; الدكتور إبراهيم بيومي مدكور والتصور الزائف لحركة اليقظة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الدكتور إبراهيم بيومي مدكور والتصور الزائف لحركة اليقظة الإسلامية

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1985

مشاهدات 67

نشر في العدد 725

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 16-يوليو-1985

  • هل كان لطفي السعيد وقاسم أمين وطه حسين من تلاميذ الشيخ محمد عبده؟!
  • هل كان محمد عبده هو قمة اليقظة أو مرحلة من مراحلها؟!

هناك محاولة جديدة لاتهام حركة اليقظة الإسلامية التي تمضي اليوم على مفهوم الإسلام الأصيل الذي يستمد وجهته من المنابع الصحيحة: القرآن الكريم والسنة المطهرة بأن هذه الحركة قد خرجت عن الخط الذي رسمه لها الشيخ محمد عبده والذي يدعي بأن لطفي السعيد وقاسم أمين وطه حسین قد ساروا فيه، وتخلف عنه الذين نقلوا الدعوة الإسلامية من مرحلة الفكر إلى مرحلة الدعوة، وهي دعوى مبطلة تمامًا لأن المستقرئ  لتاريخ اليقظة الإسلامية منذ ظهور دعوة التوحيد التي دعا بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية ودعا بها كثير من تلاميذ فكر التوحيد الخالص الذي قدمه ابن تيمية وابن القيم واتباعهما يؤمن بأن الأمة الإسلامية كانت قادرة على الانبعاث من داخلها عندما تنحرف بها الطريق أو تتجمد الخطوات، ولا ريب أن هناك مرحلة غلبت فيها جبرية الصوفية على المفاهيم الإسلامية بعد أن مرت مرحلة الجهاد في مقاومة حملات الصليبيين والتتار وتوقف المسلمون عن فتح باب الاجتهاد خوفًا من دخول الفكر الوافد وحرصًا على سلامة مفاهيم الإسلام، وقد كسر هذا الجمود انطلاقة المصلحين الإسلاميين أمثال محمد بن عبد الوهاب والشوكاني وخطيب مسجد المؤيد في القاهرة بالدعوة إلى التوحيد الخالص. 

ومنذ ذلك الوقت سارت حركة اليقظة الإسلامية في طريقها مرحلة بعد مرحلة فسرعان ما دخلت مرحلة الجهاد بالسيف في مواجهة الغاصب «عبد القادر الجزائري في الجزائر ومحمد أحمد المهدي في السودان وعبد الكريم الخطابي في المغرب، وأحمد بن عرفان في الهند ... إلخ».

ثم انتقلت حركة اليقظة الإسلامية إلى مقاومة حفلات الهجوم على الإسلام التي بدأها التبشير والاستشراق وهي المرحلة التي قادها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وهي مرحلة خصبة انتقلت فيها حركة اليقظة الإسلامية إلى منطلقات واسعة في سبيل رسم التصور الإسلامي الصحيح للإسلام عقيدة وفكرة، وكان من أبرز ما قامت به إعادة مفهوم الإسلام إلى منطلقه الأصيل من التوحيد الخالص وتحرير إرادة المسلم من التواكل والخضوع وكسر قيود الجبرية الصوفية وإنكار الانسحاب من الحياة ودفع المسلم إلى إصلاح المجتمع على حد تعبير جمال الدين الأيوبي «فناء الصوفي في الله وفنائي في خلق الله».

غير أن هذه المرحلة لم تصل إلى جوهر المفهوم الإسلامي الأصيل بل شابها بعض القصور، لأنها صدرت من منطلق مفاهيم المعتزلة، وعلماء الكلام فمضت بها ثمة وكان اهتمامها بإعلاء العقل على النقل واعتمادها على المنطق، وهذه مرحلة طبيعية لا بد أن تظهر بعد مرحلة الجبرية الصوفية، وكان في مواجهة العاملين في هذه المرحلة إحساس واضح بالحملات المثارة على الإسلام من المستشرقين وكتاب الغرب فكان لا بد للدعاة أن يتحدثوا عن الإسلام وعقلانيته وقدرته على الوقوف في وجه الاتهامات بأنه بكير من شأن العنف والمعجزة والخوارق فكانت تفسيرات الشيخ محمد عبده التي أرادت أن تدفع عن الإسلام إتهام المستشرقين على النحو الذي ظهر في إنكار شق الصدر واعتبار الإسراء بالروح والقول بإن الطير الأبابيل في الوباء إلى غير ذلك مما مضى فيها بعض حلفاء الشيخ محمد عبده مما سمي بالمدرسة العصرية في الإسلام على النحو الذي كتب فريد وجدي ومحمد حسين هيكل والمراغي. 

هنالك كان لا بد لحركة اليقظة الإسلامية أن تصحح نفسها وأن تدخل مدرسة التفسير القرآني للإسلام وأن تتحرر تمامًا من أسلوب الاعتزال والتأويل، كذلك فقد خرجت حركة اليقظة الإسلامية من «الفكرة» إلى الدعوة حيث بدأت تربي جيلًا جديدًا تربية إسلامية على النحو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة، ومن ناحية ثالثة فقد استغلت اليقظة مفهومها الصحيح للإسلام بوصفه منهج حياة ونظام مجتمع. 

وأعلنت لأول مرة وقوفها في وجه الحضارة العربية وأساليب الغزو الثقافي والتعريب وإعادة الفكر الإسلامي إلى مجرى الأصالة والينابع، وتحريره من التبعية والإذابة التي جرت خطة العمل بها عن طريق الصحافة والجامعة وقبول مفاهيم المستشرقين الذين جاءت بهم الجامعة ليسيطروا على علوم الفلسفة والنفس والاجتماع والاقتصاد والأدب ومن ثم فرضوا مناهجهم الغربية كلها وأصبح الفكر الإسلامي محجوبًا تمامًا عن أهله. 

هذا هو الخط الذي سارت فيه الحركة وهو خط طبيعي وتصور صحيح، وانتقال من المرحلة التي قام بها جمال الدين ومحمد عبده ورشید رضا إلى المرحلة التالية تمامًا فهل يمكن أن يوصف هذا بأنه تراجع أو انحدار أو تحول عن الطريق الصحيح، لقد بدأت الفكرة الإسلامية طريقها واستعانت ثم مضت في نفس الوقت يعني جيلًا جديدًا على مفاهيمها. 

أما جماعة المجددين، الذي ادعوا كذبًا وضلالًا أنهم تلاميذ جمال الدين ومحمد عبده أمثال لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين وغيرهم فهؤلاء هم الذين كانوا أمانة اليقظة، أو أمانة حركة الإصلاح، بانحرافهم إلى التبعية وقبولهم مفاهيم الغرب وانزلاقهم إلى خدمة أهداف التعريب. 

لقد أصبحت هذه المجموعة السائرة في فله النفوذ الغربي والقابلة لفكرة التأويل والعمل لتحقيق أهداف الحاكمين سواء في قبول الربا والفتوى به أو صنع القانون المدني استمرارًا من القانون الوضعي حيث لا يذكر فيه  التشريع الإسلامي إلا في المرحلة الثالثة حيث لا يوجد نص عربي أو عرف إقليمي، وكذلك الفتوى بالتأمين وشهادات الاستثمار.

كذلك فقد تكشف انحراف المجموعة التي عملت في ميدان كتابة التاريخ الإسلامي والسيرة وهيكل والعقاد وطه حسين وأحمد أمين وغيرهم. 

ولولا يقظة حركة اليقظة الإسلامية لذلك كله لما انكشف أمره ولمضى التعريب بأيدي علماء لهم أسماء إسلامية. 

لقد نعى الدكتور إبراهيم بيومي مدكور على حركة اليقظة انطلاقتها ووصفها بأنها نكسة تهدم ولا تبني لأنها وقفت أمام ذلك الخط الذي رسمه النفوذ الأجنبي واستخدم له الدين تسموا كذبًا كخلفاء الشيخ محمد عبده من أمثال لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين ومن بعدهم كل الذين حاولوا التأويل لخدمة الربا وتحرير المرأة وتبرير القانون الوضعي. 

إن الدكتور إبراهيم بيومي مدكور يرى في ارتباط الدين بالسياسة خلطًا وضلالًا ويتابعه في هذا كل أعداء حركة اليقظة الإسلامية، الذين يرثون انزواء مدرسة تجديد الفكر الديني هذه المدرسة التي كان يطمع النفوذ الغربي بأن تحقق أهدافه من خلال مجموعة من علماء الإسلام يفتون بإباحة الربا، وبتحرير المرأة، والقانون المدني وبالتبعيةللفكر الغربي، والذين لا يقفون أي موقف بالنسبة لفساد المجتمعات وانهيارها ولا يطالبون بتطبيق الحدود الإسلامية لأنها تتنافى مع المدنية. ومن العجيب أن ترى رجلًا مثل الدكتور إبراهيم بيومي مدكور يحاول أن يؤرخ للحياة الفكرية على هذا النحو المضطرب الزائف وتراه يدافع عن انحدار المرأة في المجتمعات تحت اسم تحريرها وتقول: لا رجعة في هذا المضمار بحال، ولن تنزل المرأة عن حق اكتسبته وهي جادة في كسب حقوق أخرى ولعلك تدهش يا سيدي الدكتور بأن المرأة قبلت بإرادتها العودة إلى الله والعودة إلى دينها وعرفت أن مثل دعوتكم هذه مستقاة من بروتوكلات حكماء صهيون. 

نحن نؤمن بأن حركة اليقظة قد تطورت تطورًا طبيعيًا وأن الشيخ محمد عبده وفتاواه وأفكاره هي مرحلة من هذه المراحل جاءت بعدها مرحلة أخرى أكثر صلة بالقرآن والأصول الأصيلة للإسلام بعيدًا عن التبريرات التي يدافع بها المسلمون عن أنفسهم إزاء الغزاة. 

أما لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين ومن برروا الربا والقانون المدني فهم خارجون عن هذه الحركة ودخلاء عليها وأن دعواهم في الإصلاح الإسلامي كاذبة وأشدهم كذبًا مؤرخ هذه الحركة الدكتور إبراهيم بيومي مدكور.

الرابط المختصر :