العنوان نساء مجاهدات في العصر الحديث.. ثناء محمد منصور..أم الصابرين
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2007
مشاهدات 55
نشر في العدد 1779
نشر في الصفحة 54
السبت 01-ديسمبر-2007
(*) داعية إسلامية - مصر
ظلت وفية لزوجها الأول الشهيد محمد عواد وعاونها زوجها د. محمد عبد المعطي الجزار على ترسيخ صفة الوفاء
من نعم الله عليها أن يسر لأبنائها سبل الالتزام بدينه فساروا على نهج والديهم
دعوة الإخوان المسلمين تعرض رجالها ونساؤها للفتن والحصار والتضييق، لكنهم أبوا إلا التمسك بكل معلم من معالم الدين، وقدموا في سبيلها الشهداء الذين لم يغيروا أو يبدلوا حتى وهم على أعواد المشانق، وضربت زوجاتهم وأبناؤهم أروع الأمثلة في الصبر، ومن هؤلاء السيدة ثناء منصور التي استشهد زوجها محمد عواد فصبرت، واعتقل زوجها الآخر د. محمد عبد المعطي الجزار فما جزعت؛ فكانت بحق أم الصابرين.
ما کاد شهر يونيو ١٩٤٧م يهل حتى رف إلى الحاج محمد حسن منصور نصر مولد ابنته «ثناء»، وما كاد يسمع هذا الخبر حتى تهلل وجهه بالسرور وبالرغم من أن لها من الإخوة والأخوات تسعة غيرها، إلا أنها ملكت قلب والدها.
وفي قرية «الزوامل» التابعة لمحافظة الشرقية شرق «دلتا مصر» نشأ والدها، وكون أسرته بها، وكان يعمل بالزراعة، ورزقه الله بزوجة صالحة أنجبت له البنين والبنات، واجتهد أن يحسن تربيتهم، فدفع بها والدها منذ الصغر لحفظ القرآن حتى التحقت بمراحل التعليم، إلا أنها . مثل قريناتها من الفتيات ـ وكما كان سائداً في المجتمع المصري - لم تكمل تعليمها - حيث بقيت به حتى حصلت على الابتدائية، وخرجت منها وهي تحفظ أجزاء من القرآن الكريم، وأخذت تتعلم كل ما يعينها في مستقبل حياتها، وعلى تحمل مسؤوليتها فيما بعد، وحرصت والدتها على تعليمها كل شيء.[1]
وما كادت ثناء تبلغ سن الزواج حتى سارع أبناء القرية إلى خطبتها لما اشتهر عنها من حسن الخلق، وفاز بهذا السباق في النهاية الشهيد محمد عواد، وظلت مع زوجها تنعم بالحياة المستقرة حتى ألقي القبض عليه.
الشهيد محمد عواد
وُلد الشهيد محمد عواد بنفس قريتها، وتربى فيها، وبعد تخرجه عمل مدرساً إلزامياً بإحدى المدارس الابتدائية بالقرب من قريته «الزوامل» والتحق بجماعة الإخوان المسلمين في فترة الجامعة، وظل يعمل وسط الإخوان، وفي عام ١٩٦٥م ألقى أفراد الأمن القبض عليه، وذهبوا به إلى السجن الحربي حيث واجه صنوفاً من التعذيب لمدة يومين، وبعد أن تأكدوا أنهم لن يستطيعوا أن ينتزعوا منه كلمة إدانة واحدة أمسك صفوت الروبي برأسه ونزل به إلى «الفسقية»، وأخذ يضربها في الحائط حتى تهشمت وتناثر مخه وفاضت روحه في صباح يوم الجمعة ٢٠ أغسطس ١٩٦٥م...
وبعد أن مات حملوه ودفنوه في الصحراء، وذهبت الشرطة العسكرية وقبضت على والده وأخيه بحجة أن ابنه هارب، وأبلغتهما أنه لن يفرج عنهما حتى يسلم محمد نفسه، كما اعتقلوا زوجته وظلوا جميعاً في السجن حتى أفرج عنهم، وكانت المباحث توهمهم بأنه هرب إلى السعودية، وبقيت الأسرة تصدق كذب الشرطة العسكرية، وتظن أن محمداً قد هرب حتى حلت على مصر نكسة يونيو ١٩٦٧م وسُمح للإخوان بالزيارة وفي إحدى الزيارات أخبر أحد الإخوان أهل الشهيد محمد عواد أنه استشهد تحت التعذيب، ودفن مع غيره من شهداء الإخوان في جبل المقطم، وعلمت الزوجة بما حل بزوجها فتماسكت راضية بقضاء ربها[2].
وفاء زوجة
بعد أن اعتقل محمد عواد ظلت الزوجة الوفية تنتظره بالرغم من إلحاح أهلها عليها بالجلوس معهم حتى يعود زوجها، لكنها أبت وظلت مع أسرته حتى تأكد لهم استشهاده، فضغط عليها أهلها بالعودة فعادت إلى بيت أبيها، وكانت بين الحين والآخر تذهب لزيارتهم، وظلت تبكي فراق زوجها، إلا أنها كانت سعيدة بفوزه بالشهادة في سبيل الله ...
يا دعوة الإسلام لن أنساك *** لا لن أميل على هواي هواك
لا لن أضل وابتغي معوجة *** أمشي عليها طارحاً لهداك
ما كنت أعرف ما الشجاعة في الوغى *** أو ضرب هامات العدا لولاك
يا دعوة الإسلام نورك عمّنا ***والصبح والإشراق بعض سناك
وبقيت في بيت أبيها، ثم ضغطوا عليها بالزواج من ابن عمها، وكان متطوعاً في الجيش، ورزقت منه بابنة سمتها عبير[3].
جزاء الصابرين
يقول الإمام الشهيد حسن البنا: «إذا لامست معرفة الله قلب الإنسان تحول من حال إلى حال، وإذا تحول القلب تحول الفرد، وإذا تحول الفرد تحولت الأسرة، وإذا تحولت الأسرة تحولت الأمة، وما الأمة إلا مجموعة من أسر وأفراد».
لم تستمر مع زوجها الثاني كثيراً فابتلاها الله بفقدها له في حادث، فصبرت وما جزعت حتى عوضها الله بزوج صالح، نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله، هو د .محمد عبد المعطي الجزار ...
وُلد د. الجزار في ١٨/١/١٩٣٧م. والتحق بالتعليم حتى تخرج في كلية العلوم بجامعة القاهرة، وعين معيداً بهيئة الطاقة الذرية عام ١٩٦٠م، وحصل على الدكتوراه في قسم الرياضة الطبيعية، واعتقل في أغسطس ١٩٦٥م وحكم عليه بالمؤبد، وعذب عذاباً شديداً، وظل في السجن حتى أفرج عنه عام ١٩٧٥م. ثم تعرض للمحنة مرة أخرى عام ٢٠٠٦م حيث تم اعتقاله[4].
وبعد أن اقترنت به ذوجة انتقلت للحياة معه في موطنه بمدينة «الخانكة» التابعة لمحافظة القليوبية، وقد تزوجها عن طريق الأستاذ أمين سعد، والذي كان يعيش في مدينة «أنشاص» بمحافظة الشرقية.
منحة بعد محنة
بعد وفاة زوجها الثاني تقدم لخطبتها كثيرون، غير أنها كانت ترفضهم لتعلقها بالدعوة، وعندما تقدم لها د .الجزار وافقت بعد أن علمت تاريخه في الدعوة وسجون عبد الناصر، وكان ثمرة هذا الزواج أن رزقهما الله عدداً من البنين والبنات.
وظلت وفية لزوجها الأول الشهيد محمد عواد، وقد عاونها زوجها د. الجزار على ترسيخ هذه الصفة، وبلغ بها الوفاء أن أسماء أبنائهما التي سموهم بها هي نفس الأسماء التي اتفق الشهيد عواد معها على تسمية أبنائهما بها، خاصة سمية وطلحة وسهيلة، ومن نعم الله عليها أن يسر لأبنائها سبل الالتزام بدينه فساروا على نهج والدهم ووالدتهم داخل جماعة الإخوان المسلمين[5].
مواقف حية
لقد ضربت لقريناتها من الفتيات مثالاً رائعاً في الصبر والحب والوفاء وحسن العشرة والعمل من أجل نيل رضا الله، فبالرغم مما حدث لها من أزمات إلا إنها أحسنت التعامل معها، فعندما اكتشفت أجهزة الأمن تنظيم ١٩٦٥م قضاء وقدراً واستغلته أبشع استغلال في محاولة لاستئصال شأفة الدعوة والقضاء على رجالها هجموا على بيتها في منتصف الليل في بداية الأسبوع الثالث من شهر أغسطس عام ١٩٦٥م حيث كان زوجها الأول الشهيد محمد عواد من أوائل من قبض عليهم، وعذبوا عذاباً شديداً داخل السجن الحرب، فأبت الزوجة أن تغادر بيت زوجها وتنتقل إلى بيت أبيها، وأصرت على البقاء مع أهل زوجها بالرغم أنه لم يكن لهم عائل يعولهم، وعاشت مع أم زوجها وزوجة أخيه حيث اعتقلوا أباه وأخاه بحجة انه هارب...
وتحملت العذاب، حيث كانوا يهاجمون البيت كل يوم، وكانوا يعيشون في حال صعبة لغياب العائل، ولخوف الناس من الاقتراب منهم حتى لا يصيبهم عذاب السجن الحربي.. وفي يوم من الأيام قال لها والد زوجها : لا تنتظري محمداً لأنه لن يعود، وظلت تزورهم، حتى إن زوجها الأخير .. محمد عبد المعطي الجزار أخذها وزاروا أهل الشهيد محمد عواد في عام ١٩٧٧م، وما انفكت الزيارات لأهل الشهيد قائمة.
عاشت ثناء منصور بهذا القلب الذي صقلته التجارب، فجعلته كالجبال الرواسي لا يلين في مواجهة المحن، بل هو قلب حي ينبض بمعاني الإيمان، وبالرغم من بلوغها الستين ربيعاً إلا أن قلبها ما زال ينبض بالحيوية والشباب، فتراها تتنقل وسط الأخوات وتشاركهن الأعمال، وتسأل وتتابع أخبار الإخوان وتتقصى ما يحدث لهم.
إن شوارع ومساجد مدينة «الخانكة» لتشهد بدورها في نشر الدعوة ويعرفها أهلها مسلمة نشطة محبة لدينها ملتزمة بتعاليم ربها.
الهوامش
[1] حوار أجراه الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع د. محمد عبد المعطي الجزار يوم ٢٠٠٧/١١/٤م
[2] جابر رزق محمد عواد الشاعر الشهيد دار الوفاء للطباعة والنشر الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ١٩٨٥م، ص ١٥.٩
[3] حوار مع د. محمد الجزار
[4] محمد الصروي: الصحوة والزلزال محنة ١٩٦٥م. دار التوزيع والنشر الإسلامية.
[5] حوار مع د. الجزار
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل