العنوان الإخوان المسلمون والحداثة والمستقبل: تنظيم أكثر ديمقراطية من بعض الأحزاب العربية
الكاتب وحيد عبدالمجيد
تاريخ النشر السبت 28-أبريل-2001
مشاهدات 72
نشر في العدد 1448
نشر في الصفحة 34
السبت 28-أبريل-2001
عرفت جماعة الإخوان أطرًا مؤسسية للمشاركة أتاحت فرصًا للاتصال من أسفل إلى أعلى.
أخذت الجماعة بأسلوب الانتخاب في التجنيد لقيادتها منذ تشكيل الهيئة التأسيسية عام ١٩٤١م.
د. وحيد عبد المجيد .. لا ينتمي إلى أي حركة إسلامية بما في ذلك الإخوان المسلمون.. وقد نشأ وظيفيًا في أروقة مؤسسة الأهرام المصرية، حتى أصبح رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي العربي، الذي يصدره مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.. لكن عمله العلمي وواجبه الوظيفي واطلاعه على تاريخ الحركات الإسلامية وبالأخص تاريخ الإخوان المسلمين.. ذلك كله دفعه إلى كتابة المقال التالي الذي نشر بجريدة «الحياة اللندنية يوم الجمعة 13/4/٢٠٠١م، فجاء منصفًا إلى أبعد الحدود، في وقت كتب فيه آخرون ممن ينتسبون إلى العمل الإسلامي. ويا للعجب. خلاف ذلك.. ومن ذلك قول د. فتحي عثمان إن من الإشكاليات الكبرى أن البنية الداخلية لدى بعض الإسلاميين غير ديمقراطية وتتميز غالبًا بالطغيان، وعدم احترام الرأي الآخر في داخل حركتهم وخارجها ... ويستشهد د. عثمان على ذلك بقوله: حسن البنا قالها صراحة إن العلاقة بينه وبين أتباعه هي علاقة الجندي بالقائد! (القبس الكويتية: ٢٠ أبريل ۲۰۰۱م)، وهو استشهاد لا علاقة له بالموضوع كما هو واضح.
هل يمكن أن تعمل جماعة الإخوان المسلمين، وفقًا للقواعد الديمقراطية إذا حصلت على المشروعية أو سمح لها بتأسيس حزب سياسي في مصر؟
السؤال مطروح منذ أن نشطت هذه الجماعةعلى الساحة السياسية منذ منتصف السبعينيات وأثبتت وجودًا يصعب إنكاره على رغم حجب المشروعية عنها، ولكنه صار أكثر إلحاحًا في الوقت الراهن بعد أن وصل ١٧ من الإخوان إلى البرلمان في الانتخابات النيابية الأخيرة، وهو رقم يزيد على مجموع ممثلي أحزاب المعارضة المشروعة في مجلس الشعب ثم اكتسحت قائمتها انتخابات نقابة المحامين التي أجريت في الشهر الماضي.
وعندما نتأمل طريقة التعامل مع هذا السؤال في الساحة السياسية المصرية، نلاحظ تأثر الإجابة عنه في كثير من الأحيان بالموقف تجاه الإخوان، ولذلك تأتي إجابات خصومهم عادة سلبية تتراوح بين النفي القاطع لوجود أي قدر من الديمقراطية لدى الإخوان وبين التشكيك في إمكانات تطورهم باتجاه الديمقراطية وعلى رغم تباين الأسانيد من إجابة إلى أخرى يشيع استخدام حجة مفادها أن أعضاء جماعة الإخوان - الذين لا يعرفون الديمقراطية في تنظيماتهم التي تقوم على السمع والطاعة. لا يمكن أن يكونوا ديمقراطيين.
ويرجع ضعف هذه الحجة إلى عدم صحة ما يشاع عن غياب أي ممارسة ديمقراطية في داخل البناء التنظيمي لجماعة الإخوان وعدم صواب القول إن هذا تنظيم محكوم بالحديد والنار، لأنه يقوم على أساس الطاعة التامة للمرشد العام، فهذا الحكم الإطلاقي لا يثبت أمام البحث التاريخي الذي لا يمكن . إذا اتسم بالموضوعية - إغفال الجوانب الديمقراطية في الميراث التنظيمي لجماعة الإخوان في المرحلة شبه الليبرالية، أي منذ تأسيسها عام ١٩٨٢ م وحتى قرار حلها العام ١٩٥٤م، فهذه هيالمرحلة التي يمكن دراستها والاعتماد على نتائج هذه الدراسة، لأن تنظيم الإخوان كان مشروعًا وعلنيًا خلالها باستثناء الفترة من ١٩٤٨م إلى١٩٥١م.
فعلى الرغم من أن الجماعة بدأت بعدد محدود من الأفراد الذين التفوا حول مؤسسها ومرشدها العام الأول حسن البنا إلا أنها تطورت بسرعة إلى تنظيم حديث بدرجة معقولة، بل كان أكثر حداثة من تنظیمات بعض الأحزاب السياسية العربية ليس فقط في تلك المرحلة ولكن أيضًا في العصر الراهن.
فعلى سبيل المثال عرفت جماعة الإخوان أطرًا مؤسسية للمشاركة أتاحت فرصًا للاتصال من أسفل إلى أعلى حتى إذا ظل الاتصال في الاتجاه المعاكس من أعلى إلى أسفل)، هو الأساس فلم تمر أربعة أعوام على تأسيسها حتى بدأت في تنظيم مؤتمرات عامة كان أولها في مايو ١٩٣١م. وتلته خمسة مؤتمرات في ديسمبر١۹۳۲ ومارس١٩٣٥، ومارس ١٩٣٦م، ويناير ۱۹۳۹م، ويناير١٩٤١م، وانعقد المؤتمر السادس قبيل تشكيل هيئة وسيطة دائمة أطلق عليها الهيئة التأسيسية، حلت محل المؤتمر العام وضمت في البداية مائة عضوا زادوا في السنوات التالية إلى نحو ١٥٠ عضوا.
وبتشكيل هذه الهيئة أصبحت تنتخب أعضاء مكتب الإرشاد العام، وهو أعلى مستوى تنظيمي في الجماعة وإلى هذا الدور الانتخابي كان جدول اعمال الهيئة التأسيسية يتضمن البنود التي تناقشها عادة المؤتمرات العمومية للأحزاب السياسية الحديثة، مثل مناقشة تقرير المرشد العام النشاط وفحص تقرير المراجع عن حسابات عن العام المنصرم وموازنة العام الجديد.
ويعني ذلك أن جماعة الإخوان أخذت بأسلوب الانتخاب في التجنيد لقيادتها منذ تشكيل الهيئة التأسيسية في العام ١٩٤١م ولكن يؤخذ على انتخابات مكتب الإرشاد أنها كانت تتم دون ترشيح فلم يكن هناك مرشحون يسعون إلى الفوز، وإنما كان كل عضو في الهيئة يكتب ورقة تضم العدد المطلوب لعضوية المكتب ۱۲) عضوًا في ذلك الوقت ويتم الفرز بعد ذلك، وجرى اعتماد هذا الأسلوب لسبب وجيه نظريًا، وهو أنه يحول دون تزكية النفس ولكن من الناحية العملية لا يناسب هذا الأسلوب إلا مجموعة يعرف أعضاؤها بعضهم البعض جيدًا، ولا يحتاجون إلى ممارسة دعاية انتخابية، فضلًا أنه يحول دون التزام المرشح بأمور معينة ليحاسب على أدائه في شأنها، وفوق ذلك كله فهذا أسلوب لا يضمن عدم تزكية النفس لأن غياب الترشيح العلني لا يمنع الراغب في عضوية مكتب الإرشاد من الاتصال بالناخبين أعضاء الهيئة وتزكية نفسه لديهم.
المجتمع: إذا كانت تزكية النفس مذمومة علنًا فإن الالتفاف على اللوائح وتزكية النفس سرًا سيكون أكثر مدعاة للذم وهو ما لم يتعود عليه الإخوان في ممارساتهم.
ومع ذلك يحسب لجماعة الإخوان أنها أخذت بأسلوب الانتخاب ليس فقط على المستوى المركزي الرأسي، ولكن أيضًا على الصعيد المحلي والأفقي فكانت الوحدات الأساسية للجماعة والتي تسمى شعبًا - جمع شعبة - تنتخب مجالس إدارتها من خلال جمعية عمومية اعضاء الشعبة المسددين تضم جميع رسوم العضوية.
صحيح أن هذا الانتخاب لم يشمل رئيس مجلس إدارة الشعبة الذي كان يعين بقرار من المركز العام ولكن كان الوكيلان وأمين الصندوق منتخبين أي غالبية هيئة مكتب الشعبة.
وجرى تبرير تعيين رئيس مجلس الشعبة، على الرغم من انتخاب باقي أعضاء المجلس بضرورة أن يكون الرؤساء من الذين استوعبوا دعوة الجماعة جيدًا، ولضمان وضع الرجل الصالح في المكان المناسب إذا لم يكن معروفًا بالقدر الكافي للأعضاء.
ولكن نظرًا لأن الطابع الديمقراطي كان هو الغالب على البناء التنظيمي للجماعة، فقد اتسمت عملية اختيار المرشد العام الثاني بعد اغتيال حسن البنا في العام ١٩٤٩م. بطابع تنافسي زائد کاد يعرض الجماعة لانقسام، خصوصًا أن الشرعية كانت محجوبة عنها في ذلك الوقت بعد صدور قرار يحلها العام ١٩٤٨م (ظل نافذًا حتى العام ١٩٥١م) ما أدى إلى نوع من السيولة التنظيمية حالت دون حسم التنافس بين المتنافسين الأربعة، وهذا فضلًا عن أن شخصية حسن البنا الكاريزماتية، لم تدع مجالًا لظهور شخص يليه في الهرم فكان القادة البارزون بعده رؤوسًا متساوية، ما خلق أزمة جرى حلها عبر تولية شخص من خارج تنظيم الجماعة وهو المستشار حسن الهضيبي الذي كان على علاقة وثيقة بالبناء بل كان موضع سره في السنوات القليلة التي سبقت اغتياله.
وعلى هذا النحو يجوز القول إن الدور المحوري للمرشد العام الأول لم يمنع بناء تنظيم حديث اتسم بقدر معقول من الديمقراطية بخلاف ما هو شائع من أن هذا التنظيم أقيم على طاعة عمياء وأوامر تصدر من أعلى، ولكن هذه مبالغة تفاوتت في تصوير حجم سلطة المرشد العام وأمعن بعض المبالغين في هذا المجال إلى حد تخيل أن الناكص عن البيعة للمرشد مهدد بالخروج من ثياب المسلم كما ورد في كتيب دعائي ضد حسن البنا.
ولكن الثابت أن حسن البنا ألزم نفسه في معظم الأحيان بقرارات مكتب الإرشاد حتى إن لم يوافق عليها
ولكن الثابت أن حسن البنا ألزم نفسه في معظم الأحيان بقرارات مكتب الإرشاد حتى إن لم يوافق عليها على الرغم من اعتقاده الشخصي بأن الشورى ليست ملزمة له، كما لم ينفرد باتخاذ قرار ملزم إلا في حالات محدودة، كان بعضها يتعلق به شخصيًا مثل قرار سحب ترشيحه إلى انتخابات مجلس النواب العام ١٩٤٢م بعد أن أقنعه زعيم الأمة ورئيس حزب الوفد، حينئذ مصطفى النحاس بذلك، ولم يستطع البنا إقناع مكتب الإرشاد الذي رفض التنازل عن الترشيح، فاتخذ حسن البنا الزم نفسه في معظم الأحيان بقرارات مكتب الإرشاد حتى إن لم يوافق عليها.
هو قرار التنازل وقام بتنفيذه انطلاقا من رؤية صائبة مفادها أن مصلحة الأمة تقتضي تجنب الصدام بين الوفد والإخوان.
غير أن انفراد البنا بالقرار كان أمرًا استثنائيًا، لأنه سعی دائمًا لأن تصدر القرارات بالتوافق خصوصًا أنه كان قادرًا على الإقناع حتى وإن وجد معارضة كبيرة في البداية، كما حدث في شأن بعض القرارات الكبرى في تاريخ الجماعة ويمكن الإشارة على سبيل المثال إلى قرارين من هذا النوع، أولهما قرار تعديل النظام الأساسي للجماعة في العام ١٩٤٥م إذ دعا المرشد العام إلى عقد اجتماع للهيئة التأسيسية ونجح في احتواء التحفظات التي كانت قائمة لدى بعض أعضائها على رغم أنهم لم يكونوا أغلبية، وثانيهما قرار تأييد حكومة إسماعيل صدقي في العام ١٩٤٦م، والذي مازال خصوم الجماعة يستندون عليه حين تشتد الخصومة معها وتصل إلى حد البحث عن أي سند للتقليل من وطينيتها.
والملاحظ أن البنا كان حريصًا على توفير الإجماع لهذا القرار بالذات إلى حد أنه جمع الهيئة التأسيسية مرتين إحداهما عقب اتصال صدقي معه، والأخرى بعد لقائهما الذي عرض المرشد خلالها مطالب الإخوان التي تم الاتفاق عليها خلال الاجتماع الأول للهيئة ووافق رئيس الوزراء على بعضها.
ولم يحدث أبدأ أن أدى الخلاف بين مرشد الإخوان وأحد الأعضاء في المستوى القيادي أو القاعدي إلى تهديد العضو (بالخروج من ثياب المسلم وإلا لتم إهدار دماء المنشقين على الجماعة وهو ما لم يحدث، فلم يحكم المرشد بالخروج من الإسلام على أي من المنشقين على الرغم من أن بعضهم قدم شكاوى كيدية ضده إلى النيابة عندما خسر مرشحهم في انتخابات شعبة الإسماعيلية في العام١۹۳۲م.
وليس منطقيًا ادعاء أن المختلفين على قيادة الإخوان كانوا مهددين بالتكفير عندما تعرف أن بعضهم هم الذين اتهموا الجماعة بالتهاون في الدعوة ومجاملة الحكومة وعدم إلزام المرأة بحدود الإسلام وعدم الجدية في مساعدة المجاهدين الفلسطينيين كما فعل قادة الانشقاق الذي بدأ في العام ١٩٣٨م وأسفر عن خروج المنشقين ليكونوا جماعة شباب سيدنا محمد.
ولم يقف مرشد الإخوان طريقهم، بل تنازل لهم عن صحيفة الجماعة في ذلك الوقت النذير».. والواضح أنه فضل من البداية أن يتركوا الجماعة بسلام ولم يبذل جهدًا في الحوار معهم أو الحفاظ عليهم. بل بني خطته على أساس دفعهم للانشقاق بعد ان صاروا مصدر إزعاج، وعندما اتهموه بتجاهل آرائهم وبأنه أبى إلا أن يكون رأيه الفصل». رد قائلًا: «انتم الذين أبيتم إلا أن أنزل على آراء بعضكم ولو خالف ذلك آراء الجميع من الإخوان.
ولا يعني ذلك أن مرشد الإخوان أدار تلك الأزمة بأسلوب ديمقراطي سليم فقد استخدم مكانته ونفوذه سعيًا إلى عزل متزعمي الانشقاق ودفع معظم من وقفوا معهم إلى التراجع، وهو ما حدث فعلًا من دون حوار يقرع الحجة بالحجة، ومع ذلك لابد من أن نتذكر أن الأحزاب السياسية الأكثر ديمقراطية في العالم لا تسلك سلوكًا ديمقراطيًا مثاليًا عندما تدهمها أزمة داخلية كبيرة أو تتعرض لانشقاق مؤثر.
غاية القول إن البناء التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين لم يكن ذلك الكيان المغلق الأسطوري الذي يخر الأعضاء فيه ساجدين إذا رأوا المرشد العام أو سمعوا كلمة منه، ومن الطبيعي أن يؤثر العمل السري بعد حل الجماعة وملاحقة أعضائها على هذا التنظيم ويجعله أقل انفتاحًا مما كان عليه في مرحلة النشاط العلني، ويفرض ممارسا ت اضطرارية، وكان هذا هو أحد أهم عوامل انفصال مجموعة من قادة المستوى الوسيط للجماعة في العام ١٩٩٦م لتأسيس مشروع إسلامي جديد عبر السعي إلى تشكيل حزب الوسط.
ولكن يظل الميراث التنظيمي لهذه الجماعة مساعدًا على استعادة ذلك القدر المعقول من الديمقراطية الداخلية الذي تمتعت به بين مطلع الثلاثينيات ومستهل الخمسينيات، وفي كل الأحوال يصعب قبول الصورة التي يرسمها البعض الآن العملية خلافة المرشد العام الحالي مصطفى مشهور أطال الله عمره - منذ أن ترددت أنباء عن اعتلال صحته قبل ايام فهي ليست أكثر من صورة كاريكاتورية تعبر عن لدد في الخصومة أو قصور في معرفة تاريخ الجماعة، أو كليهما معًا في بعض الأحيان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل