; هادم اللذات | مجلة المجتمع

العنوان هادم اللذات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1980

مشاهدات 88

نشر في العدد 489

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 15-يوليو-1980

كثيرًا ما نفقد الأشياء التي نألفها تأثيرها فينا حتى تغدو كثرة تكرارها وكأنها أمر عادي وتمر بنا ونحن في دهشة عما تحمل من حقائق عظام، فكان إلفنا لها غفلة عارمة جعلتنا نحرم نعمة أثرها القوي في حياتنا وسكوننا، خاصة إذا كان هذا الذي ألفناه شيئًا هو الموت، فلم يعد سماعنا لأخبار الموتى بالأمر المفزع ولم يعد القبر عندنا إلا كومة من التراب يحملها الميت على جسده وأصبح وداع الميت ضربًا من التقاليد والعادات إذا انقضت انقضى معها كل شيء. إن غفلتنا العارمة هذه لم تدهشنا عن ذكرى الموت فقط وإنما كذلك عن الحياة المديدة بعد الموت. فكان من شؤم هذه الغفلة أن فقدنا لذة العيش في ذكرى الآخرة لسعتها وعظيم أثرها في حياة البشر.

هذه السطور محاولة لرد الغافل من غفلته وهي محاولة لأن تجعل من موتنا حياة بدلا من أن تكون حياتنا موتًا بعيدًا عن ذكرى الموت. إن الموت قدر من الله مقدور أنه لا بد واقع فلا خلود على هذه الأرض، كما أنه لا عودة لهذه الحياة بعد الخروج منها وبعد أن يقبض ملك الموت الروح بأمر ربه، وهذه النصوص تفيد ذلك ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء:34) ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (السجدة:11).

والموت نهاية عمل ابن آدم في هذه الحياة الدنيا.. النهاية التي لا تسمح له بإضافة جديدة إلى عمله لأنه لا يستطيع قد أعجزه الموت وسلبه قدرته وحتى لو استطاع فإنه لا يقبل منه، إنها نهاية لا تمهل الإنسان لأن يتوب مع سعة باب التوبة، ووفرة أسبابها، ونهاية لا تمهل الكافر لأن يسلم على رحابة الإسلام ووضوح دلائله، نهاية مرهبة مرعبة ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون:99-100) ثم نعتقد في الموت جميع ما أخبرنا به كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم عن الموت وسكراته وعن النزاع وعن استقبال الملائكة للروح وعن إكرامها أو إذلالها. وإليك طرفًا منها قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق:19)، ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الأنعام:93).

وفي الحديث المتفق عليه «أنه صلى الله عليه وسلم كان عنده قدح من ماء عند الموت فجعل يده في الماء ثم يمسح بها وجهه ويقول: اللهم هون عليّ سكرات الموت».

وعند النسائي من حديث أبي هريرة: «إذا حضر المؤمن أتت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون: اخرجي راضية مرضية عنك إلى روح من الله وريحان ورب غير غضبان فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا حتى يأتوا به أبواب السماء فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض فيأتون أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحًا من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه ماذا فعل فلان؟ فيقولون دعوه، فإنه كان في غم الدنيا. فيقول قد مات أما آتاكم قالوا ذهب به إلى أمه الهاوية. وإن الكافر إذا حضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله عز وجل، فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتوا به باب الأرض فيقولون: ما أنتن هذه الريح حتى يأتوا به أرواح الكفار» إسناده حسن.

هذا غيض من فيض مما جاء يصف تلك اللحظة الرهيبة لحظة الموت ولمثلها فليعمل العاملون.

ويبقى أهل القبور في قبورهم بين منعم ومعذب إلى أن تقوم الساعة وهي أدهى وأمر، يقول الله تعالى ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ۚ ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ (ق:41-42-44)، وعند مسلم من حديث جابر «يبعث كل عبد على ما مات عليه». ويقول تعالى: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ (يس:49-50-51). وقال صلى الله عليه وسلم «عرضت عليّ الجنة والنار فلم أر كاليوم من الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا، فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه وغطوا رؤوسهم ولهم خنين» متفق عليه.

كل هذا ليجعل الداعي إلى الله وهو يعيش على هذه الأرض وقد تعلقت روحه في الآخرة يجعله في شوق دائم إلى لقاء ربه؛ فالموت عنده رهبة مفزعة ولكنها رهبة تحضه على العمل وتدفعه إلى الإعداد وليس لرهبته حساب عنده إلا لهذا.

أما مواجهة الباطل ومقارعة أهله وإن أدى إلى الموت فيقينه أنه لن تموت نفس قبل انقضاء أجلها فأجله محسوب فلا سلامته من الأذى ستزيد عمره ولا حكم الباطل عليه بالموت سينقص منه شيئًا. ثم إنه قد يظلم وقد ينزل به الخسف والهوان، وعزاؤه الوحيد إن العمر قصير وساعة صبر في هذه الحياة الدنيا لا تساوي في حساب الآخرة شيئًا، بل إن الآخرة قد ملأت عليه حسه فأصبح يرى صبره وما يلاقيه من تعب وأذى وبذل لدمه وماله وجهده ووقته وصحته وعافيته، يرى كل هذا وقاية له من النار بلهيبها وزقومها، ويرى كل هذا في جنب رضوان الله عليه قليلا وفي جنب نعمه عليه هباء.

ما أعظم ما تترك سعة الآخرة في نفس الداعية من أثر، إنها السعادة في أسمى معانيها. في اللحظة التي يلهث عباد الله فيما يرضون به ربهم وفيما عساهم سيلاقونه به تجده قد تميز عنهم بحمله للدعوة بتكاليفها الشاقة العسيرة وفي مسئوليتها الجسيمة، إن الدعوة تبعة ثقيلة وأمانة عظيمة، وكلها تكليف وكلها بذل وعطاء، وقد تفنى الأعمار وتنقضي دون أن يحصل للدعاة أجر أو مقابل على هذه الحياة الدنيا ودون أن يروا نتاج عملهم وحصيلة كدهم وبذلهم، وقد تذهب الآجال ولم يحصل لهم إلا الألم والضيق والمعاندة والضجر. 

ولكن اليقين لسعة الآخرة يجعل من هذا الثقل طريقًا إلى طلب المزيد في سبيل الله، فإن الدعاة وإن كانوا لم يحصل لهم مقابل ما بذلوه شيء فإنهم لا شك على يقين أن الآخرة مفتاحها العمل ولا شيء سوى العمل والبذل، وحسبهم أن ربهم قد تكفل لهم بإحدى الحسنيين فإن أخذ منهم إحداهما فقد كفل لهم الأخرى، وحسبهم ما يلاقونه من عزة ورفعة في هذه الحياة الدنيا وهم يشعرون أنهم تميزوا عن البشر بتعلق أرواحهم في الآخرة فرحين يرون البشر قد غاصت أرواحهم في حمأة التراب، وحسبهم أنهم حريصون على أن لا يباغتهم الموت إلا وهم في موقف من مواقف دعوتهم إلى الله، فإذا بعثوا بعثوا على ما كان منهم من عمل، والله حسيبهم ونعم الوكيل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

113

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

الموت: حقيقة وعظة..!

نشر في العدد 31

107

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

الموت معلم