العنوان من أجل ذلك لا بد أن نعود
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 15-مايو-2010
مشاهدات 51
نشر في العدد 1902
نشر في الصفحة 66
السبت 15-مايو-2010
الفارق بيننا وبينهم أنهم يرون الحياة الدنيا البدء والمنتهى وخاتمة المطاف، وأننا نراها ذرة لا تكاد ترى تسبح في ملكوت الكون الكبير.. مجرد خطوة عابرة إلى الأبدية..
الفارق بيننا وبينهم أنهم دنيويون حتى النخاع.. مستعدون أن ينشبوا أظافرهم وأسنانهم في لحم الأرض وعظمها من أجل امتلاكها والهيمنة عليها .. وهم من أجل ذلك يتحولون إلى وحوش وضوار لتمزيق أجساد الآخرين بأي أسلوب كان، وبغض النظر على الإطلاق عن مدى تناقضه مع منظومة القيم الدينية والخلقية والإنسانية.
والطرائق التي استعمر بها الغربيون مساحات واسعة من عالمنا الإسلامي، والأساليب التي اعتمدوها لقهر شعوب هذا العالم، وإدامة الهيمنة على مقدراته تعكس بوضوح كامل هذا اللهاث المحموم وراء إغراءات دنيا عابرة لا تساوي شروى نقير. عندما يتسلمون قيادة العالم يسومون مستضعفيه سوء العذاب.. يسخرونهم لتحقيق مصالحهم كما تسخر الأنعام... يعتمدون أي أسلوب مهما كان سافلاً ومناقضًا لإنسانية الإنسان لضمان إمساكهم برقبة العالم، وإرغام شعوبه المستعبدة على أن تدر ضرعها في أفواه المستعمرين.
أربعمائة سنة، تلقينا فيها منهم ما يشيب لذكره الولدان وهم لا يزالون حتى اللحظات الراهنة، يمارسون الجريمة الكبرى بالضراوة نفسها : اغتيال إنسانية الإنسان...
هذا الالتصاق الزائد بالأرض.. هذه الرؤية المنحسرة للحياة الدنيا.. هذا التعبد الأسطوري للمنفعة.. وهذا الاندفاع الذي لا يرحم وراء اعتماد القوة لتحقيق المصلحة ... هو نفسه منذ أربعمائة سنة أو تزيد..
يكفي أن نشاهد فيلم عمر المختار لكي نرى بأم أعيننا ما فعله الإيطاليون الفاشست بالليبيين.. يكفي أن نقرأ كتاب الزنجي الأمريكي ألكس هيلي الجذور لكي نعرف ما فعله المستعمرون الأمريكان بالزنوج والأفارقة الذين انتزعوا من ديارهم وسيقوا كالقطعان إلى المزارع والمصانع الأمريكية.. يكفي أن نتابع التقارير المرعبة التي كتبت عن مأساة المدينتين اليابانيتين المنكوبتين لكي نعاين ما فعلته القوة الذرية الأمريكية بـ «هيروشيما»و «ناجازاكي»...
الشواهد كثيرة قد تملأ مئات المجلدات وألوفها.. وقد قيل فيها الكثير على مستوى الصحف والمجلات والمؤلفات والتقارير ووسائل الإعلام المختلفة، ولكني أريد أن أقف لحظات عند زاوية منها وهي أن حضارة الغرب المتفوقة علميا وتقنيصًا وخدميًا وتنظيميًا ... إلى آخره، لا يمكن بحال من الأحوال أن تغطي على البعد اللاإنساني لصانعي هذه الحضارة، وعلى تسخير قدراتها الأسطورية لتحقيق «منفعة» بقع محدودة في نسيج العالم على حساب المساحات الأوسع.. وأنه لو قدر لهذه الحضارة أن تسلم زمامها للقيادة الصالحة» التي لا تريد علوا في الأرض ولا فسادًا.. لكان يمكن أن تحقق للبشرية على إطلاقها الخير والسعادة والرفاهية في أبعادها كافة.
ومرة أخرى.. ذلك هو أساس المشكلة، وبيت الداء، وسبب الأسباب.. فلأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ويرون في الحياة الدنيا الفرصة الأولى والأخيرة، وليس ثمة شيء وراءها على الإطلاق.. اندفعوا وراء إغراءات المصلحة الصرفة، واعتمدوا لتحقيق ذلك – منطوق القوة المجردة التي لا يردعها ضمير ولا بعد إنساني أو ديني أو أخلاقي.. ولأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.. علوا في الأرض وأفسدوا العالم.
ولن ترجع الأمور إلى نصابها الحق.. ولن يقوم الميزان بالقسط في هذا العالم.. ولن يسود حق وعدل، ويسعد الإنسان، ويحيا الحياة الطيبة التي أريدت له يوم خلقه الله تعالى، ما لم يتسلم قيادة العالم رجال يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادًا.
من أجل ذلك كان لابد أن ترجع الأمة المسلمة.. الأمة الوسط.. لقيادة العالم، وتسلم أعنة الحضارة كي تكون شاهدة على البشرية مرشدة لخطاها، حافظة للتوازن المطلوب بين الحكمة والقوة.. محترمة إنسانية الإنسان ملتزمة ضوابط المنظومة الخلقية والدينية.. أمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر تمامًا كما وصفها الله سبحانه في كتابه الكريم ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) ﴾ (آل عمران: الاية 110 ).
بقلم: أ. د. عبد المنعم الطائي