العنوان قطوف تربوية من قصة صاحب الجنتين
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1999
مشاهدات 64
نشر في العدد 1359
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 20-يوليو-1999
الخطاب المادي!
الماديات وحدها تحصر الإنسان داخل ذاته وتعميه عن إدراك الحقيقة
المؤمن يستشعر حلاوة الأنس بالكون العابد لله على عكس الكافر
نشرت مجلة المجتمع قطوفًا تربوية من قصة صاحب الجنتين، تناولت استعراضًا سريعًا للقصة التي قسمها الكاتب إلى أربع جولات الجولة الأولى صورة مفصلة لممتلكات الرجل الكافر التي تسببت في طغيانه وكفره، في حين لم تصف ما يملكه المؤمن من متاع مادي، نظرًا لأنه لا يمتلك ما يستحق الذكر، ولأن ما يميزه، ويتشرف به هو الفكرة والمبادئ التي يحملها.
وتناولت الجولة الثانية تحت عنوان: «قراءة في مفردات خطاب علماني» المواجهة الحوارية، والمبارزة الفكرية بين الرجلين التي نواصلها اليوم باستكمال عرض الرجل الكافر لرأيه وأفكاره دون مقاطعة من الرجل المؤمن.
بدأ الكافر حواره بتعال وتفاخر، وبأسلوب معايرة سافرة رخيص، وبطريقة غير أخلاقية تفتقد اللباقة والحنكة والرشد، وتركز على نقاط الخلاف، وتستفز الحليم.
وهذا لا يستنكره من يدرك القاعدة الثابتة، وهي أن حركة وسلوك أي فرد، بل وأي أمة، إنما تنبع من الفكرة التي يؤمن بها.
فالفكرة أو المنطلق الذي ينطلق منه سلوك الرجل الكافر هو المنطلق المادي البحث، ممثلًا في الاعتزاز بالمال والولد، وهي صور تمثل الطين وثقلته، وهي المنطلقات الأرضية الدونية.
وتدبر أيضًا منطلقات خطاب قريش فهو أيضًا ينكشف تحت بؤرة الحوار، إذ ظنت أن محمدًا ﷺ كانت غاياته أرضية، طامعًا في المال والشرف والجاه والسؤدد، وإذا لم يطلب تلك الأمور فهو إذن مريض يحتاج إلى الطب والدواء فتدبر هذه المنطلقات المادية الحيوانية التي لم تك تفتضح إلا تحت نور الحوار وحرية الرأي.
ولا تستعجب من الاتهامات التي تلصق بالتيار الإسلامي المعاصر، من قبل الخطاب العلماني المعاصر، فهم يحصرون اتهاماتهم في أن التيار الإسلامي يسعى إلى السلطة والملك والسيطرة على مقدرات العالم وليس الأمة فقط وكأن السلطة والمال هما غاية التيار وليسا وسيلته إلى الهدف المنشود في أن يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة تفتن الناس عن دينهم، ولهذا نراهم وقد وجهوا جهودهم إلى تجفيف المنابع سواء المنابع المالية بمحاربة كل ما هو إسلامي كالبنوك وغيرها من المشاريع الإسلامية، أو المنابع البشرية بالمحاصرة والتشكيك والتهديد بل وبالسجن والتعذيب.
وعندما يدرك المسلم هذه المنطلقات العلمانية المادية، ويقيسها بموازينه الربانية فيدرك الفارق والتمايز بين منطلقاتهم ومنطلقاته، يردد تلك الترجيعات الباعثة على الأمل والتفاؤل:
يا دامع العـينين لا تحزن على هذا السراب
من لم يكن في الخلد مسكنه فمأواه التراب
الانغلاق على الذات
كان الكافر أثناء مداخلته الحوارية، يتحرك في صورة المهزوز المضطرب، وكأنه يهرب من خطر الاستقرار والمواجهة، ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ (الكهف:35) هكذا في التعبير القرآني.
إن جنته هي حدوده وهي غاياته، فعقليته عجزت عن كسر السياج الذي رضيت بأن يقام حولها، واهتماماته انحصرت داخل ذلك الحيز الضيق ذلك الضيق المركب، ضيق الدنيا والماديات التي تعمي صاحبها، فلا يرى إلا ملكه وضيق الفكر، فلا يسمع إلا نفسه، ولا يرى إلا رأيه بنهج فرعوني استبدادي إرغامي «دكتاتوري»، وذلك لأن الاهتمامات المادية بطول المعايشة تؤدي إلى حركة ضمور فكري، وعملية استلاب مهينة لدور وحرية العقل في أن يرى الحقيقة مجردة بسيطة.
وتأمل كيف أن هذه الرؤية المحدودة، قد جعلت عتبة أيضًا أثناء الحوار يقصر بدائل الفكرة التي دعاهم إليها -صلي الله عليه وسلم- على الماديات من ملك وجاه وسؤدد، وهي صورة أخرى من صور حالات الضمور الفكري والاستلاب لحرية العقل وتذكر معي مقالة ربعي بن عامر لرستم الفارسي وملئه، محاولًا إنقاذ العقلية المريضة الضيقة المعالم التي وجد الفرس عليها: «إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من العباد من عبادةالعباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة».
فتأمل أيضًا، الفرق بين العقلية المنفتحة ذات الرؤى الرحيبة اللاحبة الواسعة التي لا يحدها أرض، والتي تربت على العقيدة وبين العقلية المادية الكافرة الضامرة الضيقة.
وهنا فقط تلمح حول إحدى الظواهر الدعوية التي تنبثق من هذه السنة الإلهية الاجتماعية فالماديون عندما يقصرون اهتماماتهم على الأشياء والماديات والأشخاص، يصابون بنوع من الضمور الفكري وضيق الأفق وضيق الرؤية فلا يرون إلا ذواتهم وممتلكاتهم ومادياتهم وأشياءهم، ولا يسمحون لعقولهم بالخروج من جنتهم التي يبنونها بأيديهم.
وكذلك البعض من الدعاة، عندما يقصرون عقولهم على أشياء مادية أو موروثات ثقافية معينة، وعلى أشخاص بعينهم فلا يسمعون إلا لهم، ولا يسمحون لعقولهم بغربلة المعطيات التي تلقى إلى عقلياتهم، ولا يتلقونها بالنظرة النقدية، فيصابون أيضًا بظاهرة الانغلاق على الذات ذات المناحي والمنهجية الخطية، فيعيشون داخل جنتهم التي يقيمونها بذواتهم، فيظلمون دعوتهم ويظلمون أنفسهم، وذلك لأنهم تعرضوا لسنة إلهية لا تتبدل ولا تحابي!
لأن المناخ الاجتماعي المنغلق يفرز فكرًا مغلقًا، ويُنشئ سلوكًا متحجرًا، ويكون عقلية منغلقة.
فالضيق المناخي يورث الضيق الفكري والسلوكي.
وكبت الفكر، يورث فكر الكبت.
والجزاء من جنس العمل.
نشاز.. وشذوذ
لقد انتكس الكافر فكريًا، عندما جعل حدوده لا تخرج عن نطاق جنته وفوق هذا دخلها وتشرنق، وكأنه يستمرى حالة الضيق الفكري ولقد كان الوصف القرآني دقيقًا عندما حكى عنه انه تجول داخل جنته ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ (الكهف:35) لقد دخلها ولم يتدبر عطاء الجماد، لم يتدبر أن ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا﴾ (الكهف:33).
وقد يعجب المتدبر القرآن هذا الموقف:
جنة مكونة من زروع وأعناب ونخيل، كانت عادلة، بحيث لم تظلم، ولم تخف من ثمارها شيئًا نبات وتراب وجماد ينفي القرآن عنه الظلم.
وإنسان مكون من عقل وروح وله مشاعر وعواطف وأفكار، ومع ذلك كان ظالمًا في حياتهودخل هذا الإنسان الظالم جنته غير الظالمة، فأخذ ثمارها التي قدمتها له بكرم وسخاء، أخذها بظلم وبغي وبطر.
عجيب هذا الأمر: نبات كريم معطاء لا يظلم، وإنسان بخيل مغرور ظالم.
ولا ننسى أن القرآن أضاف ظلم الإنسان الكافر لنفسه، فهو ظالم لنفسه، لأنه كفر بالله أوردها موارد الهلكة، وهو ظالم لنفسه: لأنه أضاع أمواله، وظالم لنفسه: لأنه خسر جنتيه، وظالم لنفسه: لأنه بدل نعمة الله كفرًا، ولا يظلم الظالم في الحقيقة إلا نفسه، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر:43) «مع قصص السابقين في القرآن: د. صلاح الخالدي- طبعة دار القلم- دمشق 2\136-137»
وكذلك كانت قريش في خطابها الاستنكاري ضد موقف عتبة واعتزاله لهم بعد الحوار، فهو الضيق والظلم للنفس التي تعرضت لعملية الاستلاب الفكري، فلم تقاوم واستمرأت التشرنق داخل سياج مادي أرضي دوني صنعته بأيديها.
وهنا ملمح تربوي آخر، هو أن وجود الكافر أو قريش كتيار فكري لا ديني، لا ينسجم مع طبيعة الوجود الساجد العابد لرب الوجود.
إنه النشاز والشذوذ، نشاز يعارض سننه سبحانه الإلهية الكونية، وشذوذ يصطدم ويضاد حركة الوجود كل الوجود.
وتدبر هذا الأنس مع الوجود، الذي يستشعره المؤمن في حياته، وهو الشعور الذي افتقده كعب ابن مالك -رضي الله عنه- في محنته عندما قال: «فاجتنبنا الناس أو قال تغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف» «متفق عليه».
وتدبر موقف الوجود مع الكافرين عند هلاكهم، لقد وصف الحق سبحانه، كيف انقطعت العاطفة بين الكون، بل والوجود كله، وبين فرعون وملئه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ (الدخان:29).
معارضة السنن الإلهية
ثم ينكشف معلم أخر، من خطاب الكافر المادي، ويفتضح تحت حركة الحوار، وتحت معاول العملية الانتقائية للأفكار، وحركة التدافع الآرائي، عندما قال: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾ (الكهف:35) وبعيدًا عن المعنى القريب الذي يصور الكافر في صورة الطامع في الخلود المادي، والاستمرارية الفكرية والديمومة كتيار، فإن المعنى التربوي البعيد، نستشعره من خلال قراءة تلك المقولة التي وردت في خطابه، فيتبين لنا أن هذا الكافر وما يمثله من تيار، ونتيجة لضيقه الفكري، فإنه يجهل ناموس الوجود، ولا يفقه سننه الإلهية في التداول والتبادل الحضاري، يجهل ما يفقهه كل مؤمنويغيب عنه ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: ١٤٠)
إن عدم فقه السنن الإلهية من شأنه أن يصيب التيارات اللادينية بالغرور، وحب التملك فترفض عملية التداول الحضاري وتنزع إلى حب السيطرة فلا تسمح بقانون تداول السلطة ولو أنتت عن طريق ما تتشدق به من حرية و «ديمقراطية».
وفي الوقت نفسه فإن فقه سننه سبحانه من شأنه أن يزيد رصيد التيار الديني من الثقة في وعده سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص:5).
وهو الفقه الذي يعطي العاملين المؤمنين زادًا عظيمًا، وهو الأمل في التغيير، والعبور من مرحلة الخوف إلى مرحلة الأمن ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: ٥٥)
هادمو الثوابت
ثم نستمر في قراءة الخطاب المادي، على لسان الرجل الكافر، لنضع أيدينا على مرتكز آخر لخطابه، عندما نسمعه يقول: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ (الكهف:36).
وعلى نهجنا في قراءة المغزى التربوي البعيد لهذه المقولة النكدة، التي تدل -في معناها القريب- على أن صاحبها، يشكك في اليوم الآخر، ولا يقتنع بقيام الساعة والعياذ بالله.
ولأن المؤمنين يدركون أن الإيمان باليوم الآخر، هو المحور الذي يكون مع محوري التوحيد والإيمان بالوحي والرسالة، المحاور الثلاثة التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية.
فإننا نجد هدف هذه المقولة في الخطاب المادي للرجل الكافر، هو نفسه هدف الخطاب المادي لقريش والذي ورد على لسان عتبة: «وإنك أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من أباءهم».
بل هو نفسه أحد مرتكزات الخطاب العلماني المعاصر، إذ يقوم على المحاولات الجهيدة لهدم مقدسات الأمة، وتدمير ثوابتها العقدية، ولذلك لا يستعجب كل مؤمن ما يسمعه ليل نهار من كتابات إباحية تحاول هدم ثوابت عقيدة الأمة.
وتدير مغزى كتبهم المعنونة بعناوين مستفزة فلا تجد أبلغ من هذه الكلمات: «رب ما أحلمك» وأنت تقرأ مثل تلك العناوين: «شدو الربابة بأحوال مجتمع الصحابة»، لخليل عبد الكريم، و «يا أرضنا يا زوجة الإله والطغاة» للإباحي أدونيس، وكذلك كتابات فرج فودة، وإخوانهم الذين يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون.
عدم الفقه.. وسببه
ثم نقطة أخيرة في خطاب الكافر نلمحها من خلال قولته ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ (الكهف:36) هكذا في سخرية وفي تعال مقيت.
ونستشعر المغزى البعيد لهذه المقولة التي تفضح طبيعة الخطاب المادي للكافر، لقد أصابه الغرور، فربط بين موازين الدنيا وموازين اليوم الآخر، لعدم إيمانه به وظن أن حظه إذا كان جنتين في الدنيا فسيكون أكثر في الآخرة.
وهذا ما يدل على عدم الفقه والتخبط بين سبل الغي والهلكة، والعمى عن سبيل الرشد والهداية، ومرجع ذلك وسببه هو مرض التكبر: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف:146).
والعجيب أن الكافر نراه وقد ذكر الساعة، واليوم الآخر، وأنه يعرف أن هنالك حياة أخرى بالرغم من صمت الرجل المؤمن، وهذا ما يدل على أن أصحاب التيار المادي لا ينقصهم العلم ولا يمنعهم من الهداية الجهل، بل هو الجحود والنكران، ذلك النكران والرفض الذي يقودهم إليه ظلمهم وعلوهم وتكبرهم، قال تعالى... ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل:14).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل