العنوان مسرحية (العز بن عبد السلام)
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1975
مشاهدات 180
نشر في العدد 254
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 17-يونيو-1975
مسرحية
العز بن عبد السلام
الفصل الأول- المشهد الأول
يبدو العز بن عبد السلام مغميًا عليه، على جسمه آثار الماء من الاغتسال، يتقلب قليلًا، ويخرج صوت ضخم من الخارج
المنادي: يا عز الدين، یا عز الدين
العز: يفتح عينيه ويبتسم قائلًا: یا عز الدين، يا عز الدين، من يناديني في أفول الليل؟
المنادي: يا عز الدين، یا عز دين
العز: من يناديني؟ من يريدني؟
- وهو نائم على الفراش-
المنادي: بنفس الصوت- يا ابن عبد السلام، أتريد العلم أم العمل؟
العز:- ويسمع نفس الصوت ويتلفت يمنة ويسرة.
المنادي: يا ابن عبد السلام أتريد العلم أم العمل؟
العز: العلم، العمل «بتساؤل»
العلم، العلم؛ لأنه يهدي إلى العمل
«يستيقظ وهو يتمتم، العلم، العلم؛ لأنه يهدي إلى العمل، يتلفت يمنة ويسرة أين المنادي؟ فيدخل عليه والده بعد حركات عنيفة وحيرة على المسرح»
عبد السلام: السلام عليكم
العز: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، «يتقدم من والده فيصافحه»
مرحبًا وأهلًا يا أبتاه.
عبد السلام: ما لي أراك يا بني أصفر اللون، خائر القوة، تتلفت يمنة ويسرة
العز: ما بي يا أبتاه غير الخير. فاطمئن، هلم فاجلس
- يجلسان معًا.
عبد السلام: أرى آثار الماء على جسمك كأني بك قد اغتسلت
العز: سأقص عليك ما جرى يا أبي
عبد السلام: هات ما عندك، تكلم وأفصح عما بنفسك
العز: نمت هذه الليلة باكرًا ثم استيقظت وأنا-«يتلكأ، ثم يقول» وأنا جنب قد احتلمت في الليل.
عبد السلام: وما فعلت بنفسك؟
العز: نزلت إلى أسفل البيت فوجدت بركة الماء قد غمر الجليد سطحها من شدة البرودة «يشير بيده للأسفل ولسطح البركة»
عبد السلام: «هازًا برأسه».
نعم اذهب وسخن الماء واغتسل
العز: لقد كسرت الجليد بيدي ثم اغتسلت في الماء البارد.
عبد السلام: «رافعًا صوته بحزن» استغفر الله أما تتقي الله في نفسك «مادًا بيديه نحوه» يا بني أتهلك نفسك بيدك؟
العز: هذا ما جرى يا أبتاه، ثم اتيت فنمت، وعندما فتحت عيني مرة ثانية وجدت نفسي قد احتلمت كذلك (مع بعض الانقباض في الوجه).
عبد السلام: ويحك هل اغتسلت مرة ثانية بماء الجليد؟ يقولها بسرعة واستنكار.
العز: نعم يا أبت كسرت الجليد بيدي مرة ثانية واغتسلت، يقولها بصوت ورأس منخفض.
عبد السلام: هذا حرام، حرام يا ولدي في شرعة الله، يقولها بغضب وضيق، أما تسمع قول الله -جل شأنه-: ﴿وَلَا تُلْقُوْا بِأَيْدِيْكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (سورة البقرة: 195) يقول الآية بهدوء أكثر من بقية الكلمة.
العز: والغريب يا أبت أني احتلمت للمرة الثالثة في نفس هذه الليلة بعد نوم بسيط.
عبد السلام: (متعجبًا مستفهمًا باستنكار) يا لطيف، وما فعلت؟ مترقبًا قول والده.
العز: ما فعلت -يقف بعد قولها عن الكلام لحظة بسيطة- اغتسلت للمرة الثالثة بماء الجليد فأغمي عليَّ من شدة البرد.
عبد السلام: بصوت مرتفع «إنك جاهل بشريعة الله، مخالف لأحكامها هذا والله الجهل بعينه.
العز: ثم سمعت مناديًا ينادي باسمي - يقولها بتؤدة وصوت منخفض.
عبد السلام: -باستغراب وسرعة- ماذا سمعت؟
قل العز: وأنا بين النائم واليقظ سمعت هاتفًا يهتف باسمي.
عبد السلام: (باستفهام ودهشة) هاتفًا يهتف باسمك؟ ثم يقف عن الكلام ويتابع ما يقول؟ بصوت أعلى.
العز: سمعته يقول لي -يهدأ قليلًا- يا بن عبد السلام أتريد العلم أم العمل؟
عبد السلام: -يستعجل الحديث- وماذا أجبته يا بني؟
العز: قلت له -وقد بدأ السرور على وجهه- أريد العلم لأنه يهدي إلى العمل، ثم مضى يا أبت، وانقطع الصوت، ولم أكن أرى شيئًا وأنا أسمع ذلك النداء.
عبد السلام: هذا ملك من الله يدعوك للعلم، هات يدك نذهب للمدرسة الغزالية، يا بني احمد الله أن هداك لطلب العلم، ينظر به وهو واقف يقول بعد ترك يده.
العز: سمعت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، بينما هم كذلك، تدخل زوجة العز على المسرح، وتنادي عمي عمي فيلتفتان إليها.
الزوجة: يا عم إن زوجي أبا عبد اللطيف يهجرني ولا يهتم بي ولا يقترب مني، يمضي ليله في العبادة والسهر والقيام، أما لي من حق عنده؟
عبد السلام: ينظر بابنه وبزوجة ابنه أصحيح ما تقول يا عز الدين؟
العز: إنها صادقة يا أبت، ووالله ما بنفسي عليها من عتب.
عبد السلام: يتجول على المسرح.
ثم يلتفت باستغراب إلى ابنه وزوجته، ويقول يا آمنة، لا تحل مشكلة عبد العزيز زوجك إلا حين يتعلم.
الزوجة: عماه، أو سيكون زوجي طالبًا بالمدرسة الغزالية. يا هنائي، وسعدي.
عبد السلام: نعم، وقري عينًا يا آمنة.
العز: يا آمنة. أريد أن أشتري بستانًا نصطاف فيه في الغوطة الجميلة.
عبد السلام: وهل لديك من مال تشتري به هذا البستان؟
العز: ليس عندي ما يكفي، ولا أدري من أين أحصل على البقية، يبحثون عن حل فتتقدم الزوجة بسرعة.
الزوجة: عمي، زوجي، هذا مصاغي، أساوري، أتكفي؟ ثم تخرجهم من يدها وتعطيهم لزوجها، وهم ينظرون إليها لحظة، ثم يأخذها زوجها ويقول:
العز: جزاك الله من زوجـــة صالحة خيرًا.
عبد السلام: وأما حقك من زوجك عبد العزيز فسترينه بإذن الله عندما يصبح فقيهًا طالبًا للعلم.
العز: رضيت بقسم الله لي: الحمد لله، يخرجان. فتدعو برعاية الله وعنايته.
تبدو زوجة العز وهي تطوي الفراش وتقول في نفسها: سيصبح زوجي عالمًا كبيرًا، يقصده المسلمون من الآفاق (بعد طي الفراش) تمسك المكنسة فتكنس البيت.
تقول وهي تكنس: سوف يعلمني ما يتعلمه كل يوم، ونمسي أصحاب قيمة وفضل كبيرين (تترك المقشة وتجلس) فتنظر في يديها وتقول نعم: لقد أعطيت أساوري لزوجي، سيبيع الأساور ليشتري لنا بستانًا في الغوطة لنصطاف فيه، يا فرحتي، فالبساتين رخيصة الأثمان وسأصبح أنا -تضع يدها على صدرها لي بستان اعيش فيه زوجي، كم مع أسمع عن الغوطة، وما أجمل اللحظات التي أمضيتها فيها، وأروعها.
بينما هي كذلك يدخل العز.
الزوجة: مرحبًا وأهلًا بأبي عبد اللطيف.
العز: بك يا أم عبد اللطيف، كيف أنت؟
الزوجة: الحمد لله، بالي عندك -وتجلس بجانبه وتقول له -: ما جرى معك؟
العز: بأي شيء؟
الزوجة: لقد أخذت مصاغي -وتشير إلى الأساور- لتشتري لنا بستانًا نصيف فيه، تحرك رأسها هل توقفت عن الشراء؟
العز: لا لم أتوقف.
الزوجة: فهل توفقت إذن في شرائه؟
العز: - دون أن يحل عقدة وجهه- نعم والحمد لله -صمت قليل- لقد توفقت؟
الزوجة: وهل كفى الثمن للبستان، ولم تحتج شيئًا أو تستقرض؟
العز: لا والحمد لله. ولكن الزوجة: -يبدو على وجهها الاهتمام- أخبرني بأبي أنت وأمي كأنك تريد أن تقول شيئًا - وتأتي له بشيء من التفاح ليأكله.
العز: نعم، ولكن كيف أقول؟ تظهر الحيرة على وجهه.
الزوجة: تكلم ما بدا لك. فأنت أعز علي من كل ما أملك والله. هل أضعت المصاغ؟
- بنوع من اليأس.
العز: لا لم أضعه ولقد بعته وقبضت ثمنه.
الزوجة: إذن هل فقدت منك النقود. يعوضنا الله خيرًا منها.
العز: ذهبت إلى السوق لأشتري ما اتفقنا عليه ثم - يسكت.
الزوجة: قل يا أبا عبد اللطيف.
المال والله كله فداؤك.
العز: اشتريت..
الزوجة: لعلك اشتريت شيئًا آخر غير البستان
العز: اشتريت بستانًا في الجنة
الزوجة: بستانًا في الجنة
باستغراب ودهشة، وما معنى ذلك
العز: بعد أن بعت الأساور.
وجدت الناس في ضيق وشدة.
فتصدقت بثمنه، ما ترين؟
الزوجة: بهدوء: آه. نرجو الله أن يعوضنا بستانًا في الجنة.
العز: لله أنت يا أم عبد اللطيف.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74)
المشهد الثاني
وتمر الأيام والليالي وتعقبها السنون. فإذا بابن عبد السلام يغدو قاضي الشام ومفتيها الكبير يقصده المسلمون من أقصى الدنيا للاستفادة من علمه الغزير.. وغدا ابن عبد السلام أستاذًا في جامعتي دمشق آنذاك. الغزالية والبرانية ويصل في العز إلى الأوج فيستلم خطابة أعظم منابر الإسلام. خطابة جامع بني أمية في دمشق وتتحقق أمنية الأب والزوج والولد.
وها هو ابن عبد السلام ينطلق من بيته الحكم عوضًا عن قصور الحكام بين عدد من تلاميذه ومريديه.
العز: معشر العلماء. إن الله قد اتخذ عليكم العهد أن تبينوا الحق للناس ولا تكتمونه. ومن كتم الحق ألجمه الله بلجام من نار.
الأول: يا شيخنا ابن عبد السلام قد تسربت إلينا الأنباء عن موعد زحف التتار أعداء الله إلى بغداد ليهدموها على أهلها.
العز: أرض المسلمين واحدة ولو سبيت امرأة في أقصى المغرب وجب على أهل المشرق أن ينقذوها وإلا فجميع المسلمين آثمون
الثاني: ولقد بلغنا ما يسيء ويفزع يا سيدي الشيخ.
العز: أخبرونا عما يجري وراء الأستار. فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس
الثالث: إننا نرى التتار أعداء الله في قلب دمشق يشترون السلاح لغزو مصر.
العز: وما الفرق بين بغداد والشام ومصر. ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (النساء:138-139).
الرابع: إنكم إذن مثلهم أن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا.
العز: اعلموا الناس. وليبلغ الشاهد منكم الغائب. إن بيع السلاح لأعداء الله حرام في شريعة الله ومن باعهم ولو سكينًا فهو آثم يأخذ ثمنها جهنم بيده غدًا
الأول: ولكن الملك الصالح إسماعيل قد أصدر قرارًا ملكيًا يسمح ببيع السلاح لهم فماذا نقول للناس.
العز: ولكن الله حرم ذلك.
الثاني: إن غضب السلطان إسماعيل يعرضك للمهالك.
العز: وغضب الله أعظم وأشد ا ۗ ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40)
الثالث: لقد بلغني أنه استاء منك استياء عظيمًا جدًا لما قلت فيه على منبر الجامع الأموي وعلي ملأ من الناس.
العز: أغضبته في رضا الله، سأرفع صوتي عاليًا مدويًا. إن السلطان إسماعيل خائن لأمة المسلمين لأنه تعاون مع التتار ضد المسلمين في مصر
الرابع: هل صحيح أنه عزلك عن منصب الفتيا والقضاء والخطابة
العز: إن مناصب الدنيا تحت قدمي هذا. والله لو قطعت إربًا إربًا لما سكت عن حق إرضاء لحاكم ظالم خائن.
يطرق الباب
العز: من في الباب
الطارق: رسول السلطان يطلب مقابلتك
العز: هلم فادخل- دون أن يتحرك من أرضه- ويبدو الفزع على وجوه الحاضرين. ويتهامسون رسول السلطان.
الرسول: السلام عليكم
العز: ينظر به ويتفحصه- وعلى من اتبع الهدى السلام
الرسول: أنا رسول السلطان العظيم الملك الصالح إسماعيل إليك
العز:- يقطب جبينه- أعلم ذلك. ما وراؤك
الرسول: السلطان العظيم يقرئك السلام. وما بعثني لأحد من شعبه إلا لك. فاحفظ هذه المنة له.
العز: ما طلبت منه ذلك وما رجوته، ماذا يريد مني.
الرسول: إنه يعز عليه عزلك. ويود أن يعيدك إلى مناصبك
العز: والله ما سرتنا ولايته ولا ساءنا عزله.
الرسول: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك ما كنت عليه وزيادة أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير.
وهذا المنديل دليل صدق ما أقول «يخرج من جيبه منديل الخليفة»
العز: «يضحك»ويقول: فقط أن أقبل يده. هذا شيء سهل. أعود بعد ذلك لمنصب الفتيا والقضاء والخطابة على منبر جامع بني أمية
الرسول: نعم تنكسر له وتقبل يده فقط. هل وافقت
العز: يقف أثناء الحديث. ويتجول في غرفته.
يا قوم أنا في واد وأنتم في واد. والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به ثم يقول في صوت مرتفع-
أيها الرسول أبلغ السلطان إسماعيل عن لسان ابن عبد السلام: والله يا مسكين ما أرضى السلطان أن يقبل يدي فضلًا عن أن أقبل يده
الرسول- في غضب وحنق-: أجاد فيما تقوله. ما ترضى أن يقبل السلطان يدك
العز: نعم ما أرضى أن يقبل السلطان يدي. فضلًا عن أن أقبل يده
- بعد هدوء بسيط
الرسول: قد رسم لي، أن توافق
على ما يطلب منك وإلا اعتقلتك.
العز: أوما تعلم أنت وسلطانك أن سجني خلوة بربي؟ افعلوا ما بدا، فيؤخذ بيده ويوثق، ويذهب إلى المعتقل «يغلق الستار».
المشهد الثالث:
حيث يدخل الرسول على إسماعيل وهو وحده.
إسماعيل: من يجرؤ على خلافي؟ أما والله لولا غضب الشعب ونقمته لقطعت عنقه، يتهمني أنا بالخيانة؟! لأوجعنه العقوبة، حميت ملكي من تسلط أخي ملك مصر علي، لو كان مكاني لفعل مثل ما فعلت، وسأرى كيف يأتي وينكسر، ويقبل يدي، من يستطيع أن يسلبني ملكي؟ يدخل عليه الرسول.
الرسول: السلام عليك أيها السلطان العظيم.
إسماعيل: وعليك السلام، إيش الخبر، ما فعلت؟ هل وافق؟
الرسول: لقد تكلم كلامًا قبيحًا فأودعته في السجن حالًا حتى يكون عبرة لغيره.
إسماعيل: أما رضي أن يقبل يدي؟
الرسول: بل قال أفظع من ذلك.
قال: إنه لا يرضى أن تقبل يده.
إسماعيل: العز يقول ذلك؟ وظفناه وأنعمنا عليه، ودررنا عليه الرزق، ثم يتهددني، ويهينني؛ ائتني به.
الرسول: سمعًا وطاعة أيها السلطان العظيم.
ويبقى يحدث نفسه، لم يبق علينا غير أن نخضع له ونقبل يده، والله لئن عادها لآمرن التتار فليقتلوه؛ إنه يشيع الفوضى، ويقلب الناس ضدي، بينما هو كذلك يدخل العز والرسول، وترتعد فرائص إسماعيل، يدخل دون أن يسلم.
إسماعيل: يا حضرة الشيخ أنت قدت نفسك إلى هذا المصير، وأنت جنيت على نفسك.
العز: وأي مصير تعنيه؟
إسماعيل: أن تكون سجينًا، وممنوعًا عن كلام الناس، ومعزولًا عن الفتيا والقضاء.
العز: يا إسماعيل إن سجني خلوة بربي، وتغريبي سياحة، وقتلي شهادة، وأما عزلك إياي عن الفتيا والقضاء فلو كنت أملك غير هذه السجادة أعطيها للرسول على هذه البشارة لفعلت، ثم يرمى بالسجادة إلى الرسول.
إسماعيل: ألا تزال على رأيك فينا؟
العز: لا يمكن للحق أن يصير باطلًا، وما قدره الله لن يمنعه خلق.
إسماعيل: لو أعلنت تراجعك عن الفتيا، وتركت أمرنا بالسماح ببيع السلاح للتتار لعفونا عنك، وأعدناك إلى مناصبك.
العز: ولست بحاجة إلا لعفو ربي، واذكر يا إسماعيل يومًا تقف به بين يدي ربك غدًا يحاسبك على خيانتك لأمتك، وتعاونك مع العدو الكافر ضد المسلمين.
إسماعيل: أيسلب أخي في مصر ملكي مني، وأتركه وشأنه؟ لن يتم ذلك وأنا حي.
العز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأنفال: 27) ثم يتركه ويخرج.
الرسول: إلى أين أيها الشيخ؟
العز: إلى السجن، إلى السجن أتفرغ لعبادة ربي، فيذهب به إلى السجن يهز برأسه، لن يدوم لي ملكي وابن عبد السلام حي، لن يدوم لي ملكي وابن عبد السلام حر، بينما يتكلم كذلك يدخل عليه الإفرنج، أيها السلطان العظيم، يدخلون ويجلسون.
إسماعيل: إنكم أيها التتار قد رفعتم مكانتي، وحافظتم على دولتي التي يريد اغتصابها أخي، فأشكركم من أعماق قلبي.
الثاني: إنه ليسرنا أن نكون حماة بلدك والمدافعين عن أرضك أيها السلطان العظيم.
إسماعيل: إني لن أنسى فضلكم مدى الحياة، وسوف أقدر معروفكم العظيم في المحافظة عليَّ ضد أخي الذي يريد أن يعتدي علي، ويسلبني ملكي.
الثالث: كم يسرنا لو كان كل الحكام يعرفون مصلحتهم مثلك إذن لما عادانا أو قاتلنا أحد. يسمع من وراء ستار:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (سورة الممتحنة: 1).
إسماعيل: (بإصغاء) تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن؟
الأول: نعم لقد سمعناه، إن صوته الجميل مؤثر.
إسماعيل: هذا أكبر قسوس المسلمين؛ قد حبسته لإنكاره عليَّ تسليمي لكم حصون المسلمين.
الثاني: وهل أنكر عليك ذلك على مسمع من الناس أم في بيته؟
إسماعيل: إنه أنكر على ذلك على منبر جامع بني أمية في دمشق، واتهمني بالخيانة لتعاوني معكم؛ فعزلته عن الخطابة في دمشق، وعن مناصبه.
الثالث: إنه جريء والله، ولو تركته لأثار نقمة الشعب كله عليك وعلينا.
إسماعيل: لقد جددت حبه واعتقاله من أجلكم.
الأول: ما اسم هذا القسيس الأكبر أيها السلطان؟
إسماعيل: العز بن عبد السلام.
الثاني: حبسته وعزلته وقيدته؟
إسماعيل: نعم هذا ما فعلته.
الثالث: لو كان ابن عبد السلام هذا قسيسنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتها.
إسماعيل: يضرب برأسه، تغسلون رجليه وتشربون مرقتها ماذا؟ هكذا تفعلون برهبانكم.
ثم يغلق الستار، وينتهي الفصل الأول.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل