العنوان التفاتة.. القلم المبارك
الكاتب عبد الرحمن جميعان
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1983
مشاهدات 63
نشر في العدد 612
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 15-مارس-1983
إن
للقلم بيانًا وأي بيان «وإن من البيان لسحرًا» وإن من سحر بيانه أنه يقلب
الحق باطلًا والباطل حقًا، ويزين الفساد حتى تراه في حلل من الحق قشيبة، وقد يسيل
لعابه على الحق كي تنظر إليه أسود مربادًا، إنه القلم صنو اللسان، الذي أقسم به
الرب سبحانه: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم: 1) (أي ما يكتبون)، فبه قام
الدعاة يذودون عن حمى الله، وقام الملحدون به يشوهون دعوة الله. فالقلم سلاح ذو
حدين، وهو معول للبناء والهدم، فمن انكسر قلمه أو تصدأ سنه فقد ضاع حقه، واختلط
أمره، وأما من قوى قلمه وفصح فهو في علو وشرف ومدح وثناء. وإن أبرك الأقلام
وأشرفها قلم يكتب به الإسلام حروفه، وينطبق القرآن فوق سنه وإن لهذا القلم قيادة
وتصدرًا وتمركزًا فمن أهمله فهو في ذيل القافلة، وأما من أخذه بقوة فهو الحادي
والمتقدم، وقلم الدعوة اليوم بحاجة إلى صقل وتوجيه فإنه قلم مبارك كله خير وبركة،
ولكن خيره يزداد وينمو متى ما توجه هذا القلم إلى سد الثغرات الفعلية في جدار
الدعوة، مستغنيًا ومتجاهلًا كثيرًا من الأمور التي يمكن الاستغناء عنها، أو التي
يمكن تحصيلها في بطون الكتب، مضيفًا الأشباه القديمة إلى النظائر الجديدة في حركة
فقهية اجتهادية جديدة تعيد إلى الفكر الإسلامي أصالته وسمته وجده.
إن
صقل هذا القلم المبارك يرتكز على تسعة مبادئ تشكل واجبات المؤلفين والأدباء
والمفكرين الإسلاميين تجاه هذه الصحوة اليوم:
- المبدأ الأول: النظر الشمولي
الموضوعي في العرض والمعالجة، فالشمول سمة رئيسية للإسلام وخاصية من خصائصه،
لذلك يجب أن ينصبغ قلم الدعاة بها، فيتجاوزوا الجزئيات المطولة المشروحة التي
يمكن إدراكها والاطلاع عليها في معظم الكتب الموجودة، ويركزوا على الأصول
ويربطوا بين تلك الجزئيات وهذه الأصول، فيتكلموا عن ترابط السياسة والاقتصاد
والعبادة وغيرها، دون الاقتصار على إحداها والإخلال بأخواتها، بل هو الأخذ
الشمولي الواسع الذي يربط جميع هذه المظاهر ببعضها دون تجزء.
وإن
من طبيعة هذا الشمول في العرض والمعالجة (شمولًا تأليفيًا) يقضي بالتوجه إلى
ما يلي:
أولًا:
شقائق الرجال:
لا
تزال المرأة عندنا كمًا مهملًا، واقعًا وتأليفًا، وأغلب ما يؤلف ويكتب إنما هو
للرجال والشباب دون النساء، أما النساء فلا حظ لهن من القلم إلا جانب الحجاب
والطهارة والصلاة أو قصص الأولين، وكأن المطلوب من المرأة الصلاة والطهارة فقط، إن
قلم المؤلفين ينبغي أن يكتب عن المرأة وللمرأة، يكتب عن المرأة ربة البيت، والمرأة
السياسية والمرأة القانونية، والمرأة الداعية فإن وسائلهن وطرقهن مغايرة لوسائل
وطرق للرجال، وإذا لم تكن هناك صاحبات قلم يكتبن، فلابُدّ أن يطرق هذا المجال
المؤلفون فيكتبون للمرأة ما تطلبه حاجاتها.
ثانيا:
النشء الصالح والطفل التائه:
إن
مرحلة الطفولة مرحلة جيدة للاستقبال، وهي ورقة بيضاء تنتظر من يكتب بين صفحاتها،
أو هي شريط من أشرطة «الكاسيت» بحاجة إلى من يسجل فيه ما يشاء، وأن هناك
تركيزًا على صبغ الأطفال بصبغة معينة لما يرونه من برامج للأطفال أو قصص مصورة وقد
تكون هذه الصبغة مخالفة تمامًا لخط الإسلام، فلابد من وجود قلم يكتب للطفل المسلم،
ولقد نجح الأستاذ يوسف العظم وهو يكتب لهذا الطفل، وإن هذه التجربة بحاجة إلى
مزيد من الأقلام لعضدها وإعانتها وتعميقها وتوسيعها لتدخل كل بيت، بحيث تراعي فيه
الصور والتعليقات المناسبة التي تبقى في عقلية الطفل ويجب أن تتنوع هذه التآليف
بحيث تكون القصة والنشيد والتمثيلية والصورة المعبرة وغيرها.
ثم
يأتي بعد ذلك دور الناشئة فإن معظم التآليف لا تراعى فيها حاجة هذا النشء
المبارك واهتماماته وتفكيره، وإنما التأليف اليوم يعطي أمورًا عامة لجميع مراحل
النمو، فيكون الكلام للناشئة كالكلام للشاب كالكلام للرجل، وفي رأيي أن هذا خطأ
وخطر فإن للناشئة عقولًا غير التي يفكر فيها المراهقون تخالف التي يفكر فيها الناضجون
والكبار، فلابد أن تفرد لكل سن منهجًا وكتابًا مناسبًا للأعمار، مراعيًا الحاجات
والدوافع.
المبدأ
الثاني: القلم لا يخط إلا لحاجة الدعوة:
فالقلم
الدعوي عندما يكتب ينبغي أن ينظر إلى الفراغ في الدعوة فيكتب ليسده لا أن يكتب ما
شاء له أن يكتب، وإن أفراد الحركة اليوم في نقص فكري بالنسبة إلى بعض مفاهيم
التنظيم والتنظير العلمية، ومفاهيم التربية العالمية وأمور التقييم والتخطيط
وغيرها من العلوم غير المطروحة من قبل قلم الدعوة، ولقد أخبرني أحد الأصحاب بأن
هناك مؤلفًا في «التخطيط الإسلامي» ولكني لم أره وأظنه لم يصل إلى الكويت إلى
هذا الوقت. وهكذا نحن بحاجة إلى الكتابة في هذه المفاهيم التي لم يعرفها دعاة
اليوم.
المبدأ
الثالث: استنباط «فقه الدعوة» المصاحب للعرض العام لتاريخ الحركة:
إن
خط الكتابات المؤلفة بعد هلاك عبدالناصر خط طابع العرض العام للدعوة، مصاحبًا
ذكر المحن والابتلاءات، وهو من الأهمية بمكان، ولكن الأمر الخطير هو الاعتماد على
العرض العام فقط وجعل القضية تجارية بحتة يستفيد منها ذوو الأغراض السيئة.
إن
المطلوب من هؤلاء الذين يؤلفون في هذا المضمار أن يحللوا مواقف الدعوة، وينظروا
إلى الأخطاء السياسية، نظرة نقدية علمية لا نظرة تبريرية تمجيدية، ويضعوا
موازين جديدة في باب «فقه الدعوة» لهذا الجيل الصاعد ليستطيع السير على ضوء
شموع الماضي، وألا يجعلوا كتاباتهم عرضًا عامًا مجردًا أو وقوفًا على أطلال
يتباكون حولها، فإن عهد النواح مضى وولى وجاء عهد العمل الجاد المحكم.
وإن
حاجة هذا الجيل الجديد إلى الاستفادة من «الفقه الدعوي» المستنبط من تجارب الماضي
وأخطائه تفوق المعرفة العامة المجردة المصاحبة لعرض التاريخ العام ليستطيع هذا
الجيل المقارنة واستنباط الأمور في «فقه الدعوة» فإن التعويل على مجرد العرض العام
لن يعطي هذا الجيل شيئًا بقدر ما قد يثبطه ويقيده عن الانطلاق الحر الموزون.
المبدأ
الرابع: تطويع الفكر العالمي:
بالرغم
من أن الإسلام هو الذي زرع جذور «العلوم العالمية» مثل علوم «الإدارة» و«التربية»
و«العلوم الإنسانية» وعلوم الاقتصاد والسياسة وغيرها، إلا أننا نجد الدعوة لا تزال
في منأى عن هذا الفكر الذي أصبح فكرًا عالميًا، فالكتابات خالية من هذه
المنطلقات، وليس هناك مؤلفات في الفكر العالمي من وجهة النظر الإسلامي، ولقد كتب
الأستاذ محمد قطب في جانب مهم من هذه العلوم وهو «علم النفس» ولكن
دراساته كانت تنصب على «الجانب النقدي» لنظريات السلوك الغربية التي كتبها
«فرويد» و«درکايم» وغيرهما من مفكري الغرب، ثم إيجاد الحلول الإسلامية، وهذا أمر
مطلوب ومهم، ولكن الأوفى والأتم أن يصاحب ذلك القلم قلم آخر يستطيع توظيف هذه
العلوم في الفكر الإسلامي ويستثمر النظريات العالمية في جميع العلوم لصالح الدعوة
الإسلامية، فنرى مؤلفات في الأصول العلمية للإدارة من النظرة الإسلامية
أو «كيف تستفيد الدعوة من هذا العلم» أو «علم النفس الإسلامي» أو «النظريات
التربوية في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم» أو غيرها فإن حاجتنا ماسة إلى هذا
التوظيف وهذا التطويع فهل من مجيب؟
المبدأ
الخامس: استخراج الفقه المكنون من مزيج الإفتاء الفقهي القديم مع نظيره الحديث:
فإن
أقوال القدماء ونظراتهم ونظرياتهم في الدعوة والسلوك والأخلاق لا تزال في
بطون «الكتب الصفراء» من أمثال «كتب الرجال» وكتب «المواعظ
والرقائق» وكتب «ابن تيمية» و«الغزالي» و«ابن القيم» و«ابن كثير» و«ابن
الجوزي» و«الذهبي» وغيرهم من صالحي هذه الأمة فهي لا تزال في حاجة إلى «غواص
ماهر» يغوص في أعماقها ليستخرج منها الدرر الكامنة و«سمط اللآلئ» ويربطها مع ما
يشابهها أو يشرحها من أقوال الدعاة المحدثين أمثال: محمد بن عبدالوهاب وحسن البنا
وسيد قطب والمودودي وغيرهم، فإن في هذا المزيج بركة وخيرًا وتعميقًا لمعان قد تبدو
غريبة على الجديد مع ما لها من أصل سلفي قديم، وإن كتابات الأستاذ الداعية البليغ محمد
أحمد الراشد لتوفي لهذا الغرض، وهي خطوة أولى على الطريق، ولكنه بحاجة إلى مساندة
الأقلام الواعية لاستخراج الفكر الجماعي المطعم بالأدلة الفقهية الأصولية.
المبدأ
السادس: تنقية الأقلام من الشوائب:
فمن
العيوب التي أصابت أقلام دعاة الحركة اعتمادها الأحاديث الضعيفة أو الأقوال
المخالفة لمنهج السلوك الإسلامي لزهاد مشهورين بشطحات الصوفية، أو رياضات مخالفة
للإسلام وسننه، وبناء الأحكام عليهما، انظر إلى كتاب «المأثورات» للإمام «حسن
البنا» -رحمه الله- تجده مليئًا بالأحاديث الضعيفة والمنكرة، بل الموضوعة، واقرأ
«تربيتنا الروحية» تجد فيه ما يخالف بعض سلوكيات الإسلام الصحيح، أو خذ كتاب
«قوارب النجاة» لترى فيه أحاديث لا تعرف لها مصدرًا ولا صحة، وغيرها من كثير من
كتب مكتبة الدعوة، وذلك عيب واضح في الكتابة في عصر أهم ما يميزه كثرة المطبوع،
فإن علوم الجرح والتعديل متوافرة، ولقد قام محققون أفاضل في تحقيق كثير من كتب
تراث هذه الأمة أمثال العالم الجليل «أحمد محمد شاكر» أو «حامد الفقي»
أو «الأرناؤوط» أو «الألباني» وغيرهم، فلماذا لا يرجع إلى أقوالهم
لمعرفة الصحيح والسقيم والمخالف، فالمطلوب من قلم الدعاة اليوم أن يكون صحيح السند
قوي العقيدة حسن السلوك في عافية من شطحات العقيدة والأخلاق.
المبدأ
السابع: «العمق الدعوي» فكرة وأسلوبًا:
فالناظر
في رفوف المكتبة الإسلامية يجد كتابات لا حصر لها في الدعوة ولكن عموم هذه
الكتب سطحي العرض، سطحي الفكرة، أو سطحي العرض قوي الفكر وقلة تلك التي تتميز بقوة
الأسلوب وعمق الفكرة، وكمثال على ذلك وليس حصرًا كتاب الداعية فتحي يكن -حفظه
الله- وأبقاه ذخرًا للدعوة الذي سماه «مشكلات الدعوة والداعية» الذي يعد
الأول من نوعه بالنسبة للمواضيع المطروقة، إلا أنه كتبه في صورة «مقالات
مقتضبة» سريعة مع خطورة وأهمية المواضيع. أو خذ كتاب سعيد حوى «دروس في
العمل الإسلامي» تجده كتابًا مقتضبًا جدًا مع قوة عناوين الفصول، وتود لو كان
إخراجه بصورة أفضل، وقس على ذلك الكثير من كتب المكتبة الإسلامية خاصة التي تناولت
أمور الدعوة، إننا بحاجة شديدة إلى عمق الأخوين «قطب» وبساطة «البنا» وتنظير
«المودودي» وصراحة «فتحي يكن».
المبدأ
الثامن: تكامل المجموعة التأليفية وتناسقها وتعاونها:
مما
يعين على تحقيق الثمرة الموجودة لقلم الدعاة هو تكامل مجموعة المؤلفين لتنتج لنا
نتاجًا متكاملًا متنوعًا مدروسًا.
هذه
المجموعة ينبغي أن تضم مربي الأطفال المسلم، وعالم الاقتصاد المسلم، والأديب
المسلم، والسياسي المسلم والداعية والشاعر بحيث تستطيع هذه المجموعة أن تؤلف
مجموعات متنوعة عامة ذات الصبغة العلمية الإسلامية التي يستفيد منها الرجل بقدر ما
تستفيد منها المرأة ويستفيد منها الطفل والناشئة بل حتى رجل الشارع وعموم الناس.
المبدأ
التاسع: تقريب وجهة نظر الدعوة إلى عموم الناس:
فلا
يزال الناس في نفور من الدعوة ورجالاتها، وعموم الكتابات المؤلفة للدعاة فقط وليس
لعامة الناس، ومن المعلوم أنه ليس جميع الناس دعاة، بل معظمهم خارج خط الحركة، فلابد
إذن من الدعوة أن تقترب منهم بعرض الأفكار عليهم بأقلام أدبية بليغة وبأسلوب ميسر
مبسط يستطيع شرح الغامض وكشف الشبهة وفتح المغلق وتحريك القلب والعقل معًا.
مبادئ
ثانوية:
هذه
تسعة مبادئ أرى أن لها الأولوية والمراعاة والأهمية وهناك مبادئ لا تجاري هذه، وقد
تكون أهميتها أقل مثل «الواقعية دون المثالية» أو «الكلام على يوميات
الداعية» ولكن لضيق الوقت لم نستطع أن نتناولها.
حاجة
ومؤتمر لاستثمار هذه المبادئ:
إن
هذه المبادئ يجب أن تنطلق من الحاجة الفعلية للدعوة ولا تكون من فراغ، وإن مما
يسندها أن تكون هناك ندوات ومؤتمرات لطرق حاجات الدعوة وتناقش فيها انطلاقات هذا
القلم المبارك وماضيه وحاضره ومستقبله.
وليعذرني
القارئ على هذه السرعة وأعلم أن أكثر الأمور بحاجة إلى مزيد بيان ولكن سامح
الله مجلة «المجتمع»، فهي لا تريد أكثر من جزء واحد فقط لأي مقال ﴿فَعَسَىٰ
أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء:
19).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل