العنوان الإعجاز العلمي للقرآن الكريم بين مؤيديه ومعارضه
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2001
مشاهدات 62
نشر في العدد 1468
نشر في الصفحة 42
السبت 15-سبتمبر-2001
ظهر لون جديد من تفسير القرآن الكريم في العصر الحديث يربط بين الآيات القرآنية وبين الحقائق العلمية المكتشفة، وكان من أبرز أعلامه في القرن الماضي محمد فريد وجدي وعبد الرزاق نوفل... وتضاربت مواقف الدارسين في شأنه، فبعضهم رفضه بحجة أن القرآن الكريم كتاب هداية وليس كتاب جغرافيا وجيولوجيا وعلوم... وبحجة خطورة ربط حقائق القرآن الكريم الثابتة المطلقة بالنظريات العلمية المتغيرة النسبية إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى اضطراب ثقة الناس بالقرآن الكريم، وبحجة عدم انطباق تعريف المعجزة على التفسير المسمى بالإعجاز العلمي، فما قيمة مثل هذا المنهج في التفسير وما وزن الحجة الرافضة له؟
إن نظرة سريعة إلى القرآن الكريم تؤكد لنا كثرة الآيات التي أشارت إلى مظاهر الكون وإلى بعض النواميس والقوانين والنظريات التي تحكم حركة الكون، والتي قدرها بعض الباحثين بسدس القرآن الكريم وليس من شك في أن هناك حكمة من وجود مثل هذه الكثرة من الآيات، وأبرز عناصر هذه الحكمة توليد تعظيم الله وتوليد الثقة به تعالى وتوليد رجانه تعالى... ويمكن أن نمثل على ذلك بقوله سبحانه ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا (6) وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا (7) وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا (8) وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا (9) وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا (10) وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا (11) وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا (12) وَجَعَلۡنَا سِرَاجٗا وَهَّاجٗا (13) وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا (14) لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا (15) وَجَنَّٰتٍ أَلۡفَافًا (16)﴾ (النبأ: 6-16)، فقد لفتت الآيات الأنظار إلى الأرض الممهدة وإلى الجبال المنتصبة وإلى مبدأ الزوجية في الخلق وإلى جعل النوم راحة للإنسان وإلى ظاهرتي الليل والنهار وإلى السموات المبنية وإلى الشمس الملتهبة وإلى نزول المطر ودوره في نماء النبات.
إن تلك الظواهر الأرض والجبال والنوم والليل والنهار والشمس والماء والنبات التي أشارت إليها الآيات تبني تعظيم الله في القلب وتبني الثقة به تعالى وتبني رجاءه تعالى، وتوجه إلى حمده وشكره على تلك النعم. توجهه إلى ذلك كله ولو كانت النظرة في أبسط حالاتها وهي النظرة الخارجية السطحية.
لكن تعظيم الله يزداد والثقة به تزداد ويزداد التعظيم كذلك للقرآن الكريم والثقة به عندما تتطابق الحقائق العلمية مع الإشارات القرآنية. وإذا أخذنا قوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ (النبأ: 12) نرى أنه عندما ينظر المسلم إلى السماء فوقه نظرة سريعة بسيطة، فإن هذه النظرة تجعله يشعر بالقوة والشدة والإحكام في بناء السماء ويتولد عنده تعظيم الله تعالي والثقة به ورجاؤه سبحانه نتيجة هذه النظرة البسيطة السريعة، ولكنه عندما يعلم أن العلم الحديث اكتشف أن هناك سبع سماوات وتطابق ذلك مع القرآن الكريم ثم عندما يأتي العلم الحديث بتفصيلات عن ضخامة بناء السماوات وسعتها وإحكامها.... من مثل أن هناك مائة ألف مليون نجم في كل سماء وأن هذه النجوم تدور في أفلاك منتظمة منذ ملايين السنين لا تتصادم ولا تتوقف لا شك أن مثل هذا يجعل المسلم يزداد تعظيمًا وثقة وحبًا للقرآن الكريم، وهذا نفي لحجة المعترضين الأولى. فقد بقي القرآن الكريم كتاب هداية، بل ازدادت الهداية وتعمقت -كما رأينا- مع الربط بين الآيات الكريمة والحقائق العلمية.
أما بالنسبة للحجة الثانية التي ترى أن الربط بين الآيات الكريمة والحقائق العلمية قد يهز الثقة في القرآن الكريم وبخاصة عندما يتغير الموقف العلمي فإن هذه الحجة ضعيفة لأن الربط يجب أن يكون بين الحقائق العلمية وبين صريح القرآن الكريم، والحقائق العلمية لا تتغير، وعندما تتغير فتكون حينئذ ظنونًا علمية لا حقائق علمية.
وقد نفى علماؤنا السالفون وأبرزهم ابن تيمية أن يكون هناك تعارض بين صحيح المعقول وصريح المنقول، وألف ابن تيمية كتابًا من أعظم الكتب في التاريخ الإسلامي وسماه دره تعارض النقل والعقل أو موافقة صحيح المعقول الصريح المنقول قرر فيه أنه لابد من توافق الصحيح من كل علوم العقل مع الصريح من أقوال النقل، وإذا حدث تعارض فهذا يعني أحد امرين: إما أن العلم العقلي غير صحيح فهو ليس علمًا، وإما أن القول المنقول ليس ثابتًا فهو ليس من الإسلام.
أما بالنسبة للحجة الثالثة فهي ترفض الإعجاز العلمي بحجة أنه لا ينطبق عليه تعريف المعجزة كما عرفها علماء الأصول. وهذه الحجة واهية أيضًا لأن مصطلح المعجزة مصطلح جديد لم يرد في قرآن ولا في سنة، وقد استخدم القرآن لفظ
الآيات للدلالة على المعجزات، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ﴾ (الإسراء: 101) وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (الإسراء: 59) وكذلك استخدمت السنة اللفظ نفسه فقال رسول الله ﷺ: «ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». رواه مسلم
بين الآية والمعجزة
وقد عرف العلماء المعجزة فقالوا: «هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، مع عدم المعارضة من المرسل إليهم»، فالمعجزة -حسب التعريف السابق- لها ثلاثة أركان الأول حدوث أمر خارق للعادة الثاني تحدي الناس المعاصرين بهذا الأمر الخارق الثالث عجز الناس المعاصرين عن المعارضة.
ولو طبقنا مصطلح المعجزة على معجزات الأنبياء لوجدنا أن كثيرًا منها لا يندرج تحت ذلك المصطلح بأركانه الثلاثة ولو أخذنا آيات سيدنا موسى -عليه السلام- كمثال على ذلك نجد أن هذا المصطلح بأركانه الثلاثة ينطبق على معجزتين فقط من المعجزات التسع التي أعطاه الله تعالى إياها -وهما العصا واليد-، فهما اللتان تحدى بهما موسى عليه السلام فرعون، وهما اللتان عجز الناس عن معارضتهما. قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي (17) وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ (18) قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ (19) فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ (20) قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ (21) وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ (22) لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى (23) ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ (24) ﴾(طه: 17-24)
أما المعجزات السبع المكملة للمعجزتين السابقتين -التي أجراها الله تعالى على يدي موسى عليه السلام والتي أشارت إليها آية الإسراء وهي: الدم والضفادع والقمل والجراد والجدب ونقص الثمرات والطوفان- فلم يقصد بها التحدي قال تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 133) هذا مع العلم بأن الله أجرى على يدي موسى -عليه السلام- معجزات كثيرة لا تدخل ضمن المعجزات التسعة الموجهة إلى فرعون وقومه ومنها معجزة شق البحر لإهلاك فرعون وجنوده ومعجزة ضرب العصا في الأرض لتفجير اثنتي عشرة عينًا من أجل أن تشرب أسباط بني إسرائيل، ومعجزة إهلاك عدد من رجال بني إسرائيل ثم إحيائهم، ومعجزة رفع الطور فوق بني إسرائيل وهو الجبل العظيم ودعوتهم إلى أخذ الميثاق بقوة وقد وردت آيات متعددة عن تلك الوقائع كلها في القرآن الكريم، فقد تحدث عن معجزة شق البحر لإنجاء بني إسرائيل قال ﴿فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ (63) وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ (64) وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ (66)﴾ (الشعراء: 63-66) وتحدث القرآن عن معجزة انفجار العيون من الحجر فقال تعالى ﴿۞ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: 60)، وتحدث القرآن عن إهلاك بعض رجال بني إسرائيل عندما طلبوا رؤية الله جهرة ثم إحيائهم فقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 55:56)، وتحدث القرآن الكريم عن معجزة رفع الطور فوق بني إسرائيل فقال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: 63)
ومن الواضح أن الله تعالى أجرى هذه المعجزات على يدي موسى عليه السلام لحكم متعددة منها زيادة يقين بني إسرائيل بنبوة موسى عليه السلام، وحضهم على تنفيذ تعليمات التوراة وإجزال النعم عليهم من أجل تعميق إيمانهم بالله تعالى.
معجزات محمد ﷺ
ولو طبقنا مصطلح المعجزة على ما أجراه الله تعالى على يدي رسولنا محمد ﷺ من معجزات لوجدناه ينطبق على معجزة واحدة من معجزاته ﷺ وهي القرآن الكريم، حيث قال تعالى ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)﴾ (البقرة: 23:24)
أما معجزات الرسول ﷺ الأخرى الكثيرة مثل الإسراء والمعراج، وانشقاق القمر، ونبع الماء من بين يديه، وتكثيره الطعام القليل، وتكليمه الشجر والحجر الخ فلا ينطبق عليها مصطلح المعجزة السابق.
ونخلص من كل ما سبق إلى أن التفسير العلمي للآيات القرآنية فيه خير كثير فهو يزيد الهداية ويعمق اليقين بأن القرآن الكريم من عند الله تعالى. وقد جاء الإشكال والالتباس عند كثير من المسلمين من إسقاط مفاهيم مصطلح المعجزة على هذا التفسير، فإذا عرفنا أن مصطلح المعجزة جديد، وأن مضمونه حدده بعض علماء أصول الدين، وأن المصطلح الذي استخدمه القرآن والسنة للدلالة على المعجزة والمعجزات هو مصطلح الآية والآيات، وأن كثيرا من المعجزات التي أجراها الله تعالى على أيدي الأنبياء والرسل -ومنهم رسولنا محمد ﷺ- لا تدخل ضمن نطاق مصطلح المعجزة الذي قننه بعض العلماء المتأخرين نكون بهذا التوضيح قد أزلنا كثيرًا من الشكوك التي تحوم حول هذا التفسير.