; مستقبل تونس السياسي: بعد محاكمات الإسلاميين الأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل تونس السياسي: بعد محاكمات الإسلاميين الأخيرة

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1992

مشاهدات 61

نشر في العدد 1017

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 22-سبتمبر-1992

نتائج المحاكمة وتحوّل الاهتمام

انتهت محاكمة الإسلاميين في تونس بصدور أحكام قاسية، على رأسها الحكم بالسجن مدى الحياة على ستة وأربعين متهمًا في القضيتين، بعد مداولات دامت خمسين يومًا، شدت انتباه الرأي العام في الداخل والخارج إلى جلسات المحكمتين العسكريتين.

 

ومباشرة بعد المحاكمة، تحول الاهتمام من نتائج الأحكام والتخوف من عواقب الإعدامات التي كانت متوقعة، إلى التساؤل عن آفاق المستقبل السياسي في تونس في ظل التطورات الحالية.

 

من الرابح ومن الخاسر؟ النظام أم الإسلاميون؟

لقد تعددت القراءات السياسية لهذه المحاكمات ونتائجها وانعكاساتها، انطلاقًا من تساؤل جوهري: من الخاسر ومن الرابح في هذه المحاكمات؟ النظام أم الإسلاميون؟

 

الربح في ميزان النظام:

فالبعض يرى أن النظام هو الذي سجل أهدافًا هامة بعدم التورط في أحكام الإعدام التي من شأنها أن تؤلب الرأي العام في الداخل والخارج ضده، وتفتح جبهات تصعب السيطرة عليها. وبذلك يكون قد فوت الفرصة على الإسلاميين والمعارضين له عمومًا، وعلى حركة النهضة خصوصًا، لتوظيف هذه الأحكام للتشهير بقمع النظام لسجناء الرأي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يعتقد الذين يرون الربح إلى جانب النظام أن هذا الأخير استطاع أن يحكم الطوق على قياديي حركة النهضة، المنافس الرئيسي له، وأن يمنعهم من الفعل في الساحة الدعوية والسياسية، مما يتسبب في اضطراب القاعدة وتشتتها واندثار تأثير الحركة على المجتمعالتونسي

 

الربح في ميزان الحركة الإسلامية:

أما الطرف المقابل، فإنه يضع الربح في ميزان الحركة خصوصًا، والمشروع الإسلامي عمومًا، اعتمادًا على معطيات رئيسية تتمثل بالأساس في اهتزاز صورة النظام لدى الملاحظين والمراقبين الأجانب وحتى الرأي العام في الداخل، بتورطه في محاكمة علنية "شفافية"، انقلبت في عدة مناسبات أثناء المداولات إلى محاكمة للنظام نفسه، خاصة فيما يتعلق بمسألة التعذيب والخروقات القانونية المتعددة التي أشار إليها المحامون التونسيون والأجانب من خلال التقارير الصادرة عن الجمعيات الحقوقية. إلى جانب بروز الصبغة السياسية لهذه المحاكمات، حيث اتضح من خلال عمليات الاستجواب والمرافعات أن القضية في أساسها تتمحور حول استهداف السلطة لأقوى خصم سياسي معارض متمثلًا في الإسلاميين، وتحديدًا حركة النهضة

 

عمق الأزمة السياسية وتحديد المعايير

بيد أن الحكم على مثل هذه القراءات يبقى مرهونًا بتحديد المعايير المعتمدة لتشخيص ملامح الربح والخسارة.

 

المقياس المادي:

فإذا كان المقياس المعتمد ماديًا، فإنه يمكن اعتبار النظام من وجهة نظر مادية هو الرابح؛ أي أنه أحدث أضرارًا مادية بالغة في جسم الحركة الإسلامية بضرب هياكلها في العمق، وسجن جانب من قياداتها، في حين اضطر الجانب الآخر إلى الهجرة. كما أنه أزاح هذا الطرف القوي في المعارضة عن الساحة السياسية ولو إلى أمد قريب.

 

المقياس المعنوي:

أما إذا كان المقياس معنويًا، فإن كل الدلائل تشير إلى أنه بقدر ما حرص النظام على تركيز صورة مشوهة عن الحركة عن طريق حملة إعلامية ضخمة في الداخل والخارج تقوم على إبراز ثلاث صفات أو خصوصيات رئيسية في نظرته كالنزعة الانقلابية، واتباع نهج العنف للوصول إلى السلطة، والتآمر على الدولة من ناحية؛ وتبني إيديولوجية رجعية "ظلامية"، تناقض مكونات المجتمع المدني من ناحية ثانية؛ والتحرك في إطار مشروع عالمي خطير مركزه السودان من ناحية ثالثة، بقدر ما تحسس الرأي العام على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي هشاشة الوضع السياسي في تونس، والأبعاد الخطيرة لاستراتيجية النظام في الإصرار على إقصاء طرف سياسي ليس من منطلقات قانونية (تجاوز هذا الطرف لمؤسسات دولة القانون)، وإنما بدوافع إيديولوجية سياسية، «رفض مبدئي لقيام كيانات سياسية على أسس ومبادئ دينية إسلامية». من هنا، أدرك العديد من الملاحظين والمراقبين لتطورات الأوضاع في تونس عمق الأزمة السياسية التي يعيشها هذا البلد منذ انتخابات عام 1989، التي أثبتت شعبية القائمة المستقلة التي يقف وراءها الإسلاميون، والتي كانت السبب الرئيسي في تراجع النظام عن وعوده بتعددية سياسية نزيهة.

 

إثبات حقيقة الأزمة: صراع السلطة والمجتمع المدني

من هذا المنظور، تكون حركة النهضة قد ربحت معنويًا في إثبات حقيقة مركزية محورها أن الأزمة السياسية القائمة حاليًا في تونس ليست ناتجة عن الصراع بين السلطة والإسلاميين (تحديدًا حركة النهضة)، وإنما عن صراع بين هذه السلطة ذات النزعة الفردية السلطوية وبين المجتمع المدني بمختلف فصائله، عدا بعض الشرائح اليسارية التي تلتقي مصالحها مع مصالح النظام في ضرب الحركة الإسلامية وتضييق الخناق على الأصوات الحرة كرابطة حقوق الإنسان. وقد أكد الصحفي مازري حداد المستقيل من مجلة «حقائق» على هذا التوجه خلال ندوة صحفية عقدت بباريس حول القمع في تونس، حيث صرح بأن النظام يريد فرض قوالب باسم العلمانية على المجتمع التونسي مقابل التخويف من القوالب الأصولية.

 

ثلاث احتمالات استراتيجية للمستقبل

وبغض النظر عن النتائج الحالية لمحاكمة الإسلاميين في تونس خلال الشهرين المنصرمين، فإن الأنظار موجهة إلى آفاق المستقبل السياسي في تونس، واستشراف هذا المستقبل على الصعيد الإقليمي المغاربي عمومًا. ذلك أن التطورات الحالية ليست سوى مؤشرات لخريطة سياسية، ولتوجهات ورؤى استراتيجية ذات احتمالات ثلاثة:

 

الاحتمال الأول: مواصلة استراتيجية الإقصاء

مواصلة الإستراتيجية الحالية بالإمعان في إقصاء الطرف الإسلامي، والاستمرار في الحملة ضد التيار الإسلامي السياسي واتهامه بالتطرف والعنف والظلامية. بل تجاوز البعد السياسي إلى مظاهر التدني في المجتمع بمضايقة كل المتمسكين بالشعائر الإسلامية من ناحية (آخر الأخبار تقول بأن الموظفين الحكوميين في تونس أمروا بسحب الآيات القرآنية المعلقة في مكاتبهم، كما أن الفتيات المتحجبات يلاحقن في الشوارع)، والتشجيع على التفسخ والميوعة عبر الإعلام والتعليم من ناحية أخرى. ومثل هذه السياسة ستكرس استفحال الأزمة السياسية.

 

الاحتمال الثاني: الانفتاح الانتقائي

محاولة الظهور بمظهر الانفتاح على التيارات المعارضة، والتركيز على شعار "مصالحة مع القوى الحية في المجتمع المدني"، مع اتباع سياسة انتقائية بتقريب العناصر والأطراف الإسلامية التي تسمى معتدلة، واستبعاد الأطراف والرموز الأخرى المسماة بالمتطرفة والمتشددة. وهذا المسار سيثبت هو الآخر فشله، لأن الطرف الذي يتم إقصاؤه هو الطرف المعارض القوي والأكثر شعبية، فلا تستقيم الأوضاع السياسية إلا بتشريكه في اللعبة السياسية.

 

الاحتمال الثالث: السعي نحو المصالحة البطيئة

سعي النظام بخطى بطيئة وطرق ملتوية إلى كسب ود الحركة الإسلامية الشعبية بعد أن تمر هذه المرحلة الهوجاء من الصدام ويهدأ التوتر، وتندمل الجراح البليغة التي خلفتها المحاكمات والمعالجة الأمنية للملف الإسلامي. ويرتبط نجاح أو فشل هذه الخطة بعوامل ذاتية وموضوعية ومحلية وإقليمية عديدة. من بين هذه العوامل زيادة استفحال الأزمة الاقتصادية والسياسية بما يدفع السلطة إلى التفكير في إيجاد مخرج ومتنفس عن طريق التلويح بورقة المصالحة الحقيقية مع كل الأطراف دون استثناء.

 

مراجعة ونقد ذاتي للأطراف

وفي انتظار تبلور إحدى الاحتمالات، ينكب كل طرف اليوم على مراجعة حساباته واستراتيجيته، والقيام بعملية نقد ذاتي لخططه وبرامجه.

 

بالنسبة للنظام التونسي: بدأ يستعد لمواجهة الإشكاليات السياسية الجديدة المطروحة بعد محاكمة الإسلاميين. فغلق الملف الإسلامي الأصولي (كما تسميه السلطة هناك) لا يعني انتهاء المشاكل، وإنما بروزها من جديد بعد أن وضعت بين قوسين طوال المعالجة الأمنية للطرف الإسلامي المحاكَم بتهمة التآمر على أمن الدولة. ومن أهم هذه المشاكل أو الملفات، الملف الاقتصادي بعد استفحال الأزمة الاقتصادية، وملف الحريات والتعددية السياسية بعد أن اشتد الخناق على كل القوى السياسية والجمعيات الحقوقية والتنظيمات الاجتماعية النقابية وغيرها.

 

بالنسبة للحركة الإسلامية وحركة النهضة: فإنها هي الأخرى أمام تحديات عديدة تنظيمية واستراتيجية بعد أن شُل عملها في الداخل. وأكبر إشكالية تواجهها كيف يمكنها استعادة إشعاعها وتأثيرها على المجتمع التونسي، مجالها الحيوي والطبيعي الذي تتحرك فيه، في حين أن هياكلها في الداخل مضروبة، وما تبقى من قياداتها في الخارج يعيش حالة حصار.

 


 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :