العنوان نجم الدين أربكان, المهندس النابغة وصانع الصحوة، في تركيا الحديثة
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 05-مارس-2011
مشاهدات 63
نشر في العدد 1942
نشر في الصفحة 27
السبت 05-مارس-2011
رحل البروفيسور نجم الدين أربكان 29/10/1926م – 27/2/2011م)، صانع الصحوة الإسلامية في تركيا الحديثة، وصاحب أطول وأشرس ملحمة جهادية عبر القانون والدستور «أكثر من نصف قرن»؛ لإعادة تركيا إلى أحضان الإسلام, وهو أيضًا صانع أول «محرك» تركي أسهم في وضع تركيا على عتبة الانطلاق والتطور, فهو خريج كلية الهندسة الميكانيكية بجامعة إسطنبول عام ١٩٤٨م، وكان الأول على دفعته، ونال شهادة الدكتوراه في هندسة المحركات عام ١٩٥٣م من ألمانيا، وهناك حقق ابتكارات جديدة - مازالت تحمل اسمه - لتطوير صناعة محركات الدبابات التي تعمل بكل أنواع الوقود.
وبعد عودته إلى تركيا في نهاية عام ١٩٥٥م، عاد إلى تركيا لينجح في صناعة أول «محرك» في تركيا, لكنه ترك ذلك المجد الكبير واتجه لصناعة أمة جديدة على هدي الإسلام العظيم، فقد أيقن أن بناء الأمم أهم لديه من بناء المصانع والمحركات.
ومنذ دخوله حلبة السياسة عام ١٩٦٩م، جاهد في سبيل أن تشق الحركة الإسلامية طريقها وسط أنواء العلمانية العنيفة, ولاقى في سبيل ذلك العنت والظلم، فقد حل له النظام العلماني على مدى أربعين عامًا أربعة أحزاب؛ هي: الخلاص الوطني»، و«السلامة»، و«الرفاه»، و«الفضيلة», لكنه لم يتوقف ولم يستكن.
وقد أعلن «أربكان» عن هويته منذ اليوم الأول لدخول الحلبة السياسية بصراحة وشجاعة قائلًا: «إنّ أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام ولقد حاول الماسونيون والشيوعيون أن يُخربوا هذه الأمة ويفسدوها، ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، فالتوجيه والإعلام بأيديهم، والتجارة بأيديهم، والاقتصاد تحت سيطرتهم، وأمام هذا الطوفان فليس أمامنا إلا العمل معًا يدًا واحدة ، وقلبًا واحدًا؛ حتى نستطيع أن نعيد تركيا إلى سيرتها الأولى، ونصل تاريخنا المجيد بحاضرنا الذي نريده مشرقًا ..».
وقد أشعلت تلك الكلمات ثورة المؤسسة العلمانية المتطرفة ؛ فأصدرت محكمة أمن الدولة العليا قرارًا بحل حزبه الأول «الخلاص الوطني»، ومصادرة أمواله وممتلكاته بعد أن جرمته بتهمة انتهاك الدستور العلماني، والعمل على إلغاء العلمانية، وإقامة حكومة إسلامية في تركيا، والعمل ضد مبادئ «أتاتورك».
واقتيد «أربكان» وزملاؤه إلى السجن بتهم متعددة، من بينها العمل على استبدال قوانين الدولة العلمانية بمبادئ تقوم على أساس الإسلام، وهو ما كان كافيًا لأن يُحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات، وإخراجه من الحلبة السياسية, وهكذا ظل يواجه انقلابًا بعد انقلاب، وأحكامًا متتالية بالسجن ومصادرة للأموال والممتلكات من قبل الطبقة العلمانية الكمالية المتطرفة، تلك العلمانية العجيبة التي أصرت حتى وهي في النزع الأخير من عافيتها على الانتقام من هذا العملاق، مستخدمة كل ما في أيديها من أدوات قانونية، ولا تتوانى عن استخراج كل ما في جعبتها من حيل سياسية للانتقام من العدو الإسلامي اللدود »، فأصدرت المحكمة العليا «قضاتها علمانيون» حكمها بإدانة «أربكان» بالغرامة بـ ۱۲٫٥ مليون ليرة تركية «9 ملايين دولار».
حدث ذلك بعد حل الحزب عام ۱۹۹۸م، وإجبار «أربكان» على الاستقالة من رئاسة الحكومة بالقوة العسكرية، وبناء على ذلك الحكم؛ تم الحجر على كل ممتلكات «نجم الدين أربكان» بما فيها بيته الذي كان يعيش فيه, وأصبح مخيرًا بين الدفع أو بيع كل الممتلكات في مزاد علني.
والسبب أن حزب «الرفاه» حقق في انتخابات عام ١٩٩٤م مفاجأة بفوزه في انتخابات البلدية في عدة مدن، وفي سنة ١٩٩٥م حدثت مفاجأة أكبر بفوزه بأغلب المقاعد في الانتخابات البرلمانية في تركيا (158) مقعدًا من أصل ٥٥٠؛ ليصعد «نجم الدين أربكان» إلى منصب رئيس الوزراء في سنة ١٩٩٦م، ويصبح أول رئيس وزراء «إسلامي» في تركيا منذ سقوط الخلافة العثمانية سنة ١٩٢٤م.
هنا شعر الجيش التركي حامي حمى العلمانية بالخطر خاصة بعد أن حققت حكومة «أربكان» نجاحات منقطعة النظير على الصعيد الوطني والإسلامي؛ فأقدم على انقلاب عسكري أبيض ضد حكومة «أربكان»، ودخلت الدبابات التركية إلى شوارع أنقرة وإسطنبول، وأجبر «أربكان» على الاستقالة، وتم حل حزب «الرفاه»، وقدم «أربكان» إلى المحاكمة العسكرية بتهم كثيرة، أهمها انتهاك علمانية الدولة، وصدر القرار بمنعه من مزاولة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات.
لم ييأس «أربكان»؛ فأسس حزبًا أسماه حزب «الفضيلة» سنة ۲۰۰۰م، وتولى «رجائي قوطان» رئاسته بسبب وقف «أربكان» من مزاولة العمل السياسي.
وفي سنة ۲۰۰٣م زال الحظر عن «أربكان»؛ فأسس حزبًا جديدًا هو حزب «السعادة», وظل الرجل يقوم برسالته حتى آخر نفس في حياته يوم الأحد ٢٧ فبراير ۲۰۱۱م يوم رحيله بعد أن وضع تركيا على طريق العودة للإسلام من جديد بقيادة تلامذته «رجب طيب أردوغان»، و«عبدالله جول».