العنوان الدكتور « سناء أبو زيد» رمز فريد افتقدناه
الكاتب السيد نزيلي
تاريخ النشر السبت 01-مارس-2008
مشاهدات 71
نشر في العدد 1791
نشر في الصفحة 45
السبت 01-مارس-2008
ودعنا يوم الخميس ٢١/۲/٢٠٠٨م الدكتور سناء عبد الله أبو زيد ... وبكاه الآلاف من أبنائه وإخوانه ومحبيه وعارفي فضله.. ذلك أن مثل سناء أبو زيد حاضر دائمًا في بؤرة اهتمام الجميع، ويشغل مساحة كبيرة في قلوب إخوانه... حبًّا.. ومودة.. وولاء ووفاء.. ثم زاد على ذلك كله.. أنه في أيامه الأخيرة عانى من الأمراض والآلام.. ما جعل كل من يعرفه.. يدعو له.. ويتضرع إلى الله عز وجل أن يخفف عنه ما نزل به.. وأن يتم عليه العافية والشفاء.
ولم يكن حب الناس للدكتور سناء من فراغ، وإنما لما أكرمه الله به من صفات وألبسه إياها .. فصارت كلها من كثرة التخلق والاصطباغ والالتزام بها لازمة من لوازمه وخصيصة من خصائصه.. لا ينفك عنها ولا تنفك عنه.. وهي نتاج حب الله تعالى له ورضاه عنه.. وتوفيقه له.. فإن الله تعالى إذا أحب عبدًا.. فإنه ينزل محبته في قلوب الناس.. فتنشرح له القلوب.. وتنفتح له الصدور.
ولقد تعرفت على الدكتور سناء منذ مدة طويلة، وجمعتنى به دعوة الله عز وجل تحت مظلة، دعوة الإخوان المسلمين ..... والتقينا على معاني كثيرة.. وقيم عظيمة أولاها ضرورة الإخلاص للدعوة.. والعمل لها ... والالتزام بها .. وصبغ النفس بلونها .. وأن تدور حياة الأخ حول محور الإسلام.. يدور معه حيث دار نعمل له.. ونعيش من أجله..﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الأنعام: 162-163).
كان - يرحمه الله - يتحلى بالصدق مع النفس.. ومع الناس.. وفوق كل ذلك الصدق مع الله عز وجل.. وهذا الصدق جعله يتحرى الصواب في كل ما يفعل.. وفي كل ما يقول... يضع أمام عينيه مرضاة الله.. وموافقة تصرفاته للشرع المتمثل في القرآن والسنة وعمل السلف الصالح رضوان الله عليهم.. وإذا ظهر له الدليل الصحيح فإنه يقبله ويتحرك به.. ويدعو إليه.. ولا يهمه بعد ذلك رضي الناس أم سخطوا .. فإن مرضاة الله عز وجل هي الغاية والمبتغى.
ولا أحسب أن ما كان عليه الدكتور سناء من هداية وتوفيق.. قد بدأ منذ تعرف على دعوة الإخوان.. أو هي التي غرست فيه هذه القيم والفضائل.. إنما الذي أطمئن إليه.. هو أن فطرة الدكتور سناء التي فطره الله عليها .. كانت مستجيبة لدعوة الله.. ونداء الخير.. وأنه كان مهيئًا لحمل هذه الدعوة.. قبل أن يتعرف على رموزها ورجالها .. وأن نفسه كانت تهفو إلى هذا الطريق.. وحمل هذه الدعوة.. ووضوح الرؤية.. وما إن تم له ذلك بفضل الله وقدرته.. حتى شمر عن ساعد الجد.. وأسرع الخُطا نحو مرضاة الله.. وأداء حق الدعوة عليه.. وقيامه بالواجبات التي يجب أن يقوم بها .. نحو نفسه.. ودينه.. وإخوانه والناس أجمعين.
ولقد كان الدكتور سناء جم الأدب كثير التواضع.. لا يحب أن يُذكر فيُحمد .. أو أن يشار إليه بالبنان.. ويفضل أن يكون مستور الحال.. مسكوتًا عن أفعاله، وما أعظمها .. وهذا من شيم الصالحين الصادقين.. ولأن قلبه معلق بمرضاة الله عز وجل فإنه كان وبحق من الأخفياء الأتقياء، الذين إذا حضروا لم يُعرفوا وإذا غابوا لم يُفتقدوا .. وما كان ليتحقق له ذلك في كل الأحوال.. فإن حضوره وسط إخوانه.. يجعله دائمًا في المقدمة وإن كان ذلك على غير رغبته أو هواه.
وكان - يرحمه الله - يحب إخوانه.. ويجلهم ويثني عليهم، يوقر الكبير.. وينزله منزلته اللائق به.. ويعرف قدره.. ويفسح له في مجلسه.. ويقدمه على نفسه بكل تواضع وحب.. وخاصة إذا علم أن هذا الكبير.. له سابقة جهاد وابتلاء في سبيل الله عز وجل.
ثم إنه عظيم التقدير والحب لأبناء جيله.. الذين عملوا للدعوة معًا منذ أن كانوا في مرحلة طلب العلم.. سواء في كلية الطب.. أو في غيرها من الكليات.. الذين جمعهم به حب الإسلام والعمل له .. والالتزام به.. أما علاقته بالأجيال التالية وهم الأصغر منه سنًا.. فكان معهم المربى.. والوالد.. والموجه.. والحادي.. والناصح الأمين.. فكان يأخذ بأيديهم في حب ورقة وشفقة؛ فهم أبناؤه وأحبابه.. يرجو أن يخرج من بينهم من ينصر دين الله عز وجل.
كان الدكتور سناء، يأخذ نفسه بالعزيمة.. ولا يلجأ إلى الرخصة أو الترخص إلا ما ندر.. ولكنه كان مع ذلك يحذر أن يفرض ذلك على غيره.. فقد لا يطيق ذلك الغير... فلقد كان الورع شيمة من شيمه.. والتعفف خصلة من خصاله .. والتخفف من الدنيا وعدم الولوغ في ملذاتها ومادياتها لازمة من لوازمه.. وقد ظهر ذلك جليًّا بعد تخرجه في كلية الطب مباشرة.. إذ ما إن وفقه الله إلى اختيار الزوجة الصالحة .. وقد كانت تدرس في الكلية نفسها .. حتى أسرع في إتمام هذا الزواج... وتم البناء في مسكن غاية في التواضع وأثاث في منتهى البساطة.. فالحصيرة كانت سريره وبعض الأغطية والأوانى الضرورية فقط.. وهو بذلك أراد أن يخرج عن دائرة تعقيد متطلبات الزواج.. ويتحرر من القيود التي يفرضها الناس على أنفسهم في مثل هذه الأمور «أقلهن مهرًا أكثرهن بركة».
ثم نراه بعد ذلك.. وبعد أن من الله عليه بالذرية المباركة.. ينتقل إلى مسكن بسيط متواضع كذلك.. قليل التهوية.. على مناور داخلية.. ولا تدخله الشمس.. يظل في هذا المسكن أكثر من عشرين عامًا.. يحمد الله عليه.. ولا يتبرم منه.. ولا يحب الخروج منه.. أو البحث عن آخر أكثر ملاءمة لظروفه ولأحواله الصحية خاصة بعد ما ألمّ به المرض.
وخلاصة القول: إن كل جانب من جوانب دعوة الإخوان له وزنه النسبي.. ولا يحسن أن يطغى جانب على الجوانب الأخرى.. إنما التوازن بينها هو والمطلوب.