العنوان مصر من ديمقراطية الأنياب إلى ديمقراطية الأقفاص
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 18-فبراير-1986
مشاهدات 63
نشر في العدد 755
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 18-فبراير-1986
- ديمقراطية الأقفاص التي طبقها حسني مبارك حرمت الشعب المصري المسلم من تأسيس أحزاب على أسس دينية.
مع أن المناسبة هي المؤتمر الثامن لأكاديمية البحث العلمي، حيث يفترض أن ينصب خطاب الرئيس المصري حول أهمية رعاية البحث العلمي ودوره في التنمية، إلا أنه شاء أن يكرس جزءًا كبيرًا من خطابه، يوم 2 فبراير الجاري، لكشف ما أسماه بتجاوزات المعارضة، وما يحدث في صحفها مؤلبًا الرأي العام ضدها، ومفندًا لمطالبها وما أثارته من انتقادات سياسية للنظام وخاصة حول ملابسات مقتل سليمان خاطر في زنزانته في الشهر الماضي، قال حسني مبارك «أصارحكم القول: إن هذه التجاوزات قد وصلت في الأشهر الأخيرة للحد الذي أصبح يشكل خطرًا جسيمًا على مسيرة الشعب.. إنها تجاوزات تؤكد التعمد والإصرار».
تحذير شديد اللهجة
وبعد أن هاجم الرئيس المصري أحزاب المعارضة وسخر من نقد زعمائها بعضهم بعضًا إلى حد اتهامها بأنها مخترقة من الموساد، ردًّا على اتهام المخابرات الإسرائيلية بقتل سليمان خاطر، وجه حسني مبارك تحذيرًا شديدًا قائلًا: «وأقول بكل ثقة للعابثين بالديمقراطية، العاملين على تقويضها أن الشعب لا يرحم ولن يرحم».
وأضاف «إن ما يحدث في صحف المعارضة سابقة خطيرة وغوغائية».
وحاول الرئيس المصري التشكيك بمقاصد المعارضة من خلال ربط مطالبها كالعادة بمخططات خارجية لا تريد الخير لمصر، وتساءل: لمصلحة من يفتعل البعض هذه الزوابع؟
هكذا- وللمرة الثانية، خلال أسبوعين- يهاجم الرئيس المصري المعارضة ويهدد بالبديل الخطير!
ففي حديثه الذي أجراه معه رئيس تحرير مجلة المصور، في عددها رقم 3197، بتاریخ 17 يناير الماضي، والذي وصفه بأنه أخطر حديث للرئيس المصري، حذر حسني مبارك أحزاب المعارضة بلهجة عنيفة قال فيها «مصر لم تعد تتحمل والحكم لم يعد يطيق لذلك أحذر.. البديل في علم الغيب لكنه خطير ومخيف.. إن كنت تحملت فهناك من لا يطيق»؟! وقال حسني مبارك «هذه الممارسات لا يمكن أن تستمر ولكل شيء حدود ونهاية»!، وتساءل «كم من الوقت تستطيع مصر أن تتحمل عبث أحزاب المعارضة وانتهازها لأي فرصة من أجل الإثارة والتهييج؟».
مراقبون غربيون قالوا: إن تهديدات الرئيس المصري للمعارضة ربما تعني فرض الأحكام العرفية، فهل هناك حقًّا ما يستدعي ذلك؟ أم أن هؤلاء المراقبين يعربون عن تمنياتهم ليس غير؟
سلیمان خاطر هو السبب!
لو دققنا في «التجاوزات» التي تحدث عنها الرئيس المصري لوجدنا أنها محصورة أساسًا في حملة توجيه الرأي العام المصري لصالح قضية البطل سليمان خاطر الذي دفعه الواجب لقتل سبعة يهود إسرائيليين تسللوا لمنطقة محظورة كان يقوم سليمان خاطر بحراستها، وقد تضمنت تلك الحملة اتهامًا واضحًا للحكم بقتل سليمان خاطر أو التستر على قاتله والادعاء أنه وجد منتحرًا في زنزانته الانفرادية.. كما تحدثت المعارضة عن السياسة المصرية وبينت أنها غير مستقلة.. وتحدثت أيضًا في الآونة الأخيرة ومنذ تشكيل حكومة د. علي لطفي حول التوجه الرأسمالي الجديد في الاقتصاد المصري وزيادة الارتباط بالمؤسسات الرأسمالية الغربية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما.
وقد أوضح الرئيس المصري، في حديثه مع مجلة المصور، المشار إليه أنه يقصد هاتين المسألتين عندما حذر قائلًا: «أقول لمن يتحدثون عن تبعية مصر.. الأفضل أن تغلقوا أفواهكم.. » وأضاف أنه «لا انتقاص من القطاع العام» و«لا اعتداء على القطاع الخاص».
وفي مجال السياسة الخارجية دافع حسني مبارك بحرارة عن كامب ديفيد وسخر من الزعماء العرب الذين ينتقدون كامب ديفيد وتفاخر عليهم قائلًا: «ليتهم يحصلون على نصف كامب ديفيد»!!
وحول قضية فلسطين ادعى حسني مبارك أنه «لا أحد يبكي على قضية فلسطين أو يعمل لها سوى مصر والملك حسين».
وفي نفس الوقت دافع حسني مبارك عن الديمقراطية وحرصه عليها إلى حد الخوف عليها واتهم أحزاب المعارضة أنها تريد «أن تئد الديمقراطية» فما هو مفهوم الرئيس المصري للديمقراطية وما هي الديمقراطية التي يدافع عنها؟!
ديمقراطية الأقفاص
إذا أخذنا بنظر الاعتبار أقوال الرئيس المصري في الحديثين المشار إليهما ووضعناهما في سياق الأوضاع السياسية والاقتصادية التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة، خاصة قضية سليمان خاطر، ومسألة التحكيم حول مشكلة طابا، وتنشيط العلاقات المصرية - الإسرائيلية، والتحرك المصري الدبلوماسي على صعيد ما يسمى بعملية السلام في الشرق الأوسط، التي تكرست بجولة حسني مبارك الأوروبية الأخيرة، وكذلك التوجهات الاقتصادية الرأسمالية لحكومة علي لطفي..
وإذا أضفنا لذلك حقيقة أن المعارضة على تباين آرائها وتعدد ولاءاتها لم تذهب إلى حد تعريض النظام للخطر، بل على العكس من ذلك أصبحت أداة من أدواته خاصة في العلاقات مع الدول العربية، فإننا في ضوء ذلك كله نخلص إلى القول باطمئنان أن نظام الرئيس حسني مبارك الذي أقر نظام تعدد الأحزاب على علاته يريد من الديمقراطية أن تكون طليقة في قفص لا تتعدى حدوده خيارات النظام السياسية والاقتصادية المصيرية، وهي خيارات لا تخرج في الوقت الحاضر عن ضرورات التبعية السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية وتبعات الاتفاقية المصرية - الإسرائيلية التي يدافع عنها حسني مبارك بحرارة.
لقد كان مطلوبًا من مصر نظرًا لموقعها الاستراتيجي ومكانتها المؤثرة في العالم العربي ألا تقف عند كامب ديفيد، بل تواصل المسيرة لتضم بقية الدول العربية إلى توقيع اتفاقيات مماثلة مع دولة العدو الصهيوني، ولأنها لم تنجح في ذلك أخذ النظام المصري يتعرض لمزيد من الضغوط والابتزاز الأميركي الصهيوني الذي تتوج باختطاف الطائرة المصرية التي كانت تقل مختطفي السفينة الإيطالية أكيل لورو، الأمر الذي جعل بعض المراقبين يتساءلون عن استمرارية حكم حسني مبارك وإمكانية استبداله بالفريق عبد الحليم أبو غزالة رجل أمريكا العسكري القوي في مصر.
على أننا ونحن نوضح مفهوم الديمقراطية وما هو المطلوب منها لدى النظام المصري، نحب أن توضح بأن الرئيس المصري كان محقًّا في بعض انتقاداته لأحزاب المعارضة المصرية، خاصة فيما يتعلق بمسلكيات بعض قادتها وتنافسهم الحزبي الضيق الأمر الذي جعل كلامه مؤثرًا في الرأي العام المصري، وإذا علمنا أن الأحزاب اليسارية قبلت أن تكون أداة بيد حسني مبارك لتحقيق ما سمي بعودة مصر للصف العربي، فإن ضيق حسني مبارك من المعارضة، لا يعني أكثر من تبرمه لتجاوز هذه المعارضة الخط المرسوم لها خاصة في قضية البطل سليمان خاطر.
ضيق من الحركة الإسلامية
ولعل أهم أسباب الضيق الرسمي الطبيعي أو المكتسب نتيجة للتوجيه الغربي، هو استطاعة الحركة الإسلامية مواصلة أنشطتها ووصولها للرأي العام المصري بالرغم من قيود قانوني الأحزاب والانتخابات، ومما يزيد في هذا الضيق على ما يبدو أن قيادة الحركة الإسلامية وفي مقدمتها الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين، استطاعت أن تظهر أمام النظام وأمام العالم أجمع بأنها لا تطمع في الحكم، وإذا عارضت فإنها تعارض على أسس مبدئية شرعية أو وطنية، وليس على أسس حزبية ضيقة.
بل إنها- نظرًا لعمق نظرتها- وقفت موقف الناصح الأمين والمهدئ لحركة الجماعات الإسلامية التي تتصف بالحماس والإخلاص مع قلة الوعي، ودعتها للهدوء في وقت كان النظام يستخدم معها العنف والاضطهاد بمختلف الأساليب المناقضة لحقوق الإنسان.
وإذا استذكرنا ديمقراطية الأنياب التي طبقها السادات مع ديمقراطية خليفته حسني مبارك تجد أنهما لا تختلفان كثيرًا، بل إن ديمقراطية حسني مبارك يمكن أن نطلق عليها ديمقراطية الأقفاص، حيث حرم الشعب المصري المسلم من تأسيس أحزاب على أسس دينية، ووضع قانون الانتخاب ليضمن سيطرة الحزب الحاكم، كما وضعت حدود طلب إلى الأحزاب المعارضة ألا تتعداها، وفي نفس الوقت جعل الهامش واسعًا جدًّا أمام ديمقراطية السباب والشتائم ونبش الماضي والتغني بالأمجاد، وهو هامش استغله للهجوم على أحزاب المعارضة أيضًا.
في ظل هذه الحقيقة التي تنطبق على مختلف الدول العربية التي تسمح أنظمتها بهامش من الحرية أو «ديمقراطية الأقفاص» مطلوب من المعارضة المبدئية وبالذات مجموعات الحركة الإسلامية أن تستغل هذه «الحرية المقيدة» لنشر دعوة الخير في أوساط الجماهير بالحكمة والموعظة الحسنة، لكن دون التفريط بمطالب الدين الأساسية أو مقاصد الشرع الشريف، وهذا هو سبيل الدعاة دائمًا وأبدًا وعلى الله الاعتماد وبالله التوفيق.