العنوان قصة قصيرة: حكاية السنانيري
الكاتب محمد عبد القدوس
تاريخ النشر السبت 30-مارس-2002
مشاهدات 60
نشر في العدد 1494
نشر في الصفحة 52
السبت 30-مارس-2002
انفجرت قنبلة رئيس تحرير صحيفة الوفد مصطفى شردي في استراحة ليمان طرة. أصابت شظاياها الضباط المجتمعين. «احتل» الصمت المكان. فرض حظر التجوال على الكلام. الألسنة «محبوسة» وراء قضبان الدهشة. أحكم الذهول قبضته على الوجوه أخيرًا تحرروا منه. «كلنا سنذهب وراء الشمس» هذا التعليق كان إشارة البدء، تساءل ضابط «ترى هل سيتم التحقيق معنا؟ الكلام المنشور خطير جدًا». أجابه الجالس بجانبه: لا أظن.. إحنا مالنا؟ شردي إتهم اللواء «فؤاد سلومة» بقتل كمال السنانيري.
نفی انتحاره. رد صوت معترضًا: «يا باشا... مصلحة السجون كلها ستتعرض للبهدلة بسبب ما نشرته الوفد». دقت طبول الحرب في قلب الرائد «النساج».. هل يمكن أن تؤدي قذيفة الكاتب إلى إبادة فرقة كاملة من زملائه؟ رأى «السنانيري» في مخيلته بابتسامته الواسعة.. أنت مت شهيدًا.. ونحن سنموت «فطيس»!! سحب خاطرته بسرعة أرجوك لا تغضب مني.. أنا تعبان.. أحتاج لمساعدتك. حاول تركيز انتباهه في الحديث الدائر: «الوفد منذ أن ظهرت قبل بضعة أشهر وهي صحيفة إثارة! غرضها الفرقعة بغرض رفع التوزيع.. مصطفى شردي غلطان100٪ ... كيف ينشر خطابًا دون توقيع يتعلق بحادث السنانيري؟.. هذا الموضوع ليس وليد اليوم، بل وقع سنة ۱۹۸۱، يعني مرت عليه ثلاث سنوات».
سمع من يجيب: «من غير المعقول أن يعلن المرسل عن اسمه المعلومات المنشورة تؤدي به إلى التهلكة». انبرى جالسًا يقول: «كان يجب على شردي أن يتأكد من صحة ما وصله قبل أن يكتب مقاله الذي هاجم فيه الداخلية، وطالب بإعادة فتح ملف السنانيري من جديد».
أمسك الهلع بالرائد «النساج» عندما قال أحد الحاضرين: أعتقد أن أقارب الرجل الذي مات، في ضيافة أمن الدولة حاليًا! اللواء فؤاد سلومة سيقوم باستجوابهم بنفسه لمعرفة هذا الذي أساء إليه.
تمرد لسان الرائد على صمته الممسك به. تساءل في لهفة ولماذا هؤلاء بالذات؟
- «لأنهم شاهدوا الجثة. الخطاب فيه وصف دقيق للحالة التي كان عليها، الإصابة في الجمجمة، وأثار اللكمات في وجهه، ولحيته المنتوفة».
وجد نفسه يدافع عنهم: «أنا رافقت أسرة السنانيري إلى المقبرة مع غيري من الضباط، كانت جثته مغطاة، ذهبنا معهم إلى هناك بأوامر مشددة ألا يحاول أحد كشف وجهه عند دفنه».
قال أحد الجالسين: من الممكن أن يكونوا قد شاهدوه بمشرحة السجن.
كاد أن يرد.. أمسك لسانه، فلم يفلت منه.
تساءل واحد من الحاضرين عن موقف الداخلية. ترى هل ستصدر بيانًا حول ما نشرته الوفد؟
اختلفت الآراء. انطلقت التعليقات: «هذه فرصة للوزير الجديد ليتخلص من اللواء القابع في أمن الدولة».
- «ليس بينهما أي ود.. معالي الباشا الجديد وجه لطمة قاسية إلى «سلومة» ومنعه من الذهاب إلى السجون.. الرجل تم تحجيمه لأول مرة منذ مقتل السادات».
انطلقت ابتسامات الرضا والتشفي من معظم الحاضرين، إلا أن أحدهم قال: «يا جماعة انسوا هذا الكلام، الشرطة كلها جبهة واحدة عندما تتعرض لأي هجوم من الصحافة».
- «لكن كلام الوفد يصب في النهاية لمصلحة الوزير الجديد، ويفضح ما كان يجري قبل مجيئه»
- «ولماذا ترجمون بالغيب؟ غدًا ستتضح الصورة».
انصرف المجتمعون استمر الاجتماع طويلًا في مخيلة الرائد، تداخلت أصوات كثيرة بذهنه سمح بحرية المناقشة للجميع، هل يعقل أن يكون قد تم القبض على أسرة السنانيري؟ في هذه الحالة لابد أن يتدخل لإنقاذهم. يملك الحقيقة في يده لا.. وأنا مالي!
أطلت صورة الميت من جديد.. سأله الضابط: هل يرضيك أن انتحر وأنا على قيد الحياة بسبب أقاربك؟ جاءته الإجابة وما ذنبهم فيما فعلت؟ ربي يعلم بحقيقة موتي، ولا يهمني ما يقال عني في الدنيا.. أنت تطوعت وكشفت الجريمة. شكرًا لك. أرجوك لا تدع شجاعتك تتخلى عنك في منتصف الطريق.
أخذ في مناقشة ما فعله، يشعر بأنه تسرع، فتح باب الجحيم على نفسه، حاول الندم أن يطرق بابه طرده لن يسمح لأعصابه أن تنهار، لا بد أن يكون قويًا متماسكًا في مواجهة كل الاحتمالات ترى هل اتصلت المباحث برئيس تحرير الوفد وسألته عن الخطاب؟ في يقينه أن هذا الكاتب الجريء لن يعطيهم أي إجابة. تشجع يا شردي إياك أن تضعف إذا سألوك «مقالاتك النارية عن انتهاكات حقوق الإنسان يواظب على قراءتها ضباط الشرطة قبل غيرهم»، يعلم أن العديد من زملائه يطلعون سرًا على هذه الجريدة المعارضة، أراد مساعدته في حملته ضد التعذيب. ما حدث يومها مازال محفورًا في ذاكرته، سمع ضجة في سرداب سجن الاستقبال أسرع إلى هناك، وجد السنانيري ملقى في زنزانته. الدماء تنزف منه، الطبيب يحاول إنقاذه. رأى فؤاد سلومة والعديد من زملائه، شاهد آخرين لا يعرفهم يرتدونه ملابس مدنية، بدا أنهم من أمن الدولة.
قال لواء المباحث بصوت أمر: «أي واحد ملوش لازمة يتفضل.. لا يوجد داع لهذا التجمع». تلكؤوا. شدد عليهم الأمر بصيغة أكثر حزمًا انصرف معظم الضباط متبرمين. سمع أكثر من تعليق يحتج على سلوكه «ما فيش أي احترام.. فاكرنا خدامين عند أبوه». «المأمور مغتاظ جدًا منه» معه حق، بجانبه أصبح لا قيمة له.. زي الطرطور! «موت واحد في السجن مصيبة! لواء المباحث سيتهمنا ويخرج من فعلته بريئًا.. أنا رأيته بعيني يشرف على تعذيبه بنفسه! «هذا المسجون بالذات لا يستحق ما جرى له. كان إنسانًا طيبًا».
لم يصدق زملاؤه ما قالته الداخلية من أن السنانيري انتحر. هذه الرواية أصبحت مثلًا للتندر بين الضباط في جلساتهم الخاصة «المسجون انتحروه»!
«زمان كان الذي لا يعجبه الحال يشرب من البحر، أو يضرب رأسه في الحائط، أفضل حل له حاليًا أن ينتحر! تناسى الجميع الأمر بعد ذلك».
«وجد نفسه يلوم شردي: ما الذي جعلك تفتح ملف التعذيب من جديد؟»
سخر عقله من تساؤله وأنت يا بطل.. لماذا ساعدته وأرسلت الخطاب؟
رد بسرعة على نفسه: انتقمت من «سلومة» الذي أهان ضباط سجن استقبال طره وأصبحوا أصفارًا إلى جواره، نفى المدير السابق إلى الواحات، رغم أنه كان على شاكلته!!
أطل عليه السنانيري من جديد. «واحد مثلك لا يمكن أن ينتحر.. حرصت على توضيح حقيقة موتك» أخذ الرائد في تذكر ما كان بينهما. شاهده لأول مرة سنة ١٩٧٢. كان أيامها ضابطًا جديدًا، معتزًا بنفسه، مغرورًا بقوته، رياضيًا من الطراز الأول، مشهورًا بصفعته المدوية. كان أداة المأمور في الانتقام من المسجونين. وصلت في هذا الوقت إلى «مزرعة طرة» دفعة من الإخوان قادمة من سجن قنا. كان السنانيري حلقة الاتصال بين المسجونين الجدد وإدارة السجن توثقت العلاقة بين الضابط الشاب والمسجون السياسي، كثيرًا ما كانا يتحدثان في أمور الدين والدنيا. رأى كلامه متزنًا ومعقولًا. ترك في نفسه تأثيرًا عميقًا بدأ ينتظم في الصلاة. خفف من استعراض عضلاته.
تذكر الحديث الذي دار بينهما يومًا «.. أنت إنسان عجيب بالفعل.. كيف تستطيع في هذه الظروف أن تصوم يومًا وتفطر يومًا»؟
«هذا من فضل ربي وكرمه.. بطبيعتي زاهد في الدنيا».
- «بصراحة.. تعجبني يا سنانيري، متشدد في نفسك، لكن أخلاقك حلوة مع الجميع، وآراؤك غاية في السماحة والاعتدال.. يا ليت كل المتشددين يكونون مثلك»؟
- «لا أفهم ما الذي تقصده بالضبط يا حضرة الضابط»..؟
رد قائلًا: أعرف تاريخك جيدًا، وأعلم أنك مسجون منذ سنة ١٩٥٤، يعني ١٨ سنة تعرضت خلالها بالطبع للبهدلة، ومع ذلك استطعت الحفاظ على طابعك الإنساني.
ضحك المسجون وهو يتساءل: «وهل كان مطلوبًا مني أن أصبح حيوانًا»؟
أجابه حارسه بلهجة جادة: ما أكثر البهائم عندنا!! لا أخلاق ولا ضمير ولا ذمة.. الحيوانات أفضل منهم!
سحب السنانيري ضحكته وهو يقول: «أراهم ضحايا للظلم الذي حاق بهم».
- «لكن أنت وزملاؤك مختلفون» تصور.. بعضهم يقوم بتكفيرنا، ويستحلون دماءنا، أنا أعذرهم، لكن هؤلاء لا يصلح معهم إلا الضرب بالحذاء القديم».
عاودته إشراقته من جديد وهو يقول: «علاج هؤلاء لا يكون بضربهم بحذائك، بل بتخفيف الظلم عنهم وحسن معاملتهم، وبيان أخلاق الإسلام الصحيحة لهم».
- «أنا لست شيخًا مثلك حتى أشرح لهم تعاليم الدين.. البركة فيك»!
انتزع الحاضر الرائد «النساج» من ذكرياته. طرح عليه تساؤلًا: وهل من أخلاقيات بيننا أن تلقي بأقارب هذا السجين إلى التهلكة؛ حرام عليك أنت تعرف فؤاد سلومة وأساليبه في التحقيق سيذيقهم العذاب ألوانًا. أنت وضعك مختلف، ضابط شرطة لن يستطيع أحد أن يمسك بسوء! ستجد مصلحة السجون متعاطفة معك.
لا.. لا.. سيتم فصلي من الخدمة، ومحاكمتي عسكريًا، وربما سجني، لست مستعدًا لهذه البهدلة. احتلت صورة السنانيري ذهنه كله. قبل الفجر لم يهنأ برقدته. طاردته الكوابيس. أغمض عينيه ولم يفتحهما كأنه أصيب بالإغماء!!، أخذته اللهفة إلى صحف الصباح. ليس فيها أي بيان من الداخلية.. شعر بالراحة. الوزير ترك مسؤول أمن الدولة في العراء. عندما وصل إلى عمله.. اعتصره القلق من جديد.. ترى.. ماذا يحمله اليوم من مفاجآت؟ سقط قلبه عندما سمع من يقول له: أنت مطلوب فورًا إلى مكتب المأمور. دارت به الدنيا، يبدو أنهم اكتشفوا أمره. لكن من أين لهم بالأدلة؟ مصطفى شردي لا يعرفه. أرسل إليه الخطاب سرًا بعدما كتبه على الآلة الكاتبة. اتخذ كل الاحتياطات اللازمة حاول التماسك. اضطرابه سيكشفه. لا بد أن تكون أعصابه من حديد ذهب إلى رئيسه بعدما وجه لكمة قوية إلى ضعفه. كان هناك عدد من زملائه. استقبله المدير بأدب جم. أصر على ضيافتهم أولًا. بدوا متململين. يريدون معرفة سبب استدعائهم المفاجئ. أخيرًا قال لهم مدير السجن: «أنتم الضباط الخمسة سيتم التحقيق معكم بشأن ما نشرته الوفد عن السنانيري. لجنة من الوزارة ستصل بعد قليل لسماع أقوالكم».
أصابهم الوجوم. حاولوا الاحتجاج. هذا ظلم.
رد قائدهم في هدوء: أنا أعرف هذا ومتعاطف معكم. لكن أنتم كنتم بالسجن يوم موت السنانيري في نوفمبر سنة ١٩٨١م.
تساءل الرائد «محمد النساج» في لهجة صدق هل يعقل أن يكون هذا سببًا في خراب بيوتنا؟
أجابه العميد المسئول: «لا طبعا.. أنتم من أفضل الضباط عندي وأنا سأدافع عنكم، وأعضاء اللجنة التي ستقوم باستجوابكم كلهم درسوا القانون، ويفهمون عملهم جيدًا».
تساءل آخر: وهل سيقوم اللواء فؤاد سلومة باستدعائنا بعد ذلك؟
كانت الإجابة بردًا وسلامًا: معالي الوزير أصر أن يأخذ التحقيق مجراه بعيدًا عن أمن الدولة ورئيسها، بالأمس اتصل بي، وأكد حرصه عليكم، وأنه يرفض أن يتعرض أي ضابط للبهدلة أرجوكم اطمئنوا».
نظر إليه الرائد مليًا. بدا له كأب حنون. في وجهه طيبة. يختلف عن كل رؤسائه الذين تعامل معهم. فارق كبير بينه وبين المأمور السابق. كان إنسانًا وقحًا بكل المقاييس ليس صحيحًا المثل الذي يقول: «الطيور على أشكالها تقع». ظل «الششتاوي» حاكمًا بأمره لسنوات.
بعد مقتل السادات سيطرت أمن الدولة على السجن. انتزع سلومة الصولجان من المأمور. نفاه بعد ذلك إلى الواحات مسؤولًا عن المعتقل هناك.
ملك السجن الجديد حرص على اختيار شخصية ضعيفة بديلًا عن «الششتاوي». صراع الديوك أتي بالرجل الطيب إلى هنا. تمنى أن يسأله: من ألقي بك في مصلحة السجون؟ مكانك الطبيعي: الجوازات أو السياحة!
طرح تساؤله بعيدًا عندما سمع كلامًا عن أسرة السنانيري. «ترى هل سيتم التحقيق معهم»؟
رد رئيسهم: «عمل اللجنة سيكون شاملًا، وسيتم سؤال كل الأطراف».
وجد نفسه يسأل في تلهف: «وهل تم القبض على أحد منهم»؟
استراح عندما جاءته الإجابة: «لا.. وما الداعي لذلك»؟
قال ضابط في دهشة: «يا باشا.. إنهم المتهمون الأساسيون في تسريب الخطاب إلى الوفد».
رد المأمور: لا أعتقد ذلك.. لقد قرأته بدقة، وأجزم أن كاتبه ضابط كان بالسجن في ذلك الوقت.
أمسك الخوف بالجالسين تساءل أكثر من صوت: تراه.. من يكون؟
- «مهمة اللجنة المشكلة البحث عن الفاعل».
تغيرت لهجة مدير السجن، كلامه يحمل مفاجأة مذهلة: فهمت من حديثي مع معالي الوزير أن «سلومة» أتهم المأمور السابق بأنه وراء الكلام المنشور بغرض الانتقام.. فلا تنسوا أن لواء المباحث كان وراء نقله إلى الواحات.
سأله واحد غير مصدق «وهل يعقل أن يتم التحقيق مع الششتاوي»؟.
قال المدير مبتسمًا: «لقد استدعي بالفعل وسيتم سماع أقواله غدا».
قفزت الفرحة إلى وجه الرائد. زغرد كيانه. بذل مجهودًا عنيفًا كي لا يبدو ذلك على سلوكه أخذت نفسه تهتف يحيا العدل.. يحيا العدل... صدق من قال: الطيور على أشكالها تقع!.