العنوان اللحية في نظر الدين
الكاتب رجب عبد الله عودة
تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1977
مشاهدات 72
نشر في العدد 367
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 20-سبتمبر-1977
إني على يقين أن هذا الحديث يحفظ، ويغضب الكثير منكم، فماذا نفعل؟ نرضيكم ونسخط الله فيسخط الله علينا، ويسخطكم علينا آخر الأمر؟ أو نرضي الله فيرضى الله عنا ويرضيكم عنا كما وعد جل وعلا على لسان نبيه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس؛ ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس»، أسأل الله العلي القدير أن يكون قولي هذا خالصًا لوجهه الكريم، واتباعًا لهدي سيد المرسلين، وإحياء لشعيرة من شعائر هذا الدين، نسخت أو کادت أن تنسخ من هذا الدين. وكنت أود ألا أتعرض لهذا الموضوع؛ لأن المسلمين في حاجة إلى ما هو أهم وأعظم من ذلك؛ ولكنني نظرت فما وجدت أحدًا من العلماء يتعرض له أو يشير إليه أدنى إشارة إلا النادر القليل، بل وجدنا علماء مع الأسف يفتون في اللحية فتوى تخالف كتاب الله وسنة رسوله، الأمر الذي لا يصح ولا يحتمل معه السكوت، بل يجب البيان حتى يكون الناس على علم من هذا الأمر، ليحيى من حي عن بينة، ويعصي من يعصي عن بينة، ولتبرأ الذمة أمام الله، وللمؤمن بعد ذلك الخيار؛ إن شاء فعل، وإن شاء ترك، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِين﴾ (النور: 54).
لقد زعموا أن تربية اللحية سنة؛ أي سنة في اصطلاح المتأخرين من العلماء، يثاب المسلم على فعلها، ولا يعاقب على تركها، وبناء على هذه الفتاوى ومحاكاة وتقليدًا لهؤلاء العلماء، ترك المسلمون هذه الشعيرة العظيمة؛ شعيرة النبي «ص»، بل وشعيرة الأنبياء والمرسلين جميعهم، أقول: صفة المرسلين جميعهم، وأدلل على ما أقول من كتاب الله حيث يقول جل وعلا حكاية عن نبينا هارون حين غضب عليه أخوه موسى عليهما السلام: ﴿قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ (طه: 94)، ألا نرضى لأنفسنا ما رضيه الأنبياء والمرسلون لأنفسهم؟! أما نرضى لأنفسنا ما رضيه الصحابة الأبرار والتابعون لهم بإحسان؟! إنهم لم يتركوا هذه الشعيرة امتثالًا لأمر الله وأسوة برسول الله، بل وبرسل الله جميعًا عليهم الصلاة والسلام.
قد تقولون: أين أمر الله؟
تجدونه في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: 7)، فهذه الآية الكريمة تلزم المسلم أن يأخذ بكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه وحي من الله، وليس هوى، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3، 4)، فلما مضت القرون الخيرة: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» أخذ الناس يقصرون ويحلقون، إلى أن أصبح الحلق أمرًا عاديًّا، وليس مستنكرًا، وليس هذا فحسب، بل أصبح الحلق قربى يتقرب العبد بها إلى الله، وربما ترك الواحد منهم لحيته طوال أيام الأسبوع فإذا جاء يوم الجمعة حلق تجملًا للصلاة. إننا نتقرب إلى الله بمعصية الله ومخالفة هدي رسول الله صلى الله عيه وسلم، وأخشى والله أن يتناول هؤلاء الناس حديث رسول الله الذي يقول بما معناه في آخر الزمان يرى الناس المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، أو كما قال. وهذا ما نراه اليوم. لقد مسخت القيم وانقلبت المعايير، واستهزأ الناس بشعائر الدين، واستهزأ أناس من أمة محمد باللحى، ما دروا أنهم بهذا يستهزئون بنبيهم الكريم؛ لأن الذي يعفي لحيته منا إنما يفعل ذلك امتثالًا لأمر رسوله الكريم، وتأسيًا بفعله الحميد صلوات الله وسلامه عليه.
والمستهزئ برسول الله، أو بحكم من أحكام الله، فقد برئت منه ذمة الله، إلا أن يرجع ويتوب إلى الله: ﴿قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: 65، 66). يروي ابن كثير في سبب نزول هذه الآية عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني بهم الصحابة، فقال رجل في المسجد: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبلغ ذك رسول الله، ونزل القرآن، فقال عبد الله بن عمر: أنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله، تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله يقول: ﴿قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين﴾ (التوبة: 65، 66).
أيها المؤمنون، لو كانت اللحية من أفعال الرسول وصفاته فحسب لما وجب علينا فعلها؛ لأن أفعال الرسول التي لم يقصد بها البيان لا يجب على المسلمين؛ لكن اللحية خلاف ذلك، لقد فعلها النبي وأمر بها المسلمين، جاء في الخبر أن لحية رسول الله الشريفة كانت كثة تملأ صدره من هاهنا وهاهنا، وجاء الأمر بها في أحاديث منها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب»، وفي رواية: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى»، وفي رواية ثالثة: «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى»، ومعنى: أحفوا الشوارب أو أنهكوا الشوارب؛ أي: خذوا ما زاد عن الحافة منها، وليس معنى الحف استئصالها كلها، فاستئصالها كلها بدعة لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن هذه الأحاديث التي مرت بنا مع القرائن المصاحبة لها تفيد وجوبًا إعفاء اللحية وجوبًا مؤكدًا، وليس هناك قرينة واحدة تصرف الوجوب إلى الندب، فاللحية إذًا واجبة وليست سنة، ويحرم حلقها بإجماع الأئمة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة واحمد، ومعهم ابن تیمیة وابن القيم من فقهاء الحنابلة، فمن الذي يقول بسنيتها بعد هذا البيان؟ ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾ (البقرة: 111).
لقد صحت الأحاديث عن رسول الله بالأمر بإعفائها، وأجمعت المذاهب على حرمة حلقها، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ (يونس: 32) والهوى، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِين﴾ (الذاريات: 55).
أيها المؤمنون، لا تغيروا خلق الله فتستجيبوا بذلك إلى الشيطان، يقول لعنة الله: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 118، 119)، فحلق اللحية مخالف للفطرة وتغيير لخلق الله، ولا تغتروا بعلماء هذا الزمان، ولا بسواد الناس وكثرتهم.. لا يصرفنكم عن الحق قلة السالكين.. تجنبوا الباطل ولا تغتروا بكثرة الهالكين، قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّه﴾ (الأنعام: 116)، وقال بعض الصالحين: من كان مستنًّا فليستن بمن مات؛ فإن الأحياء لا تؤمن عليهم الفتنة. فكيف بزماننا هذا زمن الفتن والمنكرات، يقول علي رضي الله عنه: يا حارث، الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف الرجال.
خلاصة ما قلناه: إن تغيير أي شيء من الصفات الخلقية البشرية بغير إذن من الله هو تغيير لخلق الله ومسخ للفطرة التي فطر الناس عليها، وقد أصاب نساءنا ما أصاب الرجال سواء بسواء؛ فبعض النساء ينتفن حواجبهن، وبعضهن يجعلن الوشم في وجوههن وأذرعهن، وبعضهن يبردن أسنانهن، ولما كان هذا مخالفًا للفطرة وتغييرًا لخلق الله من جانب النساء، والنساء أحرى من الرجال وأولى منهم بالتزين، فيباح لهن ما لا يباح للرجال، فمع توفر هذه الدواعي لعن الرسول من يعمل ذلك منهن، فقال: «لعن الله الواشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله». فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا علی أوامر الله وتعاليم رسول الله، لنكون من أمته ونحظى بشفاعته، ولنرد عليه الحوض ولا نذاد عنه.
يقول بما معناه: «إن أناسًا من أمتي يردون علي الحوض فيذادون عنه، فأقول: أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». وما أكثر ما أحدثنا!
أسال الله لي ولكم العافية، وللحديث بقية إن شاء الله لنوفيه حقه، ولنجيب على شبهات وردت وترد حول هذا الموضوع.. شبهات هي من وحي الشيطان، مثل أن يقذف في نفس المسلم أن التقوى محلها القلب، والدين ليس باللحى، واللحى مظاهر، «إن الله لا ينظر إلى صوركم؛ ولكن ينظر إلى قلوبكم».
ومن ذلك قولهم: إن هذه من سفاسف الأمور، وهناك ما هو أهم وأعظم من هذا يحتاج إليه المسلمون!
وأسخف من ذلك قول من قال: لم يكن على عهد السلف شفرات ولا أمواس يحلقون بها شعورهم!
كل ذلك سنبينه في خطبة أخرى إن شاء الله، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل