العنوان جلسة مع ابن القيم الجوزيه
الكاتب أبو عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1975
مشاهدات 81
نشر في العدد 275
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 18-نوفمبر-1975
جلسة مع ابن القيم الجوزيه
فطوبي للغرباء
هل استشعرت معاني الرسالة السابقة في حياتك اليومية.. ونحن والله نعيش في غربة وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم. ولكن أهل هذه «الغربة» هم أهل الله حقا، فإنهم لم يأووا إلى غير الله. ولم ينتسبوا إلى غير رسول الله -صلى الله عيه وسلم- ولم يدعوا إلى غير ما جاء به وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم. فاذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم. فيقال لهم «ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس، ونحن أحوج إليهم منا اليوم، وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده».
فهذه الغربة --أخي الحبيب- لا وحشة على صاحبها. بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا. فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفوه.. في حديث القاسم عن أبي إمامة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: - عن الله تعالى «إن أغبط أوليائـي عندي: لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة. أحسن عبادة ربه. وكان رزقه كفافا، وكان مع ذلك غامضا في الناس. لا يشار إليه بالأصابع. وصبر على ذلك حتى لقى الله. ثم حلت منيته، وقل تراثه وقلت بواكيه!». ومن هؤلاء الغرباء: من ذكرهم أنس في حديثه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «رب أشعث أغبر. ذي طمرين لا يؤبه له. لو أقسم على الله لأبره». وقال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب. لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، للناس حال وله حال. الناس منه في راحة. وهو من نفسه في تعب.
أخي الغريب:
كيف لا يكون المؤمن السائر على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم، وأطاعوا شحهم، وأعجب كل منهم برأيه؟ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «مروا بالمعروف. وانهوا عن المنكر. حتى إذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا. ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه. ورأيت أمرا لا يد لك به فعليك بخاصة نفسك. وإياك وعوامهم. فإن وراءكم أياما صبر الصابر فيهن كالقابض على الجمر» ولهذا جعل للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسك بدينه: أجر خمسين من الصحابة، ففي سنن أبي داود والترمذي قال أبو ثعلبة الخشني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة:105) فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر. حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنبا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله قلت: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم» وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس، والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم.
أخي الداعية إلى الله:
إذا أراد المؤمن، الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه، وفقها في سنة رسوله، وفهما في كتابه، ورأى ما الناس فيه: من الأهواء والبدع والضلالات، وتنكبهم عن الصراط المستقيم، الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال، وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه، وازدرائهم به. وتنفير الناس عنه وتحذيرهم منه. كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وأمامه صلى الله عليه وسلم. فإما أن دعاهم إلى ذلك، وقدح فيما هم عليه: فهنالك تقوم قيامتهم.
ويبغون له الغوائل. وينصبون له الحبائل، ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله.
فهو غريب في دينه لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة، لتمسكهم بالبدع غريب في اعتقاده، لفساد عقائدهم غريب في صلاته لسوء صلاتهم غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم غريب في نسبته لمخالفة نسبهم غريب في معاشرتهم لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم.
وبالجملة: أخي المجاهد في سبيل الله:
فهو غريب في أمور دنياه وآخرته. لا يجد من العامة مساعدا ولا معينا
فهو عالم بين جهال، صاحب سنة بين أهل بدع
داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع
آمر بالمعروف، ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف!
وختاما أسأله سبحانه وأبتهل إليه أن يجعلنا من عباده الغرباء الأخفياء والاتقياء وأن يثبتنا على صراطه المستقيم ويزيل وحشة الغربة عن قلوبنا
وأردد ما ردده الدعاة السابقون: اللهم أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين
وإلى رسالة قادمة، استودعك الله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم في الله
ابن قيم الجوزيه
المصدر: مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين الجزء الثالث ص ١٩٤ ص ۲۰۲
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل