العنوان أميركا التي تتحرك في الخليج!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1987
مشاهدات 69
نشر في العدد 810
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 24-مارس-1987
سلطت
الأضواء هذا الأسبوع على تحركات السفن الحربية الأميركية في مياه بحر العرب
وتناقلت وكالات الأنباء احتشاد ۱۸ سفينة حربية أميركية بقيادة حاملة
الطائرات «كيتي هوك» في هذه المياه، بل نسب إلى مسؤولين أميركيين قولهم إنهم حذروا
من أنه إذا استخدمت إيران صواريخها التي نصبتها بالقرب من مضيق هرمز «فإننا سوف
ندمرها في الحال» وللسائل أن يتساءل: لماذا تحركت أميركا فجأة في الخليج؟ ولماذا
هذه الضجة الإعلامية التي حرصت أميركا على أن تواكب تحركها العسكري فهل جد جديد في
المنطقة أم أن الجديد في الإدارة الأميركية ذاتها وما هذه التحركات العسكرية سوى
صدى لها؟ لقد ساور القلق الجميع عندما طالت صواريخ حرب الخليج السفن التجارية
وهددت حرية الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي وقد عبرت دول الخليج بالخصوص وفي
أكثر من مناسبة عن قلقها الشديد إزاء هذه الاعتداءات سواء على ناقلات النفط أو
غيرها من السفن التجارية واعتبرت تلك الاعتداءات توسيعًا لنطاق الحرب التي كانت
تجتهد لوضع حد لها، ولكن صرخات الخليجيين ذهبت أدراج الرياح وبقيت الصواريخ تتساقط
على السفن التجارية من حين لآخر؛ فأين كانت أميركا في ذلك الوقت؟ لقد كنا نسمع
عنها كلامًا عن الالتزام بأمن الخليج وعن إرادتها لوقف حربه إلى أن كشفت صفقات
السلاح الأميركي إلى أحد أطراف النزاع فسقط القناع وأزکمت روائح الفضيحة كل
الأنوف. ولكن سبحان مقلب الأمور. ها هي أميركا تتحرك في الخليج، ولكن بعد ماذا؟
بعد أن اهتزت صورتها وتصدعت مصداقيتها وتخلخلت سياستها في المنطقة من جراء فضيحة
ريغان وتناقضاته السياسية والإعلامية التي ضحى بأكثر من كبش فداء لسترها.
وقد
كان من آثار تلك الفضيحة أن امتنع بعض الحكام العرب عن القيام بزيارات كان قد اتفق
عليها لواشنطن.
ومما
لا شك فيه أن تلك الفضيحة دعمت الرأي القائل إن أميركا لا تحسب حسابًا للعرب وأن
حليفتها الوحيدة في المنطقة هي دولة العصابات المغتصبة لفلسطين وقد جسم هذه
الحقيقة ما صرح به ريغان مؤخرًا من أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة
القادرة على مساعدة أميركا على الصعيد الاستراتيجي.. وأن لدى إسرائيل العزيمة
اللازمة والتضامن القومي والقدرة التكنولوجية العسكرية للوقوف إلى جانب الولايات
المتحدة كحليف وصديق يمكن الوثوق به.
إننا
نفهم اليوم لماذا يحاول ريغان ترميم ما تبقى من مصداقيته في الشرق الأوسط من خلال
تحريك قطعه البحرية في مياه بحر العرب ومن خلال سيل تصريحات أعوانه التي تضرب على
نغمة واحدة لاسترضاء دول الخليج بالذات.
ولكن
هل يمكننا أن ننسى بسرعة التناقض الكبير بين الحديث عن السلام وعن الأمن الخليجي
في العلن وشحن السلاح في السر لتغذية نيران الحرب وهل يمكننا ألا نعجب وألا نستغرب
من تقرير تاور الذي تحاشى تحديد مسؤولية الصهاينة في فضيحة ريغان غيت إذا كان
تقرير تاور- ومنذ البداية متحفظًا جدًّا في الأنحاء باللائمة على دور الصهاينة
الخبيث في فضيحة صفقات الأسلحة؛ فكيف لنا أن نأمل بتغيير السياسة الأميركية وأن
نثق فيها من جديد؟
إن
من التصريحات الأخيرة التي أطلقت لاسترضاء دول الخليج العربي تصريح مكتوب للرئيس
ريغان جاء فيه: «نحن مصممون على المساعدة في وضع أسرع نهاية متفاوض عليها ممكنة
لهذه الحرب بدون منتصر أو مهزوم محافظين على سلامة ووحدة أراضي كل من العراق
وإيران؛ إننا نشاطر قلق أصدقائنا في منطقة الخليج من أن الحرب قد تتسع وتهدد أمنهم
وإننا سنعتبر مثل هذا التوسع كتهديد رئيسي لمصالحنا وكذلك مصالح أصدقائنا في
المنطقة وإننا نبقى مصممين على ضمان التدفق الحر للنفط عبر مضيق هرمز».
إن
هذا التصريح للرئيس ريغان الذي يدعو فيه لوقف الحرب العراقية الإيرانية والذي يدعي
فيه صداقة تربطه بدول المنطقة يناقض كل تصرفات الإدارة الأميركية التي لم تفعل
شيئًا طيلة زهاء سبع سنوات من عمر هذه الحرب لإيقافها بل عملت على العكس على تغذية
نيران هذه الحرب بشحنات الأسلحة ووقفت تتفرج على هذه النيران وهي تحرق الأخضر
واليابس ولكن ها هو ريغان بعد أن افتضحت صفقات السلاح الأميركي إلى أحد طرفي
النزاع في الخليج، وبعد أن أنهكته هذه الفضيحة وأسقطت أهم أعوانه أمثال دونالد
ريغان وويليام كيسي ووليام ماكفرلين، ها هو يخرج علينا بهذا التصريح ليحاول فيه
ترقيع مصداقيته التي تزعزعت في المنطقة ويحاول به استعادة ما أفقدته إياه فضيحته!
صحيح
أن اتساع هذه الحرب ينطوي على مخاطر كبيرة ويثير القلق في منطقة الخليج كلها لكن
الصحيح أيضًا أن ريغان ليس حريصًا على مصالح دول المنطقة بقدر حرصه على مصالح أميركا
في المنطقة وعلى ضمان تدفق النفط بحرية عبر مضيق هرمز، بل الأخطر من ذلك أن ريغان
لا يتورع عن إحراق المنطقة كلها في سبيل تحقيق أهدافه المعلنة والخفية، بل إن
ريغان الضعيف اليوم والذي أنهكته الفضيحة يحاول أن يستعيد أيام رئاسته الأولى وأن
يضرب على الطاولة بقبضته بشدة معتقدًا أن ذلك هو الوسيلة الوحيدة لاستعادة ما فات،
ولكن من تراه ينخدع بادعاءات ريغان وبسياسته ذات الوجوه المتعددة؟ إننا مدعوون
الآن أكثر من أي وقت مضى للحذر من الوقوع في أحابيله الشيطانية والتنبه لما يتهدد
منطقتنا من أخطار بسبب سياسته المتناقضة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل