; المجتمع الأسري (عدد 1534) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (عدد 1534)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 11-يناير-2003

مشاهدات 69

نشر في العدد 1534

نشر في الصفحة 60

السبت 11-يناير-2003

قصة واقعية

تجربة في الحب

ولدت في أسرة ثرية، كان أبواي منذ طفولتي يسعيان في حمايتي من الانحراف والضلال، بعد أن أنهيت دراستي في الثانوية رحت أعد نفسي لامتحانات القبول في الجامعة، ولم أفكر طوال تلك المدة في الخروج على التقاليد والأخلاق، وهذا نابع من ثقة أبوي في.

كان أبواي يطمحان في أن أتزوج في الوقت الذي أدخل فيه الجامعة، ولهذا رحت أفكر بشريك الحياة في المستقبل، وكانت في ذهني صورة الفارس الأحلام ذاك.

ذات يوم وعندما ذهبت إلى المنتزه القريب من منزلنا، رأيت بعض صديقاتي في زاوية منه، وهن يتحدثن فالتحقت بهن، مضت مدة عندما لاح لي شاب وسيم كان ظاهره ينم عن وقار وأدب، وكان يحمل في يده كتابًا، قفزت في ذهني فكرة أن هذا الشاب هو الآخر يعد نفسه لامتحان القبول بعد دقائق، ودعت صديقاتي وفي طريق عودتي كنت أفكر في ذلك الشاب. 

بعد أيام صادفته في المنتزه وكنت حينها وحدي، اقترب مني وحياني قائلًا: أريد أن أتحدث معك، ارتبكت قليلًا ولم أدرك ما أقول، ولكني وجدت نفسي أقول له: دع ذلك لوقت آخر، ثم أسرعت بمغادرة المنتزه، ولكني لا أدري لم فكرت في منتصف الطريق بالعودة، التفت فوجدته مازال يلاحقني بنظراته، في الأيام التالية استغرقت في المطالعة بإرادة حديدية، لهذا سعيت إلى ألا أشغل ذهني بموضوع آخر غير الجامعة، وأقنعت والدي بأن موضوع الجامعة أهم من أي شيء آخر في الوقت الحاضر، ومضت الشهور تباعًا، وبعد الامتحان توجهت إلى المنتزه، ورأيت مجموعة من صديقاتي فدردشنا حول أسئلة الامتحان، ثم عدنا بعدها إلى المنزل.

وفي الطريق رأيته عرفني وعرفته، تحدث إلي وطلب مني أن أصغي إليه، وفهمت أنه يريد أن يطلب يدي، قلت له ينبغي أن نتعرف إلى بعضنا أكثر فإذا كان هناك انسجام في آرائنا عندها أطلع والدي على الموضوع، وهكذا افترقنا.

وبعد ذلك اللقاء أصبح من المعتاد أن التقيه يوميًا، ساعة على الأقل نتحدث خلالها حول مختلف القضايا وعن المستقبل، وهكذا مضت الأيام، وأخيرًا أطلعت والدي وكانا ينتظران أن يتقدم لخطبتي.

ظهرت نتائج القبول وقبلت في إحدى المحافظات، وذهبت لتسجيل اسمي هناك، وبعدها التقيته في المنتزه بعد عودتي، وقد ذهلت لمرآه في حلة سوداء ومعه مجموعة من رفاقه يرتدون ذات الشكل واللون، وظننت للوهلة الأولى أنهم ينوون الذهاب إلى أحد الأندية الرياضية، وعندما لمحني قال لرفقائه انصرفوا إلى عملكم.

تقدمت نحوه وتبادلنا عبارات عادية، وأخبرته بقبولي في الجامعة، وقلت له إنه قد آن الأوان لأن نتحدث بجدية أكثر، ولكنه كان مرتبكًا وكان يحاول تغيير مسار الحديث، كان تصرفه غير عادي تمامًا، وانتابتني هواجس وشكوك، وكنت أفكر وأنا في طريق عودتي إلى المنزل بحقيقة هذا الشاب.

تقرر دخولي الجامعة في النصف الثاني من السنة الدراسية، وكانت هذه فرصة للتحقيق في المسألة، ورحت أراقبه عن بعد ورأيته ذات يوم مع مجموعة من رفاقه وهم يتبادلون المخدرات شعرت لوهلة أنني في حلم، ولكني صحوت على حقيقة مرة، حقيقة كادت تعصف بحياتي وتدمر مستقبلي، أحسست بعمق فجيعتي لو أنني اقترنت به، وعشت معه تحت سقف واحد، لقد كان يعمل في عصابة توزع المخدرات، وكان مقرها في ذلك المنتزه.

فكرت أن أنقذه من هذه الهاوية التي ينحدر فيها، التقيته مرة في المنتزه وأخبرته بصراحة أنني قد اكتشفت حقيقته، وحذرته من التمادي في عمله اللإنساني هذا، في البدء أنكر ثم لم يصمد أمام الحقيقة، فاعترف بلا اكتراث لم يصغ إلى نصائحي، بل دعاني بوقاحة إلى قيادة العصابة، شعرت بجسمي يرتجف غضبًا، ونفضت يدي عنه إلى الأبد، كانت قصتي معه أشبه بذكرى موحشة ومريرة، أستعيدها بين حين وآخر وأنا مشغولة في دراستي، أجل فعندما يتم التعارف في الزقاق أو الشارع، وداخل سيارة التاكسي أو في محطة الباص والمنتزه، ويبدأ الحب لأول نظرة فإن من الطبيعي أن تكون لمثل هذا التعارف نتائجه المريرة، إن الحب الحقيقي إنما ينهض على أسس صلبة من الخلق الرفيع والسرائر البيضاء الطاهرة، إنني أكتب هذه القصة من أجل أن تكون عبرة لغيري من الفتيات اللاتي ينظرن إلى الحب بسذاجة، فيقعن ضحية بين أنياب الساقطين.

كفالة اليتيم.. شامة عز على 

جبين العمل الخيري الإسلامي

مهيوب خضر

اليتيم طفل فقد معنى الوجود حين وجد نفسه وحيدًا، بلا موجه يرشده ويعلمه، وبلا حام يذود عنه، وبلا ظهر يستند إليه إذا تكالبت عليه شياطين الإنس، الطفل قصة تجسدت فيها معاناة إنسانية شديدة المرارة، حزينة الذكريات، مرت عليها ثلة من الحضارات دون ذكر أو اهتمام، إلا حضارة الإسلام، فكان لهذه القصة فيها صدى جليل رفع من شأنها وعلا بأصحابها.

نعم لقد سبقنا الغرب اليوم في العلم وبناء الحضارة، وتركنا خلفه لنسمى نحن المسلمين اليوم بدول العالم الثالث أو (المتخلف) كما يدعون حتى في مجال العمل الخيري والإنساني، ادعوا الريادة والسبق في خدمة الإنسان واحترام حقوقه وتخفيف آلآمه، ولكن ورغم التطور العلمي الذي حازوه في علوم النفس والاجتماع، لم نشهد لمصطلح اليتيم وجودًا أو اهتمامًا عندهم، وهذا ما تشهد عليه مؤسساتهم الخيرية والطوعية التي لم تدخل مشروع كفالة اليتيم في أي من أهدافها ومشاريعها، وهذا ما شاهدناه بالفعل من خلال خبرتنا العملية مع مشروع كفالة اليتيم التي دامت أكثر من عشر سنوات في ثلاث مؤسسات خيرية إسلامية، ومن خلال الاحتكاك بكم كبير من المؤسسات الغربية وعلى رأسها الأمم المتحدة، ولطالما تعجب مسؤولو معظم المؤسسات الغربية أثناء لقاءاتنا معهم من طبيعة وضخامة مشروع كفالة اليتيم لدى المؤسسات الإسلامية، ومن السيولة المادية التي يتمتع بها المشروع، ولطالما تساءلوا عن سر هذا التوجه ودوافعه حيث عجزوا عن مجرد التفكير في مثل هذا المشروع الذي يعد رمزًا شامخًا من رموز العمل الخيري الإنساني العالمي، ومع أنهم قد تخصصوا في مجال خدمة ورعاية الطفل بشكل عام وأجادوا فيه، إلا أن اليتيم ضاع عبر السطور في هذه الخدمة، وفي المقابل برز مشروع كفالة اليتيم على رأس أولويات العمل الخيري الإسلامي تلبية لهدي القرآن وتعاليم السنة المطهرة، حتى أن معظم المؤسسات الخيرية الإسلامية بدأت أعمالها بهذا المشروع الأكثر إنسانية، فهبت لتلبي النداء، وحثت أهل الخير على العطاء، فكان مشروع نماء عرفه التاريخ، وسجله في صفحاته البيضاء، وستبقى أعداد الأيتام المكفولة لدى المؤسسات الخيرية الإسلامية في كل بقاع الأرض، خير دليل على حجم النجاح وعلو مرتبته، كما ستبقى المشاريع التنفيذية التي انبثقت عن مشروع كافل اليتيم من مدارس تؤوي هؤلاء الأيتام لتعلمهم أمور دينهم ودنياهم، ومراكز فنية تأخذ بأيديهم نحو العمل الجاد المثمر ومراكز لتحفيظ القرآن الكريم تنشئ منهم جيلًا فريدًا، ومراكز ثقافية تحوطهم بسياج تحسبًا من غزو ثقافي محتمل، ومبلغ من المال يبعدهم عن سؤال الناس وطرق الأبواب شاهدًا على مصداقية هذا المشروع الإسلامي الفريد من نوعه، هكذا حاز المسلمون المركز الأول في خدمة اليتيم، ويكفي اليتيم شرفًا ما شرفه الله به من ذكر مجيد في القرآن الكريم، إذ تحدثت ثلاث وعشرون أية في كتاب الله عن اليتيم وأحواله، واصفة ومذكرة بخصوصية وضعه من حيث الجانب النفسي والاجتماعي والمالي، عبر مراحل نموه المختلفة، ومتطلبات كل مرحلة، ويتصدرها قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَيَسْأَلُوْنَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلَاْحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (سورة البقرة: ٢٢٠)، وأما سنة رسول الله ﷺ فقد زخرت بأحاديث شريفة عملت على إحياء ضمير كل مسلم قادر ليقوم بتأدية الواجب وتحمل المسؤولية أمام الله عز وجل، ومنها ما جاء في حديث المصطفى ﷺ: «أنا وكافل اليتيم» وبعد أن وصل مشروع كفالة اليتيم في المؤسسات الخيرية الإسلامية إلى مرحلة التميز بقيت مرحلة بعدها، وهي كيفية المحافظة على هذا التميز وتطويره.

إلى الشباب «المستشيخين»

د. حمدي حسين

استغرب كثيرًا سرعة سقوط رجالنا في براثن الشيخوخة النفسية والعضوية، فما إن يقترب أحدهم من الأربعين، ويدلف فيها حتى يشعر بدبيب الشيخوخة في أوصاله، فإذا دلفت إلى رأسه بعض الشعرات البيض، ازداد دبيب الشيخوخة أكثر، فإذا اقترب من الخمسين حتى ظهره للشيخوخة كي تتسلق عليه، وأسلم لها قياده، حتى إذا عاور الستين حضر كفنه أو كاد، وافترش سجادة الصلاة أملًا أن يزوره ملك الموت وهو ساجد.

ترى لماذا تدهمنا الشيخوخة باكرًا هكذا؟ ولماذا نتشاءم من شعرات الحكمة في ناصية الرأس وكأنها ضربة فأس، وإذا كان متوسط الأعمار لدينا متدنيًا إذا قورن بمتوسط الأعمار في أوروبا فإن مما يقصر العمر أكثر هذا الإحساس الأسر الباكر بالعجز والشيخوخة حتى لكأننا نموت قبل عشرين عامًا من الموت الجسدي، وإن الشعور بالعجز وانتظار الموت لأشد من الموت إن لم يكن هو الموت نفسه، لقد نزلت آيات الحكمة على قلب سيدنا محمد في السن الذي قال عنه المولى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ (سورة الأحقاف: 15) والنعمة هنا هي نعمة الصحة والقوة الأشد، أو نعمة الأربعين سنة، ترى ما الذي جعل نعمة القوة فينا هوة وبداية إحساس بالشيخوخة والانحسار، أهو الخوف من الأيلولة إلى هزال المحاق عند اكتمال البدر؟ وهل هو خوف شرعي له ما يبرره؟ ولماذا نحن وحدنا الذين نشيخ قبل الشيخوخة هكذا، ونموت قبل الموت، بينما الأمم من حولنا تستمتع بنعمة الحياة حتى الرمق الأخير، وتشرب كأس العمر حتى لا تبقى ثمالة لليأس والخور؟ كأن الأثر الذي يقول: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، هو أدبهم وليس أدبنا، وأثرهم وليس أثرنا، ولا ألحظ أي تناقض بين العملين المذكورين في هذا الأثر، فالعمل للدنيا هو ذاته عمل للآخرة في عقيدة المسلم، ولكل شجرة خير يزرعها لدنياه تنبت معها شجرة خير أعظم منها في آخرته فإذا السنبلة سبعة سنابل وإذا الحبة سبعمائة حبة، والرجل لا يدري حجم البيدر الذي ينتظره هناك وعظم المحصول الذي سيملكه.

وليست عظمة هذا الدين في أنه جعل من الفتيان رجالًا وقادة فحسب، بل تسابق الأحداث فيه يزاحمون الرجال، ويثبتون أخامصهم الصغيرة في أرض الكبار، ولكن عظمته أيضًا أنه لم يحدد للشباب مرحلة معينة، وتمتد فيه سن الشباب طالما في الإنسان عمر ورمق، فكما يخلب لب الإنسان في هذا الدين يافع وقف على مشطي قدميه ليبدو كبيرًا يزاحم في عالم الكبار، كذلك يخلب اللب فيه شيخ حال بنوه دون خروجه إلى أرض الجهاد وقالوا له: إنا نكفيك هذا، فقال لا لقد استنفرنا هذا الدين شيوخًا وشبابًا فقال -تعالى-: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة التوبة: 41) ولا أجد لي عذرًا في القعود، فأين هؤلاء من شيوخ اليوم، بل من الشباب المستشيخين؟

إن الرجال الذين يهرمون بسرعة هم أولئك الذين فقدوا مبررات وجودهم، واستكانوا للدعة والخمول، والمسلم لا يفقد مبررات وجوده حتى يموت، إنه وهو على سرير الموت يؤدي بقية الرسالة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة البقرة: 133) ما الذي كان يشغل هذا النبي الشيخ الجليل في هذا الموقف الشديد: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ﴾ (سورة البقرة: 133)

لم يفقد مبررات وجوده حتى اللحظة الأخيرة، إن الأعمال الجليلة والمواقف التاريخية الكبيرة لم تكن في يوم من الأيام وليدة القوة والشباب الطائش، بل كانت وليدة الخبرة الطويلة والحكمة الراسخة المرافقة للشيخوخة، لماذا يكتب الشيوخ هناك في أوروبا أقدار بلادهم، بينما ينزوي شيوخنا في زوايا مظلمة بعيدًا عن تيار الحياة وزحمته؟ لماذا يدلف بعضهم قمة الهرم وهم في قمة الهرم، بينما يدلف كثير من شبابنا سن الهرم قبل الهرم؟

ناهيك عن الشيوخ فعلًا الذين يكونون قد استكانوا منذ زمن للعجز والخور هذا (كانت) فيلسوف الألمان كتب أعظم كتبه في سن السادسة والستين، وفولتير كتب كتابه الهائل «نظرية البحث» في التاسعة والسبعين.

فماذا أقول للذين يرتجفون بلا ارتجاف لشيخوخة ليست بالضرورة، فصل خريف وإجداب، بل إنه حقًا ثمرة العمر والإخصاب، أرجو أن يراجع قومي حساباتهم. 

الرابط المختصر :