; مصر وتداعيات انفصال جنوب السودان | مجلة المجتمع

العنوان مصر وتداعيات انفصال جنوب السودان

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 22-يناير-2011

مشاهدات 60

نشر في العدد 1936

نشر في الصفحة 34

السبت 22-يناير-2011

هناك خشية من سعي الجنوب إلى تفتيت بقية السودان

إذا طبق البشير الشريعة بحزم في الوقت الذي تتخذ فيه القاهرة موقفًا من التيارات الإسلامية فقد يحدث الصدام بين القاهرة والخرطوم

ارتبط الجنوب بدول منابع النيل التي لا تكن ودًا لمصر لأسباب مختلفة ولذا يمكن أن ينضم إلى هذه الدول ضد مصر في مياه النيل

الاستثمار المصري في جنوب السودان قد يدفع القاهرة إلى الندم لأن تركيز الغرب و«إسرائيل» على جنوب السودان سيرتد ضد المصالح المصرية الحيوية

يؤدي انفصال جنوب السودان إلى إعادة ترتيب الكثير من الأوضاع والتحالفات، ولكن الكثير من التداعيات القانونية والسياسية تتصل بمصر، يهمنا في هذه الإطلالة أن نحدد ارتدادات الانفصال على مصر سياسيًا وقانونيًا ولعل السؤال الذي طرحته كافة الدراسات التي تابعت تطورات الوضع في السودان هو: ما دور مصر في كل هذه التطورات؟

يعتبر بعض المراقبين أن مصر مارست دورًا مهمًا في التطورات المرافقة للانفصال، على افتراض أن الانفصال من حقائق الأوضاع السودانية، وأن مصر أرادت أن تبني جسورًا مع الجنوب، حتى تضمن مصالحها المائية، وقدرت مصر- ربما- أن سعيها مع حكومة الخرطوم لدفع الانفصال لا جدوى منه، فقررت الاستثمار في افتراض الانفصال الحتمي للجنوب، بدليل أنها بادرت بإنشاء قنصلية في «جوبا» فور توقيع اتفاق «نيفاشا» في يناير ٢٠٠٥م ، وربما تشعر الحكومة السودانية أن اتصالات القاهرة بقيادة الحركة لم تثمر في إثنائهم عن الانفصال، وأن المصارعة بالتعاون مع الجنوب كرست معالم الانفصال، وشجعت على الاستمرار فيه، خاصةً وأن اتفاق «نيفاشا» أقر تقرير المصير عن طريق الاستفتاء، ولم يقطع بأن الانفصال نتيجة حتمية.

يعالج هذا المقال طائفتين من التداعيات؛ الأولى: هي التداعيات السياسية، والثانية: هي التداعيات القانونية.

أما التداعيات السياسية: فهي تتصل بالعلاقات الثلاثية بين مصر والسودان وجنوب السودان، في علاقة مصر بالجنوب؛ يفترض أن مصر مدت يد الصداقة للجنوب؛ لا بوصفه جزءًا من السودان، ولكن بوصفه جزءًا يسعى إلى الانفصال، مما يفترض أن يحفظ الجنوب لها هذا الجميل، فتزدهر العلاقات بين البلدين وكذلك التعاون في مجال مياه النيل، ولكن يرد على هذه الحسابات قيدان؛ أولهما: نظرة الجنوب التاريخية إلى مصر وعلاقتها بالسودان، وباعتبار الانفصال تحررًا من الحكم العربي، وعلاقة القاهرة وحرصها مع الخرطوم على وحدة السودان.

الصهاينة والكنيسة الدولية والقيد الثاني: هو أن ظروف السعي إلى الانفصال ومحاربة الشمال ارتبط بـ«إسرائيل» والكنيسة الدولية لإنشاء دولة مسيحية رغم ضآلة نسبة المسيحيين في الجنوب، وتركيز الجنوب على أن من دواعي الانفصال الإفلات من سيف الشريعة الإسلامية في الشمال، فنظر الغرب إلى الانفصال على أنه انعتاق للمسيحة من سطوة الإسلام، خاصة مع ازدهار الحركة التنصيرية، كما ارتبطت الحركة بدول لا تكن ودًا لمصر لأسباب مختلفة، وهي إثيوبيا وأوغندا وكينيا، خاصة وأن «نيروبي» قد أصبحت العاصمة الدبلوماسية لأفريقيا قبل أن تهتز صورتها في صراع الرئيس والمعارضة والجرائم الانتخابية، ولذلك يتوقع أن ينضم جنوب السودان إلى هذه الدول ضد مصر في مياه النيل والخلاصة، هي أن الاستثمار المصري في جنوب السودان قد يحبط الآمال التي دفعت مصر إلى هذا الاستثمار، وقد يدفع القاهرة إلى الندم على أوهام؛ لأن تركيز الغرب و«إسرائيل» على جنوب السودان سوف يرتد ضد المصالح المصرية الحيوية.

مصر والخرطوم

أما علاقة مصر بالخرطوم، فيخشى أن يتفجر الوضع في السودان، ويسعى الجنوب إلى السعي إلى تفتيت بقية السودان، وأن الحرب التي يحاذر منها الخرطوم، وقبلت بالانفصال ومن قبله «نيفاشا» لتفاديها قد تندلع فتجمع الخرطوم بين ثلاث آفات: الحرب، وتفتيت السودان، والسماح لقاعدة لأعدائها في الجنوب، وإذا طبق البشير الشريعة بحزم كما يقول في الشمال، في الوقت الذي تتخذ فيه القاهرة موقفًا من التيارات الإسلامية، فإنه يخشى الصدام بين القاهرة والخرطوم، خاصة وأن قضية «حلايب» قد تكون معركة الخرطوم ضد القاهرة؛ لتخفيف الاحتقان الداخلي فيها، فإذا أضيف التوتر المسيحي الإسلامي وأشباح المؤامرة على مياه النيل مع قضايا الحدود والأسلحة.. فإنها توفر زادًا معتبرًا للتوتر، وقد ينضم الخرطوم إلى دول المنابع ضد مصر في هذه الحالة، ولكني لا أظن أن هموم الخرطوم يمكن أن تدفعها إلى تقارب يصل إلى الوحدة مع مصر في ظل هذه المشكلات التي ستضاف إليها مشكلة حصة مصر في النيل.

 أما التداعيات القانونية: فهي المتصلة بآثار التوارث الدولي، وتطبيق قواعده بين الشمال والجنوب وانعكاساته على مصر، وبشكل خاص في نهر النيل.

أثر الانفصال من الناحية الفعلية

هو أن الحصة الإضافية التي حصلت عليها مصر من السودان قد تحتاجها السودان؛ لأن حصة الخرطوم ستوزع بينها وبين الجنوب، اللهم إلا إذا رفض الجنوب أصلاً الالتزام باتفاق ١٩٥٩م المصري السوداني.. فإذا اعتبر الجنوب أنه كان محتلاً ونال استقلاله من الشمال؛ فإنه قد يحتمي بنظرية «نيريري» في الصحيفة البيضاء التي كرستها اتفاقية «فيينا» للتوارث في المعاهدات لعام ١٩٧٨م، ولكن يرد على ذلك، بأن هذه الاتفاقية تعاطفت مع المستعمرات ضد الدولة الاستعمارية الغربية، والسودان لم يحتل الجنوب وليس دولة غربية، ومن ثم يجب اتفاق الطرفين ومعهما مصر على ترتيب آثار الانفصال على حصة مياه النيل، مع ملاحظة أن دول المنابع حلفاء للجنوب، وتتساند مواقفهم مع الجنوب إذا اختار هذا الموقف، وفيه ضرر فادح لمصر التي تفقد حقها الفعلي، وإن بقي الحق نظريًا في أحوال التقاضي..  ودون دخول في التفاصيل الفنية المتعلقة بحقوق مصر في إطار اتفاقية ١٩٥٩م، وبقية المعاهدات الأخرى بما فيها اتفاقية «فيينا» فإنه يمكن أن نقرر باطمئنان النتائج الآتية:

   ١ ـ أن المادة الثامنة من الاتفاقية بفقرتيها الأولى والثانية تجيز إبرام اتفاقيات لترتيب الالتزامات والحقوق بين السودان وجنوب السودان، بما لا يناقض أحكام اتفاقية «فيينا» كما تؤكد المادتان «١١، ١٢» أن عملية التوارث بذاتها لا تؤثر على الحدود المقررة في المعاهدات السابقة، سواء تعلقت بالالتزامات والحقوق أو تلك المتصلة بحالة الحدود كما لا يؤثر الثورات بذاته على حدود الاتفاق والتزاماته المقررة لجنوب السودان أو المقررة عليه.

وتطبيقًا لذلك، فإنه يفضل أن تدخل مصر والسودان وجنوب السودان في مفاوضات لتنظيم الحقوق المشتركة في مياه نهر النيل، مع الأخذ في الاعتبار أن المادة «13» تؤكد مبادئ القانون الدولي بالنسبة للسيادة الدائمة لكل شعب ودولة على موارده وثرواته الطبيعية، ومعلوم أن  حصة مصر في نهر النيل التي تضمنتها المعاهدات السابقة، ومنها معاهدة الانتفاع المشترك بين مصر والسودان لعام ١٩٥٩م ترتب لمصر السيادة الدائمة على حصتها من المياه.

   ٢ ـ إن مصر لا تمتلك أي ضمانات باحترام الجنوب لاتفاقية ١٩٥٩م والاتفاقيات السابقة عليها، ولذلك فيجوز لمصر أن تعلق اعترافها بالدولة الجديدة وبمساندة الدولة العربية والأفريقية، ما لم يتعهد جنوب السودان باحترام المرجعية القانونية لحقوق مصر المائية، ويعتبر انضمام الجنوب إلى دول المنابع في ترتيب الأوضاع الجديدة مع دول المنابع بما تشير التعقيدات إخلالاً من جانب الجنوب بهذه المعاهدات، خاصة وأن دول المنابع والتي حرضت بعضها الجنوب على الانفصال اتخذت موقفًا مناقضًا لهذه المعاهدة ولذلك، فإنه بوسع مصر أن تستفيد من المادتين «١٢،١١» بشأن الأوضاع الإقليمية والحدود، خاصة وأن الأحكام الضامنة لحقوق مصر المائية لم تتقرر فيها معاهدات مستقلة، وإنما كانت هذه الأحكام جزءًا يتعلق بالحدود، فتتمتع مصر بضمانة قانونية مزدوجة، هي ضمانة أن الحدود ومن بينها الأنهار لا يجوز المساس بها، وألا تتأثر بالتوارث وتفسير أوضاع الدول والأقاليم، فضلاً عن ضمانة استمرار حقوق مصر بمياه النيل في جزء منه في الجنوب.

وقد أوضحت المادة «24» من اتفاقية «فيينا» أن كافة معاهدات النيل تطبيقًا لهذه المادة تصبح نافذة في كنف جنوب السودان منذ لحظة الانفصال؛ لأنها بذلك تعتبر طرفًا جديدًا في هذه الاتفاقات.

بل إن المادة «26» من اتفاقية «فيينا» لا ترتب أي أثر على حقوق مصر المائية تجاه جنوب السودان إذا قرر السودان بعد ذلك إنهاء معاهدة ١٩٥٩م مع مصر أو علق سريانها.

من الواضح أن معاهدات المياه التي التزمت بها حكومة السودان تتعلق مباشرة بجنوب السودان، على أساس أن جزءًا من مياه نهر النيل يمر عبر الجنوب في النيل الأبيض، وقد يسير التساؤل حول  توزيع حصة السودان في اتفاقية ١٩٥٩م بين السودان وجنوب السودان؛ مما يؤثر على حصة مصر في هذه المعاهدة.. فما الإطار القانوني لضبط هذه المسألة؟ هل هو اتفاقية «فيينا» بشأن التوارث الدولي، أم اتفاقية «فيينا» لقانون المعاهدات؟

الواضح أن أحكام المعاهدتين تحكم هذه المسألة في مصلحة مصر، ولذلك يجب على مصر- وهو ما كان يجب عمله منذ لحظة اكتشاف مصر نية الانفصال- أن تدخل في مفاوضات مع السودان وجنوبه، ولكن ذلك سيدفعها إلى المحظور الذي كانت تحاذره مع دول المنابع، وهو إعادة التفاوض لإعادة  توزيع الحصص؛ لأن مبادرتها في هذا الشأن فتحت عليها أبواب الجحيم.

الرابط المختصر :