; مستقبل كابل: كتاب جديد تنفرد المجتمع بنشره قبل الطبع | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل كابل: كتاب جديد تنفرد المجتمع بنشره قبل الطبع

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1990

مشاهدات 74

نشر في العدد 971

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 19-يونيو-1990

  • ·       إن مستقبل كابل هو مستقبل أفغانستان، وإن الذي سيحكم قبضته على كابل هو الذي سيتحكم في مستقبل أفغانستان السياسي.

    ·       ظاهر شاه حكم أفغانستان عن طريق بعض الزعماء ورؤساء ومشايخ الطرق الصوفية.

    الحلقة الثانية.. كابل موقعها وأهميتها

    الفصل الأول: كابل مدينة قديمة يعود تاريخها إلى ما يقرب من سبعة قرون قبل الميلاد، وقد فتحها المسلمون أول مرة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- سنة 25 هجرية، ثم انتفضت بعد ذلك على الحكم الإسلامي أكثر من مرة، فأعيد فتحها في عهد معاوية -رضي الله عنه- بقيادة المهلب بن أبي صفرة، ثم انتفضت مرة أخرى في عهد يزيد بن عبد الملك، ولم يتمكن المسلمون من إخضاعها إلا في عهد الخليفة المنصور العباسي، وبقيت كابل على عهدها بالإسلام خاصة بعد أن أسلم ملكها في عهد الخليفة المأمون. وفي عام 1747م تولى أحمد شاه بابا «الأبدالي» حكم أفغانستان فوحدها بعد ما تنازعتها الدويلات المختلفة عدة قرون، ثم اختار قندهار عاصمة لأفغانستان بدلًا من كابل إلا أن ابنه تيمور نقل العاصمة بعد ذلك إلى «كابل» بعد وفاة أحمد شاه لتصبح كابل عاصمة أفغانستان وذلك في سنة 1773م.

    موقع كابل وتقسيماتها الإدارية:

    تقع كابل في الوسط الشرقي لأفغانستان وتبعد عن حدود باكستان عبر ممر خيبر 225 كيلومترًا، عبر طريق ممهد، أما الولايات التي تجاورها فمن الشرق ننجرها رو ولغمان ومن الشمال كابيسا وبروان ومن الغرب بروان ووردك ومن الجنوب لوجر. وتتبع كابل إداريًا 9 مديريات هي «بجرامي» و«سروبي» و«تشار أسياب» و«تشاردهی» و«دي سبز» و«مير با تشاكوت» و«قرة باغ» و«شكردرة» و«بغمان» وتبلغ المساحة الإجمالية لكابل مع هذه المديريات 4583 كيلومترًا مربعًا. أما مدينة «كابل» فهي تمتد فوق سهل تحده الجبال من جهاته الأربع تتخلل هذه الجبال بعض الطرق والممرات التي تصل كابل بباقي المدن الأفغانية ومن ثم بالدول المجاورة، وتبلغ مساحة المنطقة الحيوية للعاصمة كابل حوالي 20 × 30 كيلومترًا مربعًا تقريبًا، ويجري نهر كابل في وسط المدينة حيث يقسمها إلى نصفين، وتقع معظم المصالح الهامة في القسم الغربي من المدينة أما القسم الشرقي فتقع فيه كابل القديمة. وتنقسم كابل إلى أحياء مختلفة بعضها أحياء سكنية مدنية مثل «شل ستون» و«خير خانه» و«كارته بروان» و«كابل القديمة» وبعضها أحياء عسكرية مغلقة على المدنيين، وتوجد بها تجمعات سكنية لعائلات الضباط وأسرهم مثل «دار الأمان» وهو حي أسسه الملك أمان الله ثم اتخذه السوفييت مقرًا لهم، وجعلوا له تحصينات عسكرية دقيقة وكان مركز قيادتهم أثناء احتلالهم لأفغانستان «ديسمبر 1979 - فبراير 1989» وهو الآن مقر مركز المخابرات الأفغانية «خاد» ومركز إطلاق صواريخ سكود، وتوجد فيه بعض التجمعات العسكرية الأخرى من القوات الخاصة والمستشارين العسكريين السوفييت الذين يقدر عددهم بحوالي «300» مستشار عسكري ويقع حي «دار الأمان» في جنوب غرب كابل. كذلك توجد بعض التجمعات العسكرية الأخرى مثل فرقة «بل تشرخي» في الشرق والمطار وبعض التجمعات الأخرى في الشمال والشمال الشرقي وفرقة «قرغة» و«باغ داود» و«دشت برشي» العسكرية في الغرب وذلك علاوة على التجمعات المتواجدة في قلب المدينة حول القصر الجمهوري وتجمع الوزارات والسفارات في مناطق «وزير ستان» و«بشتونستان» في قلب العاصمة كابل.

    أهم الطرق المرتبطة بكابل:

    ترتبط كابل مع باقي الولايات الأفغانية، بل وبالدول المجاورة بأربعة طرق رئيسية هي:

     1- طريق الشمال: وهو الطريق الذي يؤدي إلى الاتحاد السوفييتي ويمر عبر ممر «سالانج» الشهير ويسمى طريق «حيرتان» نسبة إلى آخر مدينة أفغانية تقع على هذا الطريق ويسيطر المجاهدون على مساحات مختلفة من هذا الطريق، أهمها المنطقة الواصلة بين كابل ومديرية «شكردرة» التي تقع في الشمال الغربي للمدينة، وقد تمكن المجاهدون من السيطرة على هذه المنطقة التي يصل طولها إلى «15 كم» تقريبًا في شهر أبريل 1989م، وقد فشلت قوات نظام كابل أكثر من مرة في استعادة هذه المنطقة، فاضطرت لاستخدام صحراء «ده سبز» الوعرة والممتدة الأطراف لمرور قوافلها في مسافة تزيد 80 كيلومترًا عن الطريق الدولي تقريبًا، فأدى هذا إلى زيادة التكاليف في النقل بالنسبة للنظام علاوة على تعرض القوافل لهجمات المجاهدين عبر منطقة «ده سبز» التي تقع في شمال كابل ويبدو أن نظام كابل قد فقد الأمل بالفعل في استعادة منطقة «شكردره» فبدأ في تعبيد ورصف طريق صحراء «ده سبز» وقد أخبرني أحد المجاهدين الثقات أثناء وجودي في «بغمان» وكان عائدًا لتوه من «بروان» بأن المجاهدين في «بروان» قد تمكنوا من أسر ثمانية من المهندسين الذين كانوا يعملون في التمهيد لعمليات التعبيد والإنشاء لطريق «كابول» عبر صحراء «ده سبز» في شهر أكتوبر 89 ويعتبر طريق الشمال هو أهم الطرق بالنسبة لنظام كابل حيث أنه يعتبر طريق الإمداد الرئيسي بين «كابل» و «الاتحاد السوفييتي».

     2- طريق الشرق: وهو الطريق الذي يربط كابل مع «باكستان» عبر جلال آباد ثاني المدن الأفغانية أهمية بعد كابل ويبلغ طول هذا الطريق 225 كيلومترًا، ويسيطر المجاهدون الآن على ما يقرب من 40 كيلومترًا منه، وذلك بعد تراجعهم عن مواقعهم حول جلال آباد في أوائل يوليو 1989م حيث كانوا يسيطرون على ما يزيد عن 80 كيلومترًا منه بعد هجومهم الشامل على جلال آباد في مارس من نفس العام 1989م، كذلك يقوم المجاهدون من آن لآخر بقطع أجزاء من هذا الطريق في المسافة الواصلة بين كابل وجلال آباد عند مضيق الجبل الأسود ومنطقة «سروبي» إلا أن علاقة كابل مع باكستان عبر هذا الطريق مقطوعة منذ استيلاء المجاهدين على نقطة طورخم الحدودية والمساحات التي أشرنا إليها في شهر نوفمبر سنة 1988م.

     3- طريق تورغندي: وهو الطريق الدائري الذي يعتبر امتدادًا لطريق الشمال حيث يمر هذا الطريق عبر ولايات «وردك» و«غزني» و«زابل» و«قندهار» و«هلمند» و«فراه» و«هيرات»، حيث يتفرع إلى فرعين عند «هيرات» أحدهما يتجه شمالًا عبر «تورغندي» إلى الاتحاد السوفييتي الغربية والجنوبية الغربية لأفغانستان، أما الفرع الآخر من هذا الطريق فيتجه غربًا إلى إيران ويخرج فرع آخر من هذا الطريق عند قندهار ويتجه إلى باكستان حيث يرتبط بمدينة «كويته» عاصمة بلوشستان عبر نقطة «شمن» الحدودية، ويسيطر المجاهدون على مسافات كبيرة من هذا الطريق في معظم الولايات التي يمر بها، وقد سرت عليه بالسيارات مع المجاهدين مسافات طويلة في مناطق مختلفة، ويقيم المجاهدون عليه وعلى الطرق الأخرى كذلك نقاط تفتيش وحراسة لتأمين المرور عليه بالنسبة لسيارات المجاهدين أو السيارات المدنية، وقد فشل السوفييت في أكتوبر 1989م في إدخال قافلة إلى قندهار عبر هذا الطريق وتصدى لها المجاهدون على طول الطريق فدمروا أجزاء كبيرة منها واستولوا على أجزاء أخرى واضطر الشيوعيون لإدخال ما تبقى منها عبر الطريق الصحراوي.

     4- طريق جرديز: وهذا الطريق يخرج أيضًا من جنوب كابل ويتجه عبر «لوجر» إلى مدينة «جرديز» عاصمة «بكتيا» ومنها إلى «خوست» مسقط رأس د. نجيب رئيس نظام كابل، والمجاهدون يسيطرون أيضًا على مسافات كبيرة من هذا الطريق ويحاصرون المدن الواقعة عليه وهي «بولي علم» عاصمة ولاية «لوجر»، و«جرديز» عاصمة ولاية بكتيا، ومدينة «خوست» التي تقع أيضًا في ولاية بكتيا وعندها تقع نهاية هذا الطريق وهو طريق معبد، وقد سرت عليه عدة مرات مع المجاهدين بسياراتهم ومعظم هذه الطرق سيطر عليها المجاهدون في فترات متقاربة بعد الخروج السوفييتي من أفغانستان في فبراير 1989م.

    سكان كابل:

    بلغ عدد سكان كابل حسب تقدير 1979م تسعمائة ألف نسمة، أما التقديرات الآن فتشير إلى أن عدد سكان كابل يزيدون على مليوني نسمة، ولعل هذا يعود بالدرجة الأولى إلى هجرة كثيرة من السكان من المدن والمناطق المجاورة لكابل إلى العاصمة نفسها على مدى السنوات الماضية وذلك للاحتماء من المعارك التي كانت تدور خارج العاصمة كما أن النظام سعى إلى تهجير كثير من السكان المدنيين إلى كابل خاصة من المناطق المحيطة بها ومنع هجرة هؤلاء إلى باكستان، وذلك لكي يشكلوا قوة ضغط على المجاهدين حتى لا يقصفوا العاصمة بالصواريخ وبالتالي يبدو أن كابل تتحمل من السكان ما يفوق طاقتها حيث تشير بعض التقارير إلى أن السكان يصلون إلى مليونين ونصف من السكان وتقارير أخرى تشير إلى أنهم يصلون إلى مليونين وثمانمائة ألف، وهذه أعداد تعكس - ولا شك - الصورة التي يعيش فيها الناس في كابل.

    أهمية كابل بالنسبة لباقي المدن الأفغانية:

    لا تكمن أهمية كابل في أنها عاصمة أفغانستان فحسب، بل إن مجموع النقاط الهامة والطرق وارتباط المدن الأخرى بها يجعل كابل تساوي معنى واحدًا هو: «أفغانستان» ولكي تدرك هذه الحقيقة لا بد أن نتعرف سريعًا على نظام الحكم في أفغانستان.

    نظام الحكم في أفغانستان:

    أما نظام الحكم في أفغانستان وعلى مدى العقود الأخيرة بصفة خاصة فقد كان يعتمد على أن الملك أو الحاكم يفرض سيطرته على باقي المدن والقرى في أفغانستان عن طريق بعض الزعماء ورؤساء القبائل ومشايخ الطرق الصوفية والمذاهب المختلفة وأهل الحوزات وهؤلاء كان لهم نفوذهم وسيطرتهم على الناس وما دام هؤلاء يدينون بالولاء للملك أو الحاكم فإن كل قبائلهم ومريديهم تبع لهم، كان ظاهر شاه ملك أفغانستان السابق «1933 - 1973م» - بصفة خاصة - يفرض سيطرته على أفغانستان بهذا الأسلوب، وإلا فلو رجعنا قليلًا إلى الوراء نجد أن أفغانستان بلد لم يشهد الاستقرار طوال تاريخه إلا فترات محدودة فالطبيعة القبلية مع التضاريس والحياة الجبلية تجعل أهلها في تدافع دائم مع من حولهم ولعل هذه الطبيعة هي التي جعلت كثيرًا من القبائل التي رفضت الشيوعية أن تكون هي الدعامات الأولى لهذا الجهاد في بداياته. وقد أدى أسلوب الحكم هذا إلى أن يكون كل شيء متمركزًا في كابل لدرجة أن أفغانستان مر بها وقت لم يكن بها مدرسة ثانوية إلا في كابل، ولم يكن هذا بعيدًا، بل كان في الخمسينيات وأوائل الستينيات من هذا القرن حتى كان أبناء هيرات التي تقع في أقصى الغرب إذا أرادوا أن يتموا تعليمهم فعليهم أن يذهبوا إلى كابل التي تقع في الوسط الشرقي. وقد لعبت الطبيعة الجبلية ووعورة الطرق والمواصلات دورها في ألا تكون هناك أهمية كبيرة للمناطق التي تبعد عن العاصمة كابل ومن ثم كانت المستشفيات والجامعة وكافة المصالح الحكومية الهامة وكافة الارتباطات متمركزة في العاصمة كابل، وكان الملك أو الحاكم ربما لا يعلم الكثير عن أطراف البلاد طالما أن الأمور بها مستقرة حتى أن الوحدات الصحية التي كنا نراها في بعض المديريات ومراكز الولايات التي حررها المجاهدون، كانت كلها منحًا وهبات من بعض الدول الغربية، ولم تكتسب مدينة أخرى أية أهمية كي تصلح أن تكون عاصمة ثانية أو ثالثة إلا جلال آباد - نوعًا ما -بسبب وقوعها على الطريق الرئيسي المؤدي إلى باكستان والذي كان ومازال يعد من الطرق الهامة والأساسية في أفغانستان، حيث إن أفغانستان كانت تعتمد على هذا الطريق كشريان رئيسي لتجارتها الخارجية لأنها لا تطل على بحار أو محيطات. هذه العوامل جعلت كل المصالح والاحتياجات تتركز في كابل، وجعلت كثيرًا من أبناء الولايات الأخرى حينما يذهبون إلى العاصمة للدراسة أو قضاء مصلحة يجدون أنفسهم في عالم آخر، حيث تنصب كافة الاهتمامات من الدولة على هذه البقعة الصغيرة دون باقي أفغانستان سوى قليل من الفتات الذي لا يسمن ولا يغني، ولم يتغير هذا الحال، بل إنه مازال قائمًا حتى الآن، ولعل هذا يجيب على سؤال ربما يتردد على ألسنة الكثيرين وهو إذا كان المجاهدون يسيطرون بالفعل على 90% من أراضي أفغانستان فلماذا لا يقيمون عليها دولتهم؟ والإجابة ببساطة من خلال ما قدمنا أن نسبة الـ 10% الباقية هي أفغانستان، هي المصانع والمتاجر والسفارات ومحطات توليد الكهرباء والاتصالات الدولية والجيش، هي أن هذه النسبة البسيطة لا تعني إلا كل مقومات الدولة والتي تتركز في العاصمة كابل، وبعض المدن الأخرى التي مازال النظام يحكم قبضته عليها رغم أنها محاصرة، لكنه يضمن بها بقاءه دوليًا ككيان معترف به من بعض دول العالم وككيان له صفة الشرعية في المحافل الدولية، لأنه مازال يسيطر على كابل التي يوجد بها كل أو معظم مقومات الدولة. ورغم أنه لا يختلف اثنان على أن معظم أو كل هذه المقومات هي مقومات منهارة - كما سنفصل فيما بعد إن شاء الله -إلا أن هذا لم يغير كثيرًا من الواقع الذي تسعى المحافل الدولية لفرضه في أذهان الناس، بل والتعامل به على المستوى الدولي والذي لا يعني إلا ما أشرنا إليه سابقًا وهو أن كابل معناها أفغانستان وبقاؤها في يد النظام الذي يحكمها معناه بقاء أفغانستان في يده.

    لعل هذه اللمحات عن كابل وأوضاعها المختلفة تقودنا بطبيعة الحال إلى التساؤل عن نظام كابل وأوضاعه التي يعيشها في ظل هذا الواقع سواء كانت أوضاعًا سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو غير ذلك، فما هي أوضاع نظام كابل؟

     

الرابط المختصر :