العنوان الثقة بالنصر ..«الحلقة الأولى»
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1986
مشاهدات 86
نشر في العدد 791
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 11-نوفمبر-1986
مقدمة:
إن ما تلاقيه الحركة الإسلامية المعاصرة من صنوف البلاء، والمحنة العظيمة التي تكالبت فيها قوى الباطل بشتی أشكالها وألوانها عليها واستخدمت فيها التكنولوجيا الحديثة لمحاربتها دون الالتزام بأدنى سلوك إنساني تجاه من يرفع راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله» مقارنة بالجاهلية القديمة وما تلاها، إضافة إلى ما نتج عنه من نتائج إيجابية كثيرة أفرز كذلك بعض النتائج السلبية، والتي منها ما نحن بصدد دراسته في هذا البحث وهو «اليأس من النصر» وهذه من أخطر النتائج لهذه المحنة؛ إذ إن معتنق هذا الشعور لا بد أن يؤدي به إلى إحدى نتيجتين، إما لاستخدام بعض الوسائل الذي يتعجل في استخدامها للوصول كما يظن إلى نصر سريع مما يؤدي إلى ضرر له ولجماعته، وإما أن يعتزل عن المجتمع، ويتقوقع في بيته أو في مسجده. وكلا النتيجتين خطر وخسارة للحركة الإسلامية. هذا يجعلنا في حاجة ماسة للتعرف على معنى النصر، ومقوماته، وكيفية الانتصار، وأسباب تأخره، ووقت الانتصار إذا ما أردنا القضاء على الإفرازات السلبية الناتجة من شراسة المحنة مع الباطل.
المعنى اللغوي:
«النصر: إعانة المظلوم، نصره على عدوه ينصره ونصره ينصره نصرًا.
والنصرة: حُسن المعونة. قال الله عز وجل: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (الحج: 15) المعنى: من ظن من الكفار أن الله لا يظهر محمدًا -صلى الله عليه وسلم- على من خالفه فليختنق غيظًا حتى يموت كمدًا، فإن الله -عز وجل- يظهره، ولا ينفعه غيظه وموته خنقًا.
وانتصر الرجل: إذا امتنع من ظالمه. قال الأزهري: يكون الانتصار من الظالم الانتصاف والانتقام، وانتصر منه: انتقم.
والاستنصار: استمداد النصر. واستنصره على عدوه أي سأله أن ينصره عليه.
والتناصر: التعاون على النصر. وتناصروا : نصر بعضهم بعضًا» (1).
وعلى هذا فإن المعنى اللغوي للنصر يكاد أن ينحصر في خمسة معان، وهي:
إعانة المظلوم، والتأييد، والامتناع من الظالم، والانتصاف منه والانتقام منه. ومن هذه المعاني اللغوية يتضح بأن النصر لا يقتصر معناه فقط على «الاستيلاء على الأرض وحُكمها بالمنهج الذي يرتئيه المنتصر». وهو ما يطلق عليه القرآن عبارة «التمكين» بل يتعدى إلى أكثر من صورة. سوف تتضح جليًا في المعاني التي سنتناولها من خلال القرآن والسُنة المطهرة.
تحديد معنى النصر:
للنصر صور متعددة يتم فيها، فالحُكم صورة منه، وهزيمة الخصم صورة منه، والاستيلاء على الأرض صورة وانتصار المبادئ صورة منه، وهزيمة مبادئ الخصم واندحارها صورة منه، وهلاك الخِصم صورة منه، فليس للنصر صورة واحدة يعرف فيها ومحاولة البعض حصر النصر في صورة واحدة هو أحد أكبر الأسباب لاختلاف فئات الحركة الإسلامية، ولئن كانت جميع هذه الصور قد تمت للنبي صلى الله عليه وسلم فلذلك أسبابه الخاصة التي بيّنها الأستاذ سيد قطب رحمه الله عندما قال:
«هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة. ذلك حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة. لقد انتصر محمد صلى الله عليه وسلم - في حياته. لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض، فهذه العقيدة لا يتم تمامها إلا بأن تُهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعًا. من القلب المفرد إلى الدولة الحاكمة. فشاء الله أن ينتصر صاحب هذه العقيدة في حياته، ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة ويترك هذه الحقيقة مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهورة، ومن ثم اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية وفق تقدير الله وترتيبه» (۲) فإرادة الله شاءت أن ينتصر الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته بالصورة الظاهرة القريبة، وهي الغلبة بواسطة الحرب على أعدائه كما شاءت إرادة الله أيضًا أن ينتصر الرسول صلى الله عليه وسلم بعقيدته. «وهي الصورة الباقية الثابتة» فتكون هي المُهيمنة رغم شدة البلاء الذي يصيب من يعتنقها، وتندحر عقيدة الشِرك رغم القوة التي كانت بجانبها وشاء الله سبحانه وتعالى أن ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم فيحكم بعقيدته المنتصرة، وتكون له أرض يحكم فيها، وشاء الله أن يهلك خصومه واحدًا تلو الآخر، وشاء الله أن يخيف أعداءه من الدول الكبيرة آنذاك منه مسيرة الشهور، وهذا بحد ذاته نصر، حدث كل ذلك في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لحكمة يريدها الله ولعلها هي التي أشار إليها الأستاذ سيد قطب «لتحقيق هذه العقيدة في صورتها الكاملة ويترك هذه الحقيقة مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة».
(1) لسان العرب 3/647 ط - دار لسان العرب.
(2) في ظلال القرآن 5/3086.