العنوان القرضاوي شاعرًا.. سياحة نقدية تأملية في ديوانه «نفحات ولفحات»
الكاتب محمد شلال الحناحنة
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-2000
مشاهدات 59
نشر في العدد 1388
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 15-فبراير-2000
الشيخ يوسف القرضاوي غني عن التعريف في مجالات الفكر الإسلامي، والدعوة، وعلوم الفقه، فله عشرات الكتب في ذلك، ولكنْ القليل منَّا من يعرفه شاعرًا فحلًا، أثنى عليه الإمام الشهيد حسن البنا في إحدى المناسبات بطنطا في مصر سنة 1947م.
أما ديوانه «نفحات ولفحات» الصادر عن دار الضياء في عمان سنة 1985م، فقد جمعه وحققه وقدّم له الأديب الإسلامي الأردني حسني أدهم جرار، ويقع الديوان مع المقدمة في مائة وستين صفحة من القطع الكبير، والحق أنه لا غنى لمن أراد أن يدرس الديوان عن إطلالة فاحصة لهذه المقدمة لما فيها عن نظرات عميقة ثاقبة لفكر الشيخ، وإضاءات مشرقة لشاعريته ومراحل حياته الزاخرة بكثير من هموم الدعوة أمام المحن العظيمة التي عصفت بالحركة الإسلامية على مدى نصف قرن تقريبًا.
وأما دراستنا لهذا الديوان فسنجعلها مداخلة نقدية فكرية لشاعرية القرضاوي، لنسأله وهو يجيبنا شعرًا عذبًا دافئًا:
نلمسُ في شعرك عذوبة البيان، وفصاحة الأسلوب، وحرارة الإيمان، وجمال الصورة، فكيف يأتيك الشعر في ظل همومك الدعوية الكثيرة؟!
أريد له هجرًا فيغلبني جنّي
وأنوي ولكن لا يطاوعني قلبي
وكيف أطيقُ الصبرِ عنه وإنّما
أرى الشعرِ للوجدان كالماء للعُشبِ؟
فكم شدّ من عزمٍ وبصر من عمى
وأيقظُ من نومٍ وذلّل من صَعْبٍ
إن لك رؤية خاصة في الشعر، وموقفًا واضحًا من بعض الشعراء المداحين للفجرة والطواغيت، فهل يمكن أن تبسط لنا هذا الموقف؟
هذا حقّ فقد قلتُ:
فكم سافح قد لقبوه بفاتح
وكم مسرفٍ سمّوهُ ذا الكرم الرحْب
وكم فاجرٍ باغ مشوا في ركابه
وسمَود ليثًا وهو أدنًا من كَلبٍ
إذا كان هذا ديدن الشعر في الورى
فما هو إلا السم في المشربِ العذْبِ
إذن أين تقف في شعرك مما تراه حولك من طائفة تتاجر بالشعر، وتساند الباطل؟!
موقفي ناصعٌ بيّن، فاقرأ إن شئت:
وقفتُك يا شعري على الحقّ وحده
فإن لم أنلْ إلاهُ قلتُ لهم: حَسبي
وإنّْ قال غر: ثروتي، قلتُ: دعوتي
وإن قال لي: حِزْبي: أقولُ له: ربّي
فعشْ كوكبًا يا شعر بهدِي إلَى العُلا
وينقض رَجْمًا للشياطين كالشُّهبِ
مرّ نصف قرن على اغتيال الشهيد الإمام حسن البنا.. فهل كان لإمام الدعوة نصيب في شعرِكَ؟
لقد كان للشهيد مكانةٌ عظيمةً في القلوب، ووقع خاص في النفوس، وكان من عادته أن يزور مراكز الدعوة ويتفقدها مرشدًا وموجهًا، وفي إحدى الزيارات ألقيتُ قصيدة بلغت خمسة وعشرين بيتًا أمامه، وكنتُ وقتها طالبًا في المرحلة الثانوية بمعهد طنطا، وقد كان لتشجيعه أثر طيب في نفسي، وذلك بعد سماعه القصيدة التالية:
يا مُرشدًا قد سرت في الشرق صيحتُه
وهزَّ بالدعوة الغرّاء أوطانا
يا مُرشدًا قاد بالإسلام إخوانا
فقام بعد منام طال يقظانا
ترسي الأساس على التوحيد في ثقة
وترفع الصرح بالأخلاق مُزدانا
حتى بلغت الأعالي مُصْلحًا بطلًا
تُطلُ من فوقها كالبَدْر جذلانا
وثلّة الهدّم في السفلى مواقعهم
صبوا عليك الأذى بَغْيًا وعدوانا
آذوّْكَ ظُلمًا فلم تجزِ الأذى بأذى
وكان منك جزاءُ السوء إحسانا
وكنت كالنخلِ يُرمى بالحجارة من
قوم فيرميهمو بالتّمْرِ ألوانا
وقلت: ربّ اهدهم للحق واهدِ بهو
واجعلهمو للهدى جندًا وأعوانًا
ومن تكنْ برسول الله أسوته
كانت خلائِقُهُ رَوْحًا وريحانًا
جرائم الطواغيت ضد الحركة الإسلامية تاريخ أسود، فماذا عن ملحمة الابتلاء التي كتبتها داخل السجن الحربي عام 1955م؟
إنها الملحمة النونية وعدد أبياتها مائتان وأربعة وتسعون بيتًا، وهي تحكي قصة سجين قضى نحو عشرين شهرًا في سنوات 54، 55، 1956م في السجن الحربي، والقصيدة سجلٌ حي للصراع الذي شهدته مصر في ظل استبداد طغمة السجن الحربي آنذاك، وقد كتبتها في ظروف صعبة داخل السجن، حيث لم يسمح لأي معتقلٍ بأن يبقي معه ورقةً أو قلمًا، وكان الاعتماد في تسجيلها بعد تأليفها على حفظ الصدور، فقد حفظها كوكبةً من أبناء الحركة الإسلامية مرددين:
يا رب خلّصْ مصرَ من أعدائها
وأعن على طاغوتها الملعونِ
يا رب إن السيل قد بلغ الزبى
والأمرُ في كافٍ لديك ونونِ
باسم الفراخ الزغب هيض جناحهم
فقدوا الأب الحاني بغير منون
بدموع أم روعوها في أبنها
وبكلّ دمع في العيون سخين
بدعاء شيعٍ شرَدوا أبناءه
ما بين مُعتقل وبين سجين
بسهاد زوجٍ غابٍ عنها زوجُها
فدعتْ لفَرْطِ جوى وفَرْط حنين
ربّاه رُدٌ علي مؤنس وحشتي
وأغث بعودتهِ جياع بنيني
يا من أجبت دعاء نوح «فانتصرِ»
وحملتّهُ في فُلككَ المشحونِ
لفلسطين ذكريات حزينة ثائرة في نفسك، فكيف ترى اليوم استعادتها مِن حقد اليهود المغتصبين في ظل ما يُسمّى السلام؟
فلسطين لا تُستعاد بالأماني والدموع لكن:
إنّي حييتُ ليومٍ لا مَردٌ له
للثأر، للدم، لاسترداد أوطاني
لأستعيد فلسطينًا كما غُصِبِتْ
بالدّم لا بدموعَ أو بتحنانِ
أزرع الأرض ألغامًا أفجرها
نارًا على مَنْ بِها بالأمس أصلاني
أحمل المدفعَ الجبّار اطلقُهُ
في صدر من قتلوا أهلي وإخواني
أنزعَ الدارَ والأرضِّ التي نهبوا
من كلّ لِصٍ ونهَابٍ وخوّانِ
لأرجع القبلة الأولى مطهرةً
من كلّ قردٍ وخنزيرٍ وشيطانِ
أسترد ثغورَ الأمسِ ضاحكةٌ
حيفا ويافا وعكا روح بلدان
لكي تعودّ تدوي في مآذنها
الله أكبرُ من آنٍ إلى آنِ
مولد النبي عليه الصلاة والسلام وبعثته وهجرته ستظلُ إشراقات دافئة تعبق بشذى المجد والبطولة على مر التاريخ، فهل صُغْتَ هذا الشذى شعرًا حيًا نابضًا؟!
إن مولده صلى الله عليه وسلم وبعثته وهجرته ذكرى تلازمنا، ومجدّ حافلٌ بمنارات الهدى والعزَة والكرامة لهذه الأمّة، فلا نستطيع الإحاطة بهذا التاريخ مهما قلنا:
هو الرسولُ فكنْ فِي الشعرِ حسَانا
وصغ من القلب في ذكراه ألحانا
ذكرى النبيّ الذي أحيا الهدي وكسا
بالعلم والنور شعبًا كان عريانًا
أطلِّ فجرُ هداه والدَجى عَمَمٌ
بات الأنامُ وظلُّوا فيه عُمْيانا
هناك لاح سنا المختار مؤتلقًا
يهدي إلى الله أعجامًا وعربانًا
يتلو كتاب هدى كان الإخاءُ له
بدءًا وكان له التوحيد عنوانا
لا جَوْرَ ۔ فالناسُ إخوانٌ سواسيةٌ -
لا ذِلَّ، إلا لمن سوِّاك إنسانًا
يا خير من ربت الأبطالَ بعثتُه
ومن بنى بهمو للحقِ أركانًا
يا سيّد الرُسل طِبْ نفسًا بطائفة
باعوا إلى الله أرواحًا وأبدانا
يقول الناقد الإسلامي حسني أدهم جرّار: في شعر القرضاوي مناجاة عذبة لله، ودعاء ينطق بالحكمة، وتضرّع يحمل روح الداعية الذي يلجأ للمولى عزَّ وجل في الضرّاء والسراء، وفي الشدّة والرخاء، فماذا لديك من شعر المناجاة؟!
بعد أربعين يومًا على الفراش، من مرض أوْهنّ العظمٌ، وأنقضَ الظهرَ، أقعدني عن جامعي وجامعتي، وحال بيني وبين أحبابي وطلابي، حنّت النفس إلى الشعر بعد هجرٍ طويل، فجاد الخاطرُ بهذه الأبيات أناجي بها ربي، وأذكر بها ذنبي:
يا ربّ ها جسمي يشيخُ ويمرضُ
والوَهْنُ وافاني سريعًا يوفضُ
وَلْتْ سِنُو عُمْري كرويا نائمٍ
ومضى شبابي مثلٍ بَرْقٍ يومضُ
ودنا الرّحيلُ ولم أهيئ زاده
وخيامُ أيامي تكادُ تقوِّضُ
مَا لِي - وقد فرّطتُ في أمري - سوى
دب إلى نفحاته أتعرّضُ
ما كان من عُذْرٍ لتقصيري سوى
نفسْ تُقادُ إلى الجِنانِ فتعرض
نامتْ وأهل الجْدَّ قوام، ولم
تنفضْ غبارَ النوم فيما يُنْفَضُ
يا ربّ في الأولى سترتَ نقائصي
فأتِمٌ ستركِ يومِ عندك أُعْرَضُ
ربِّ اسمُك الغفَارُ، فاعفُ تكرْمًا
يدعوك مكسورُ الجناحِ مُهيّضُ
عبدٌ بضاعتهِ الكلامُ، جهادُه
صُحُفٌ تُسَطُرُ، أو قريضٌ يقرَضْ
يدعو الورى للصالحات، وسِفْره
في صالحِ اَلأعمَالِ خِلْوٌ أبيضُ
ويحبُ درب الصالحين، وإن أكِنْ
قصْرتُ فيما طوَلوه وعرّضوا
النشيد الإسلامي قوة إيمانية روحية، وشموخ تشدو به الشعوب، وتهفو إليه القلوب، وهو طاقة فياضة خلاقة تترنّمُ عليه الأجيال، فيذكي شعلة الإيمان في النفوس، ويوقظ في الشباب جذوة الإخلاص في حمل راية الجهاد، فأين وصلتْ جهودك في الأناشيد الإسلامية؟!
كتبت عدّة أناشيد حظيت بانتشار واسع في أرجاء عالمنا الإسلامي، ينشدها الصغير والكبير، لتعود بنا إلى جذورنا الإسلامية العريقة، ولعل لنشيد «الله أكبر» هتافًا حميمًا في نفسي، فهو زادٌ يُغذِي روح كلم مسلم، وصيحة لكلّ مجاهد، وأنْسَ لكل مظلوم، ورَدْعٌ لكلّ ظالم، وتظلّ «الله أكبر» تسبيحة العابدين، وأنشودة الفاتحين، واستغاثة الملهوفين:
الله أكبر، اللهُ أكبر
تسبيحة العابد المطهّر
الله أكبر، اللهُ أكبر
أنشودةُ الفاتح المظفْرْ
الله أكبر، اللهُ أكبر
بها دككْنا حصون خيبر
الله أكبر، الله أكبر
بها ورثنا كسرى وقيصرْ
الله أكبر، اللهُ أكبرٍ
وما سوى اللهُ فهو أصغرْ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل