العنوان صناعة الرأي العام (٣) غسل المخ
الكاتب حامد عبدالماجد قويسي
تاريخ النشر السبت 25-أغسطس-2001
مشاهدات 90
نشر في العدد 1465
نشر في الصفحة 66
السبت 25-أغسطس-2001
يستتر خلف عملية صناعة الرأي العام على المستويين الوطني والعالمي منطق معين تتم ممارسة العملية من خلاله، ورغم التقدم الاتصالي الذي جعل من العالم قرية كونية واحدة؛ إلا أنه تبقى هناك درجة من درجات الاختلاف بين المنطق الذي يتم به صناعة كل من الرأي العام المحلى والرأي العام العالمي توجب التمييز بينهما كما يلي:
الأول: اختلاف طبيعة القضايا التي تثير كلا النوعين من الرأي العام، فالرأي العام المحلي أو الوطني تثيره قضايا وطنية أو قومية بالأساس تثار أو تحدث في دولة أو إقليم معين... مثل إجراء انتخابات، ارتفاع أسعار سلع معينة، تطور سياسي محدد... إلخ، أما الرأي العام العالمي فتثيره قضايا ذات طبيعة عالمية أو اكتسبت الصفة العالمية من تواتر وقوعها في كثير من بلدان العالم مثل العنف الدولي المشكلات المتعلقة بالبيئة کمسألة التلوث ومسألة الأسلحة النووية... إلخ، ورغم أن هناك سمات مشتركة معروفة علميًا لتلك القضية التي تثير الرأي العام - أيا كانت طبيعته- إلا أن مضمون القضية هو الذي يحدد انتماءها.
الثاني: اختلاف طبيعة الخطاب الدعائي الذي تتم من خلاله عملية صناعة الرأي العام فنتيجة لكون «المرسل» و«المستقبل» بصدد الرأي العام المحلي ينتميان لنفس البيئة، ويخضعان لنفس المؤثرات، ويشتركان في لغة الخطاب الدعائي تصبح عملية صناعة الرأي العام المحلي يسيرة، بالمقابل ينتمي كل من المرسل والمستقبل بصدد الرأي العام العالمي إلى حضارة وثقافة متميزة على الأقل، كما تفرق بينهما لغة الخطاب الدعائي إن لم يكن من حيث المضمون فعلى الأقل من حيث طبيعة اللغة، كما أن هذه العملية تثير مسائل من قبيل الغزو الحضاري مما يُصعب من مسألة صناعة الرأي العام على المستوى العالمي.
الثالث: اختلاف طبيعة العوامل المؤثرة في عملية صناعة الرأي العام وتشكيله ففي حين تتسم العوامل المؤثرة في عملية صناعة الرأي العام المحلي وتشكيله بأنها عوامل مباشرة وحاضرة التأثير، فإن العوامل المؤثرة في صناعة الرأي العام العالمي تتسم بأنها غير مباشرة وبالتالي فإن تأثيراتها تكون من خلال أو عبر عوامل أخرى.
الرابع: اختلاف النتائج السياسية لعملية صناعة الرأي العام تفرز صناعة الرأي العام على المستوى المحلي الأغلبية المصنوعة التي تفوز في الانتخابات البرلمانية، فتشكل الحكومة أو السلطة التنفيذية، ويكون لها الأغلبية أيضًا في البرلمان الذي يتولي سن التشريع ويراقب السلطة التنفيذية.. وبذلك تكون السلطة السياسية في تكوينها تعبيرا أو تشكيلًا لاتجاهات الرأي العام المحلي، أما بالنسبة لصناعة الرأى العام على المستوى العالمي فهى أقل فاعلية حيث إن المجتمع الدولي ما زال يفتقر إلى وجود سلطة سياسية دولية عليا تمارس دورًا مقاربًا لما تقوم به السلطات الحاكمة في الدولة على المستوى المحلي، وما زالت جهود المنظمات الدولية في هذا المضمار - رغم أهميتها - قاصرة عن تشكل سلطة سياسية حاكمة بالمعني الحقيقي.
ورغم هذا التمييز بين الرأي العام المحلي والدولي إلا أن التداخل بينهما يظل قائمًا وملموسًا كما قلنا بسبب الثورة الاتصالية.
وهناك أربع عمليات يتم من خلالها صناعة الرأي العام أولاها:
غسل المخ «Brain Washing»: لم يخضع مفهوم غسل المخ أو تنظيف الدماغ الدراسة سياسية عميقة برغم أهميته التحليلية الفائقة، وبرغم أن ممارسته تتم عمليًا على نطاق واسع على المستوى الجماعي إزاء القضايا والمواقف السياسية خاصة في إطار الأنظمة السياسية القيادية والشمولية، والتسلطية، وهي تلك الأنظمة التي تنتشر في غالبية ما يسمي ببلدان العالم النامي.
وترجع بدايات ظهور مفهوم غسل المخ إلى الأمريكي إدوارد هنتر على إثر الحرب الكورية في الخمسينيات، والتي رجع فيها الأسرى إلى بلادهم مقتنعين بآراء الطرف الآخر، وبالتالي استخدم المفهوم بمعنى المحاولات المخططة أو الأساليب السياسية المتبعة لتحوير أفكار الآخرين وتنقيتها من الشوائب الغربية البرجوازية. أما الصينيون أنفسهم فقد أطلقوا على العملية ذاتها اصطلاح تقويم الأفكار Thought Re construcuion باعتباره برنامجا تثقيفيا عاما، وكجزء من التربية الاشتراكية للمواطنين الصينيين.
وتؤكد الكثير من الدراسات البيولوجية أن عملية غسل المخ تتم على المستوى الفردي عبر معرفة تركيب المخ البشري والتلاعب بمكوناته، وقد وفر التقدم وسائل فعالة للتشكيل العقلي الإنسان المستقبل أما على المستوى الجماعي فإن غسل المخ يكون عن طريق تغيير وجهات نظر الجماعات وآرائهم بصورة جماعية.
ويرى البعض أن عملية التحويل العقيدي Indoctrination ستسعى إلى تحقيق نفس الهدف، ولكن في صورة دعوة عقائدية أيديولوجية تقتصر على الإقناع، بينما غسل المخ يسعى إلى الاحتواء وشل إمكانيات الرفض وتفجير الشخصية الفردية، وإعادة تشكيلها بما يتلاءم مع أفكار ومعتقدات القائمين بالعملية. كما أنها يمكن أن تتعرض للاهتزاز على المستوى الجماعي في حالة انتقال الفرد إلى بيئة تحميه من الضغوط الخارجية...
تكمن عملية غسل المخ خلف كل أداة تقنية مخططة ترمي إلى تحوير الرأي أو الفكر أو السلوك البشري ضد رغبة الإنسان أو إرادته أو سابق ثقافته وتعليمه، وهو الأمر الذي يجعلها المنطق المسيطر على عملية صناعة الرأي العام المحلي أو الوطني بالنسبة للأفراد أو المجتمعات، فبالنسبة للمستوى الفردي كانت العملية تمارس مع الأسرى في الحروب، وأحيانا مع المعتقلين والمحكوم عليهم خصوصا في القضايا ذات الطابع الفكري أو المذهبي أو قضايا الرأي والضمير بوجه عام - في السجون التي تقيمها السلطات الحاكمة في كثير من البلدان ذات الأنظمة السياسية التسلطية، وغالبًا ما يسلك القائمون عليها سبل الترغيب أحيانا والقسر في أحيان أخرى، وذلك لتحقيق النتيجة المبتغاة، غير أن الخبرة التاريخية تدلنا على محدودية هذه الوسيلة في إحداث الأثر المطلوب بوجه عام، أما على المستوى الجماعي فإن تطويع إرادة شعب ما يتم عبر سياسات غسل المخ الجماعي التي عرفتها الخبرات الحضارية المختلفة، وهناك نماذج واقعية ما زالت تتمتع بقدر من الاستمرارية، ويتحدث بعض المحللين عن كيفية صناعة النخبة الحاكمة في بعض البلاد وعن إعادة تشكيل الطابع القومي للمنطقة العربية في الوقت الراهن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل