; الضحك.. والبكاء ! | مجلة المجتمع

العنوان الضحك.. والبكاء !

الكاتب عبدالله الغريب

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1982

مشاهدات 77

نشر في العدد 567

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 20-أبريل-1982

في صبيحة الخميس السابع من جمادى الآخرة الموافق الأول من أبريل جلست إلى أستاذي المفكر والسياسي والأديب، الذي يعيش في الظل، وفي ذهني أكثر من مسألة وقضية لتكون موضوع الحوار بيني وبينه: دماء المسلمين التي تنزف بلا ثمن، في الخليج وفي المغرب العربي، حرب الإبادة الشرسة على المسلمين في إريتريا وفي أفغانستان وفي الضفة الغربية استعداد العدو لاحتلال جنوب لبنان التصفية الجسدية للشباب المسلم في قطر عربي مسلم.
قال لي: أتقرأ شعر المتنبي؟
قلت له: ومن لا يقرأ شعره؟ بل إني أحفظ الكثير منه.
قال: إني مغرم ببيتين إلى درجة لا حدود لها أما الأول فقوله:
أوكلما اغتال عبد السوء سيده
                                               أو خانه، فله في مصر تمجيد

قلت: وأما الآخر، فقال:
وكم ذا بمصر من المضحكات
                                             ولكنه ضحك كالبكا.

قلت: إذن فليكن البيتان موضوع حوار اليوم إن شئت.

قال: يكفي البيت الثاني، لأن أعصابي اليوم لا تحتمل مناقشة البيت الأول.

كانت في يده جريدة الجمهورية، فدفعها إلي، كان يقرأ صفحة «الفن» وأدركت ما استوقفه من الصفحة، خبر بعنوان ضخم: «في الذكرى الخامسة - جمعية يرأسها محمد عبد الوهاب وأمير نفطي عربي، تجمع تراث «حليم» والبحث عن خليفه له» ويقول الخبر: «إن جمعية تكونت لتخليد ذكرى الفنان الراحل، واختارت محمد عبد الوهاب والأمير... رئيس شرف للجمعية».
قلت: وماذا في هذا؟ ألم يصفوه بأنه ثروة قومية؟ لعلك لم تنس ما قاله عبد الناصر في الستينيات في مؤتمر صحفي إثر تأميم الصحافة، وموجهًا كلامه إلى كبار الصحفيين، قال: «إن أغنية لعبد الحليم حافظ أو محمد عبد الوهاب تؤثر في الشعب المصري والعربي أكثر من عشرات المقالات الصحفية» وهذا صحيح من وجهة نظره كحاكم طاغية، فإن الأغاني يرددها الناس، ويحفظها المراهقون والمراهقات، أما المقالات فتذهب أدراج الرياح، وعبد الحليم حافظ غنى لعبد الناصر، وردد النشء أغانيه في المدارس.

قال: لم أنس شيئًا، وما زلت أذكر ما حدث يوم هلاكه.. لقد ظهرت جريدة الأخبار مجللة بالسواد، وارتدت مذيعات الشاشة الصغيرة ثياب الحداد، وذلك بالإضافة إلى انتحار بعض المراهقات.. ولا أظن أن الخامس من يونيو عام 1967م كان يومًا مشهودًا لدى شعب مصر، بل كان اليوم المشهود هو اليوم الثلاثين من مارس سنة 1977 حيث هلك عبد الحليم حافظ.
قلت: أجل ما زلنا نذكر هذا اليوم إن أكثر من دولة عربية ناضلت لتحظى بشرف نقل جثمانه على إحدى طائراتها من لندن إلى القاهرة، ولكن مصر أصرت على أن تحظى بهذا الشرف باعتبار الفقيد من أبنائها وإحدى ثرواتها القومية، والذي يستفز الأعصاب أن صحفيًا في جريدة الأخبار كتب يهاجم بشراسة الإذاعة المصرية والشاشة الصغيرة لأنهما قصرا في إحياء ذكرى عبد الحليم حافظ بالرغم من أنهما ظلتا زهاء شهر وهما تعرضان أغانيه وأفلامه، وهذا اليوم الذي نحن فيه تعرض له الشاشة الصغيرة فيلم «الوسادة الخالية» في القناة الثانية، وبعد انتهائه تعرض له القناة الأولى فيلم «فتى أحلامي» إذن فماذا يريدون؟

قال: إن مثل هذا الصحفي يعلن عن إفلاسه، كما أن الدولة تعلن عن إفلاسها السياسي حين تسمح بمثل هذا العبث.. ولا حيلة للشعب المطحون، لعلك تذكر ما قاله عبد الناصر في خطابه في الثالث والعشرين من يوليو عام 1967، أي بعد النكسة بشهر ونصف الشهر، قال: جاءتني آلاف الرسائل من الشعب تطالب بعودة الكرة والأغاني العاطفية واستشرت المختصين فوافقوا، وقالوا: «إن إذاعة لندن إبان احتلال الألمان لها لم تتوقف عن إذاعة الأغاني العاطفية» وكان إن رجعت صاحبة المعالي الأغاني العاطفية، وصاحبة العصمة الكرة، ونسي الشعب نكسة العار أو بمعنى أصح أريد له أن ينسى..
 

قلت: إذن فالدولة والشعب مظلومان بل ومجني عليهما، إن النظام هو الذي يخطط ويرسم، ويصنع -بوسائل إعلامه- شخصية أسطورة، تشغل الشباب عن الدين والسياسة، وهما ما يخشاه النظام، بل إن النظام يخشى الإسلام ضعف خشيته من السياسة، ثم إن أهل الفن -الرخيص بالطبع- أداة طيعة، في عام 1965 -محنة الإخوان- ابتكرت أجهزة الأمن أسلوبًا مهينًا ضد الإخوان، ادعت أنها عثرت على أوراق تثبت أن الإخوان خططوا لقتل: أم كلثوم، وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ و... و... ثم المذيعة.. «ليلى رستم» ويعلم الله أن 95% ربما لم يسمعوا باسم ليلى رستم هذه، واتجهت وسائل الإعلام تسأل الضحايا قالت أم كلثوم: «إذا ثبت هذا فيسكون شأن النيابة»، وقال عبد الحليم: «ليأذن لي السيد الرئيس وأنا أحمل مسدسي وأقضي عليهم».

قال: ولماذا تنفعل؟ ماذا قدمت للنظام؟ لقد قدم عبد الحليم الكثير، وإن كان على حساب هذا الشعب المكدود المطحون، بل على حساب القيم والأخلاق.. دعك من هذا فماذا في الصحف غيره؟ قلت: إن في الصحف خبرًا يقول: إن شيخ الأزهر والشيخ وزير الأوقاف يحضران الاحتفال بمولد «سيدي شبل» بمحافظة المنوفية!

قال: ألا تردد معي بيت المتنبي؟

وكم ذا بمصر من المضحكات
                                                ولكنه ضحك كالبكا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل