من الاكتئاب العام يمكن أن أسميه اكتئابًا قوميًا، مظاهره مختلفة منها فقدان الهمة وفقدان الأمل والتشاؤم إن نمط الحياة غير صحي. ولابد من إحداث تغييرات خاصة وأنه موجود في كل مكان وأسبابه عامة وتكمن في حياتنا الاجتماعية، وإذا استطعنا بإخلاص وجدية أن نضع أيدينا على بعض هذه العوامل التي تسبب هذا الاكتئاب والتوتر ونحركها في الاتجاه الصحيح نحو إعادة الثقة إلى الناس في قيمة جهودهم وفي الغد الذي يأتي بثمار هذه الجهود نكون قد خطونا على الطريق. إن العلاج هو علاج المجتمع علاج لحياة اجتماعية ولابد من تضافر المجتمع كله حكامًا ومحكومين.

    ولست أحسب أن الدكتاتوريات تؤمن بتضافر الحاكم والمحكوم فهي وحدها التي تنفرد - في مفهومها - بالفكر المتميز والعقل الرشيد، والقدرة على رسم السياسات، وهي وحدها التي تنفرد بالحكمة والعلم والمعرفة ووحدها صاحبة الحق في القيادة، والتوجيه والتحريك.

    لا تُسأل عما تفعل، فهي الوصية على قاصرين لا يشبون عن الطوق، ولا يعرفون النضج، ولا يحسنون الخطو، ولا يعرفون التمييز بين الخطأ والصواب، ولا يميزون بين الضار والنافع، ومن ثم فلابد من جيوش تحمي القادة المفكرين النابغين من هوج وتفلت القاصرين، وتضرب على أيدي العابثين منهم بيد من حديد إذا حاولوا من خلال عبثهم أن يصيبوا الأوصياء ولو برذاذ. أما إذا وقعت الإصابات فيما بينهم حتى ولو وصلت إلى حد انتهاك الأعراض أو سفك الدماء أو سلب الأموال والممتلكات فلا حرج ولا تثريب، فهي ظواهر عابرة وجرائم عادية سببها ضوائق مالية والدماء المُراقة والمسفوكة خلف القضبان أو على أعواد المشانق هي من نفس الدماء المُراقة في الشوارع والميادين، كما أن الأعراض المنتهكة في قلاع وسجون السلطات هي من نفس الأعراض المنتهكة أمام أعين الجماهير وسط الميادين وعلى قارعة الطرق.

    فالقضية الأساسية - في عرف ومفهوم الدكتاتوريات - هي أن قتل شعب بأسره أو سحقه من خلال غزوه وتشريده مسألة فيها نظر، بل لا تستدعي النظر، أما احتمال خدش أو حكة أو إصابة شعرة في جلد فرد بعينه فهو جريمة لا تُغتفر.



     

الرابط المختصر :