العنوان الشمولية والإيجابية والواقعية
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2005
مشاهدات 71
نشر في العدد 1649
نشر في الصفحة 66
السبت 30-أبريل-2005
تلك هي بعض خصائص الحضارة الإسلامية وملامحها المتميزة، فلقد قدرت هذه الحضارة على التحقق بجل الأنشطة والامتداد إلى سائر المناحي، والتوغل في نسيج الحياة والوجود، ومتابعة كل ما من شأنه أن يهم الإنسان، وهكذا وجدنا بناة هذه الحضارة يسعون في الأرض لكي يمسوا كل قضية، ويتعاملوا مع كل موقف ويركبوا ويبنوا من كل ما يقع تحت أيديهم من حيثيات ومواد فما ثمة أمر مما يهم العقل أو الروح أو الجسد أو الحس أو الوجدان، إلا قالوا فيه كلمتهم، وقدموا، حسب قدراتهم وإمكاناتهم يومها التعبير الثقافي المناسب، لم ينكمشوا يومًا إزاء هذا الجانب أو ذاك من جوانب الكون والعالم والإنسان، ولا انحسروا إزاء هذه المساحة أو تلك من سطح الوجود، ولا هربوا أو انسحبوا قبالة معضلة من معضلاته.
إنها الحضارة التي تشكلت لكي تقدم طعامًا أكثر مادة غذائية صالحة للعقل والجسد والروح والوجدان والحس في وقت واحد، وكانت في هذه المجالات كافة تملك الخبرة التي تمكنها من أن تعد صنوفا جيدة شهد لها الخصوم قبل الأصدقاء.
وإذا كانت معظم الحضارات البشرية التي عرفها التاريخ ترمي بثقلها صوب هذا الجانب أو ذاك من جوانب السعي البشري في الأرض، فتميل لأن تكون عقلية أو حسية أو حدسية أو روحية، ...إلخ، وتصب اهتمامها على هذه المساحة أو تلك من مساحات الخبرة، فإنه في الحضارة الإسلامية ليس ثمة جنوح في هذا الاتجاه أو ذاك، فيما عدا حالات محدودة بطبيعة الحال تمثل استثناء لقاعدة فلا يكاد يقاس عليها، كل ما كان ينبض في نسيج العالم والحياة والوجود كان يجد صداه المناسب في نبض الحضارة الإسلامية التي كانت قديرة على تنفيذ حوار متكافئ بين الأنشطة البشرية وبين ظواهر الوجود وحقائقه ومعطياته كافة.
وهي حضارة إيجابية بناءة رفضت التخريب والإفساد، ولم تسمح لأن تأخذ بخناقها رؤية سوداوية متشائمة للوجود والمصير وللمسعى البشري في هذا العالم، ولم تثمر نزعات هدامة كالحة كالعدمية، أو الفوضوية، أو العبثية أو حتى السريالية الموغلة في سراديب الجنس والكبت والظلام والجنون، كالذي أفرزته الحضارة الغربية، كما أنها لم تعكس، كما حدث في أوروبا، رؤى وأخيلة وفلسفات يبلغ من جموعها واندفاعها باسم التطور والنزوع الارتقائي، أن تدمر كل الثوابت والمرتكزات والخبرات والمؤسسات المتفق عليها في تاريخ الجماعات البشرية المتحضرة، وتسوق الإنسان والمجتمع إلى نوع من الانتحار أو الاصطراع مع الذات وقوانين الفطرة والتاريخ، الأمر الذي كان يكتشف في أعقاب كل جولة من جولات الاندفاع غير المتبصر هذا، ولكن بعد أن يكون قد هدر الكثير من الفرص والطاقات.
وإذا كان ثمة مساحات تشاؤمية أو هدمية في نسيج الحضارة الإسلامية «من مثل بعض أشعار المعري أو الخيام، وبعض النزعات الصوفية المتطرفة في تدمير الذات ورفض الحياة» فهي لا تعدو أن تكون بقعًا محدودة، هي بمثابة الاستثناءات التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها.
لقد علمهم رسولهم أن يمضوا في إعمار الحياة وبناء العالم ومد الخضرة في مساحاته حتى آخر لحظة، قال لهم فيما رواه البخاري: «إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر»، ومنذ ذلك الحين كان هدف الأبناء والأحفاد أن يتزين العالم ويخضر بالحضارة المتعانقة مع قيم الحياة والتواصل والاستمرار لا أن يأتوا بالنار والدخان عليه.
وهي حضارة واقعية، وقد يقال بأن الحضارة الغربية نفسها، والكثير من الحضارات الأخرى عبر التاريخ، كانت واقعية هي الأخرى، فليست هذه إذن ميزة تحسب للحضارة الإسلامية.
ولكننا إذا تذكرنا أن هذه الحضارة تجاوزت في طموحاتها الكبيرة ساحة الأرض إلى السماء، ولحظات الفناء إلى عالم الخلود، وظلت في مساراتها وقيمها الأساسية مرفوعة الرأس صوب المثل الأعلى، عرفنا أن الواقعية هنا تحمل مغزاها المتميز في قدرة هذه الحضارة على عدم الانفصال عن أرضية العالم، على تجاوز الثنائية، وعلى عدم التحول شيئًا فشيئًا صوب المثالية التي تنسى موقعها في الأرض، وترفض الاعتراف بشدها وثقلها ومطالبها، وتجنح - وهي تطلب السماء- إلى الأخيلة والأوهام.
إن حضارات كثيرة شهدتها الساحات الأسيوية والأوربية في القرون الوسطى. مثلًا عانت من ازدواجية كهذه وانتهى بها الأمر إلى فصام نكد بين مطامحها وبين ضرورات الحياة ومطالبها، أما في تاريخنا فلقد مضى النشاط الحضاري ينقب في الأرض، يكشف عن السنن والنواميس والطاقات المذخورة، يتابع حاجات الإنسان وأشواقه.. يتفحص دوافعه وغرائزه، ويقدم له وفق القدرات التاريخية يومها، الزاد الذي يعينه على مواصلة السعي على أرضية العالم، لا التهويم في الغبش والضباب المعلق بين السماء والأرض. إن تراثنا المعرفي لا يتضمن سوى مدن فاضلة معدودة كالتي حلم بها الفارابي متأثرًا باليونان، لا تتجاوز أصابع اليدين، لأن الذين صنعوه كانوا يدركون جيدًا أن النشاط المعرفي الذي نفخ فيه الإسلام من روحه لا يسمح للمسلم الجاد بأن يحلم بعالم مثالي وهو قاعد مستريح، وأن عليه أن يسعى إلى تنفيذ مقولاته على أرضية الواقع، وينسج مصيره من حيثيات الزمن والمكان، ويستند إلى ما هو كائن من أجل صياغة ما سيكون، ويعيد تشكيل معادلات الحياة من الأرقام اليومية المنظورة التي يتعامل معها صباح مساء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل