العنوان الأخوة الإسلامية
الكاتب عبدالله عبدالرحمن الشتري
تاريخ النشر الثلاثاء 11-فبراير-1986
مشاهدات 67
نشر في العدد 754
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 11-فبراير-1986
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد أيها المسلم الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
فلقد أراد الله تعالى من أمة الإسلام أن تكون جسدًا واحدًا، وكتلة واحدة، فقال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4)، وقال تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10).
والأخوة هي الترابط القوى برباط النسب والدم، ومن هنا كان رباط الإسلام مساويًا لرباط النسب إن لم يكن أقوى منه في كثير من الحالات، ولقد صور الرسول -صلى الله عليه وسلم- مجتمع المسلمين المترابط بنسب الإسلام بأنه مجتمع الجسد الواحد، فقال في الحديث الصحيح: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى». وهذه قمة الترابط وذروة سنامه.
ورغم اختلاف المسلمين في الثروات والمظاهر والميول والصناعات، فقد اتجهت شرائح الإسلام إلى عدم اعتبار هذه الفوارق عائقًا على طريق أخوة الإسلام، فوحدت بينهم في صف الصلاة والخروج إلى الحج وأشركت الفقير في مال الغني وقررت لقرابة الدين، ما لقرابة الدم من الحقوق، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ولا يخطب على خطبته ولا يبيع على بيعه، وهو أخوه في وجوب النصرة في الحق ووجوب التزاور، وتحريم الهجر إلى غير ذلك من الحقوق المقررة في السنة.
أخي القارئ
إن أخوة الإسلام أعلى قدر من أخوة النسب وإن أخوة الإسلام تشريع شرعه الله وشرعه رسوله لعلاج مرض خطر من أمراض المجتمعات هو الاعتزاز بأنساب الدم ثم التعصب لها تعصبًا أعمى حتى ينتهي الأمر إلى جاهلية هوجاء لا تعقل، فأخوة الدم ونسب الدم يأتي بالخير والشر، أما نسب الإسلام فلا يأتي إلا بالخير وحده، ولقد فهم الجاهليون حب الوالدين والأهل خطأ فتعصبوا لهم سواء أكانوا على الحق أو على الباطل، فنصر بعضهم بعضًا ظالمين ومظلومين على السواء، وتطور هذا الداء حتى كان الاعتزاز بالعنصر أشد خطرًا من الاعتزاز بنسب العشيرة والأسرة، فهذا عربي وهذا تركي وهذا فارسي إلى آخر ما في قائمة العنصريات من بلايا ومصائب حتى أصبح هذا الداء عامًا وشاملًا لأقطار الأرض وتعددت المجازر البشرية باسم العنصرية، وجاء الإسلام يعالج الداء من أساسه فنهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الاعتزاز بالآباء والأجداد والفخر بهم، لأن هذا هو أول هذا المرض الفتاك والخطير، فقال فيما أخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: «إن الله قد أذهب عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن على الله أهون من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن».
«والعبية» هي الفخر والتكبر. «والجعلان» مفردها جعل، وهو حشرة لا تعيش إلا في القذر، شبه الرسول -صلى الله عليه وسلم- من يفتخر بآبائه وأجداده بهذه الحشرة التي تدفع بأنفها في القذارة دائمًا، وقرر أن مقياس الإنسان هو التقوى ولا شيء غيرها تصديقًا لقوله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).
لقد حارب الإسلام العصبية بالآباء والأجداد وبالعنصر، لأنها تهدم شريعة العدل وتشيع الظلم بين الناس لأن مقتضى العصبية نصرة الدم في الحق وفي الباطل جميعًا، وهذا هو الظلم بعينه، وكيف يكون الإسلام دين العدل وأهله يدينون بالظلم باسم العصبية.
ولقد كانت جماعة الإسلام الأولى مكونة من سابق العرب أبي بكر وسابق الروم صهيب وسابق الحبشة بلال وسابق الفرس سلمان وكان الجميع إخوة الإسلام حتى ورد أنه -صلى الله عليه وسلم- قال «سلمان منا أهل البيت» فهذا دلالة قاطعة على واقع قرره الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أول جماعة إسلامية دولية وعالمية في صورتها لا تعترف بالعنصر ولا بمصدر فخر غير الإسلام.
والإسلام فوق كل اعتبار، بل فوق اعتبار الأبوة والبنوة في الحق واستمع إلى الله وهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135).
ونفى الإيمان عمن والى أو تعصب لعدو الله ولو كان أبًا أو أخًا أو زوجة أو عشيرة وعنصرًا فقال سبحانه ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة: 22).
ولقد عرف الرسول -صلى الله عليه وسلم- العصبية المحرمة فقال حين سأله واثلة بن الأسقع عنها فيما أخرجه أبو داود «أن تعين قومك على الظلم».
وحذر من العصبية بمختلف أنواعها، في الدعوة، وفي الحرب ومن الاستمرار عليها دون توبة منها، فقال في رواية أبي داود عن جبير بن مطعم «ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية»، وأخيرًا صور الرسول -صلى الله عليه وسلم- أهل العصبية بما يستحقونه من قبل سرائرهم فقال في رواية الترمذي عن ابن مسعود «من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير، ردي فهو ينزع بذنبه» «ردي يعني» تردى وسقط. «وينزع بذنبه»: يحرك ذنبه ولا يقدر على الخلاص. فذاك قد هلك بنصرة قومه على الباطل كما هلك هذا البعير.
هذا هو الإسلام وهذه هي دولة الإسلام، كما أرادها الله ورسوله تتكون من العشائر والقوميات، وللعشائر حقوق الأرحام المقررة في شرع الله، ولكن الشعار الذي يربط جميع العشائر والقوميات الإسلامية ليس شيئًا غير الإسلام، فبه ندين، وعليه وحده نقاتل، وبه وحده نفتخر وحوله نلتف وبحبله نعتصم.
فعلى الأمة الإسلامية أن تنبذ العصبية وأن تتعصب للإسلام وحده لأننا بالإسلام دولة وبغير الإسلام ضعف وذلة، ولن يكون ذلك إلا بأن يوضع الإسلام في مكانه الصحيح وأن توضع أخوة الإسلام في مكانها الصحيح. وفي الختام اسأل الله أن يؤلف بين قلوب المسلمين وأن يجعل فخرهم وعزهم بالإسلام، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل