; «الأقليات الإسلامية في أوروبا» و"وفقه العبادات" في ندوتين بباريس | مجلة المجتمع

العنوان «الأقليات الإسلامية في أوروبا» و"وفقه العبادات" في ندوتين بباريس

الكاتب مولود عويمر

تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2003

مشاهدات 72

نشر في العدد 1559

نشر في الصفحة 38

السبت 12-يوليو-2003

الأقليات في الثقافة الغربية والإسلامية: مفاهيم وممارسات

نظم المركز الثقافي الاجتماعي لمسجد الدعوة بباريس يومين دراسيين في 21- 22 يونيو الماضي، شهد حضورا كبيرا للجمهور الذي قدم من مختلف أحياء العاصمة الفرنسية وضواحيها.

خُصص اليوم الأول لموضوع «الأقليات في الثقافة الغربية والإسلامية: مفاهيم وممارسات».. وُزع المحور على ثلاث موائد مستديرة شارك فيها مجموعة من الباحثين المسلمين والغربيين؛ قدم الدكتور كمال الهلباوي ورقة بعنوان: «الأقلية المسلمة في بريطانيا: ما لها وما عليها»، وتكلم د. محمد سعيد رمضان البوطي عن مفهوم الأقليات في الإسلام، واعتبر أن هذا مصطلح دخيل على الإسلام الذي ليس فيه أكثرية وأقلية، بل عدالة اجتماعية، وشرح أحكام أهل الذمة وبين كيف رعى الإسلام حقوقهم، وأعطى صورًا عن تجاوبهم مع الدولة الإسلامية بشكل فعال.

تحدثت د. فرانسواز ميشو أستاذة التاريخ الإسلامي الوسيط بجامعة السوربون عن معاملة أهل الذمة عبر التاريخ، وحاولت أن تقدم التجربة التاريخية للإسلام في تعامله مع أهل الذمة في ظل المجتمعات الإسلامية، وقد قسمت هذه العلاقات إلى 3 مراحل تاريخية كبرى: من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر الميلادي حيث تمتع أهل الذمة بكل حقوقهم، ثم جاءت المرحلة الثانية التي تمتد حتى القرن السادس عشر وعرف خلالها أهل الذمة ظروفًا قاسية حسب رأيها، وفسرت هذا التشدد بعدة عوامل: تحول المسلمين من أقلية إلى أكثرية، وظهور الحروب الصليبية من الجهة الغربية وهجوم المغول من الشرق. وقد فرق المسلمون في الفترات الأولى بين مسيحيي الشرق العربي فسموهم النصارى، والمسيحيين الأوروبيين الذين يطلقون عليهم اسم الفرنج.

استعاد أهل الذمة حقوقهم من جديد في عهد العثمانيين وتمتعوا بحريات كاملة، خاصة بعد أن أصدر السلطان عبدالمجيد في عام 1856م قرارًا يعترف بالمواطنة لكل رعاياه مهما اختلفت دياناتهم. لقد تناولت الباحثة الموضوع من زاوية سياسية فقط، ولم تتعرض للجوانب الحضارية التي تزخر بنماذج كثيرة عن تسامح الإسلام مع أهل الذمة في مختلف مجالات الحياة.

وقدم الباحث ألكسندر كايرو من المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية بباريس، ورقة بعنوان: «إعداد فقه الأقليات في إطار المجلس الأوروبي للإفتاء». وتحدث عن الوجود الإسلامي بأوروبا الذي طالما قوبل بالرفض والتجاهل، مما دفع بالعلماء والفقهاء إلى وضع مفاهيم جديدة تأخذ بعين الاعتبار وضعية المسلمين كأقلية، فظهر ما يسمى بفقه الأقليات. وأشار إلى اختلافات تصنيف هذا العلم؛ فالشيخ يوسف القرضاوي يرى أن فقه الأقليات هو فرع من الفقه الإسلامي، بينما يعتبره د. طه جابر العلواني علمًا قائمًا بذاته يحاول الإجابة عن مختلف التحديات المطروحة على الجالية الإسلامية في البلدان غير المسلمة، وتتمثل أولى الصعوبات في تخليص القراءات التقليدية للفقه من أثقال قرون عديدة مرتبطة بالبيئة والتقاليد والأعراف السائدة في العالم العربي والإسلامي، وقد تسمح هذه الخطوة الجريئة بالتفكير في الإسلام في أوروبا من زاوية جديدة.

واعتبر الباحث أن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث من أبرز المؤسسات الدينية في الغرب التي تراعي هذه الخصوصيات والمعطيات الجديدة، وهذا المجلس الذي يترأسه د. القرضاوي تأسس في لندن في مارس 1997م، ويضم 32 عضوًا من أبرزهم: الشيخ فيصل مولوي من لبنان، والدكتور عجيل النشمي من الكويت، والدكتور محمد الهواري من ألمانيا، والدكتور مصطفى سيريتش من البوسنة، ومقره بدبلن بأيرلندا.

وتحدث الدكتور مراد هوفمان عن الحقوق الدينية في أوروبا بين النظرية والتطبيق؛ فذكر الفوارق بين القوانين المسنونة وتطبيقها لصالح المسلمين؛ فالعادات الإدارية الحالية لا تخدمهم، وهذا يشكل خطرًا على السلم الاجتماعي، فتفاعل الشباب المسلم مع المجتمع الغربي يجب أن يبدأ من تغيير معاملته لهم.

وقدم د. رومان غارباي، أستاذ محاضر بجامعة السوربون دراسة مقارنة لمشاركة الأقليات المسلمة في السياسة المحلية في كل من بريطانيا وفرنسا، وهي دراسة ميدانية لأحوال المسلمين في مدينتي برمنغهام البريطانية وليل أكبر مدن الشمال الفرنسي، فيما بين 1980م و2000م. وتعتبر البلدتان مناطق صناعية جذبت العديد من المهاجرين المسلمين وتخضعان لحكم يساري منذ أكثر من عشرين سنة. ورغم هذا التشابه، فإن تعامل القادة السياسيين مع هذه الأقليات يختلف كثيرًا من بلدة لأخرى؛ ففي برمنغهام وُجد منذ الثلاثينيات تحالف سياسي بين حزب العمال ونشطاء الجمعيات الإسلامية وهم من أصول باكستانية أو من جزر الأنتيل، في حين أن في مدينة ليل قابلت البلدية مختلف المحاولات المبذولة من طرف شبان من أصل مغاربي باللامبالاة أو الرفض. غير أن مدينة «روبيه» التي يمثل المسلمون فيها 45% من مجموع عدد السكان تقل حدة هذه الملاحظة السلبية فيها، وثبت أنه ضمن بعض الظروف الخاصة بهذه المدينة يمكن للمسؤولين عن الجمعيات الإسلامية من ذوي الأصل المغاربي الوصول إلى أماكن حساسة، وذكر الباحث مثالًا بتزايد عدد المستشارين من أصول مغاربية في هذه المجالس البلدية.

العبادة: تجانس روحي وتكامل اجتماعي

وخُصص اليوم الثاني لموضوع «العبادة: تجانس روحي وتكامل اجتماعي» بعناوين مثل: العبادة هي التقرب إلى الله بصالح الأعمال، كيف تكون العبادة؟ ما أنواعها؟ ما أفضل العبادات عند الله؟ ما أفضل أوقات وأماكن العبادة؟ كيف تؤثر العبادة على فاعلية الفرد ورقي المجتمعات؟ كل هذه الأسئلة وغيرها حاول الإجابة عنها مجموعة من العلماء والمفكرين.

ترأس الجلسة الأولى الدكتور مولود عويمر، وتحدثت فيها الكاتبة جنات جان لي بارادي، وكمال الهلباوي، ود. مراد هوفمان المفكر الألماني المسلم.

انطلقت «جنات» من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). وحللت مجموعة من المفاهيم المرتبطة بالعبادة كالخضوع لله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيثار، والخوف من الله، وتناولت بالشرح أنواع العبادات وربطت كل معنى بالآيات القرآنية، وكانت تلاوتها مؤثرة جدًّا- وهي عجوز تنطق الآيات بنبر فرانكفوني.

وقد تعمقت في الموضوع حتى جعلت مهمة الهلباوي صعبة، لكنه عرف كيف يعطي مسحة جديدة لمحاضرته، فتحدث عن حب الله ورضا الله اللذين يلخصان في نظره المعنى الإجمالي للعبادة، وتكلم عن شروط العبادة مركزًا على الانقياد والاستسلام والخضوع، وألح أيضًا على العلم والمعرفة والتفكر كأسمى أنواع العبادات.

قدم هوفمان ورقة بعنوان: «التدين أو مزاوجة التأمل والعمل»، فقارن بين نظرتي الإسلام والنصرانية للإنسان، وركز على النظرة الكلية التي يتميز بها الإسلام حيث راعى فطرة الإنسان من عواطف وغرائز وضعف وخوف وفقر، ونبذ التشدد والتطرف، وربط بين الجانب التشريعي والجوانب الأخرى كالعقائد والمعاملات والأخلاق؛ فالإسلام دين متكامل.

وبعد المناقشات، تواصلت فعاليات الملتقى بمائدة مستديرة شارك فيها كل من: د. البوطي، والشيخ الحبيب الجفري، والدكتور العربي كشاط عميد مسجد الدعوة ومنظم الملتقى.

أكد البوطي أن العبادة في الإسلام هي المرآة التي يحقق الإنسان من خلالها ذاته، وذكر مشاعر العبودية لله التي سماها بالعثور على هوية العبودية: الحب، التعظيم، والمهابة، ويرى أن الإنسان إذا استقرت فيه هذه المعاني الثلاث أصبح كل عمله تعبيرًا لعبادة الله وحبه له؛ فكل فعل يقوم به هو تقرب لله سبحانه، وسيشعر كل مرة بلذة حب الله وهي ألذ من كل أنواع الحب.

وتحدث د. العربي كشاط عن مجموعة من المفاهيم المرتبطة بالعبادة، خاصة في ترجمتها الفرنسية التي تعجز عن التعبير عن المعاني الروحية العميقة بشكل دقيق، وبين أن العبادة ليست فقط أداء للشعائر، وإنما أيضًا معاملات وأخلاق وتكامل اجتماعي.

الرابط المختصر :