; المجتمع التربوي (1467) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1467)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2001

مشاهدات 68

نشر في العدد 1467

نشر في الصفحة 54

السبت 08-سبتمبر-2001

وقفة تربوية:

احذر أبناء الدنيا:

صدق رسول الله- صلي الله عليه وسلم- عندما قال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» ومعنى ذلك أن الإنسان يتأثر بمن يحتك به إما تأثرًا إيجابيًّا أو سلبيًّا، فإن كان من أبناء الآخرة تأثر به إيجابيًّا وقربه إلى الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وإن كان من أبناء الدنيا، والغافلين عن الآخرة قربه إلى الدنيا وأخلاق أهل الدنيا وما قرب إليها من قول أو عمل، ولا يمكن أن يجمع هذا القلب حبين للدنيا وللآخرة، فإن أحدهما يطرد الآخر.. ولقد رأينا الكثيرين من الملتزمين ممن كانوا مع الدعاة إلى الله، وفي أجواء العلم والإيمان كيف تغيرت أحوالهم عندما احتكوا بأبناء الدنيا فتغيرت ملابسهم، وأقوالهم، وطبائعهم وعباداتهم، وشهواتهم، حتى نزع الله النور من وجهوهم وألبسهم الذل والهوان وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ (الحج:18) ويقول: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (النور:40).

يروي الإمام ابن كثير عن أحد هؤلاء الذين تغيروا بعد احتكاكهم بأبناء الدنيا فيقول- في البداية والنهاية ۳/۱۳3- عند ترجمة الجمال عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي: «كان فاضلًا كريمًا، حييًّا، سمع الكثير، ثم خالط الملوك وأبناء الدنيا، فتغيرت أحواله».

فالدعاة إلى الله مدعوون للاحتكاك بأبناء الدنيا، ولكن بهدف الدعوة إلى الله، وتبيين الحق والتذكير بالآخرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحفيزهم لفعل الخير والدفاع عن أهل الحق.

 أما إذا تجاوز الأمر ذلك إلى مؤانسة الطبع، والوقوع في حبائل الدنيا، وجاذبية زينتها، فإن علامات الخوف من التبدل والتأثر السلبي الذي حذر منه الرسول- صلي الله عليه وسلم- تكون ماثلة.

أبو خلاد

لماذا يقدم الشهداء أرواحهم في سبيل الله ؟

هذه صيغة لسؤال معدل يسأله كثير من الناس لنفسه عن الدوافع التي تدفع الشباب- في فلسطين والشيشان والبوسنة وغيرها من البقاع- إلى تقديم هذه التضحيات العظيمة بأرواحهم في سبيل الله؟ لقد وجدت إجابة عن هذا السؤال في أثناء اطلاعي على تفسير سورة الحجرات في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب- يرحمه الله- عندما تحدث عن أثر الإيمان في النفس، فقد قال: « والإيمان قوة رائعة وطاقة مجمعة، فما تكاد حقيقته تستقر في القلب حتى تتحرك لتعمل ولتحقق ذاتها في الواقع، ولتوائم بين صورتها المضمرة وصورتها الظاهرة. 

ذلك سر قوة العقيدة في النفس وسر  قوة النفس بالعقيدة، سر تلك الخوارق التي صنعتها العقيدة في الأرض وما تزال كل يوم تصنعها. الخوارق التي تغير وجه الحياة من يوم إلى يوم وتدفع بالفرد والجماعة الى التضحية بالعمر الفاني المحدود في سبيل الحياة الكبرى التي لا تفنى، وتقف بالفرد القليل الضئيل أمام قوى السلطان وقوى المادة وقوى الحديد والنار، فإذا هي كلها تنهزم أمام العقيدة الدافعة في روح فرد مؤمن، وما هو الفرد الفاني الذي هزم تلك القوى جميعًا، ولكنها القوة الكبرى التي استمدت منها تلك الروح، والينبوع المتفجر الذي لا ينضب ولا ينحسر ولا يضعف..

قوة العقيدة سر السعادة:

تلك الخوارق التي تأتي بها العقيدة الدينية في حياة الأفراد وفي حياة الجماعات لا تقوم على خرافة غامضة، ولا تعتمد على التهاويل والرؤى وإنما تقوم على أسباب مدركة وعلى قواعد ثابتة ويضيف قطب- يرحمه الله : « إن العقيدة الدينية فكرة كلية تربط الإنسان بقوى الكون الظاهرة والخفية، وتثبت روحه بالثقة والطمأنينة وتمنحه القدرة على مواجهة القوى الزائلة والأوضاع الباطلة بقوة اليقين في النصر وقوة الثقة في الله، وهي تفسر للفرد علاقاته بما حوله من الناس والأحداث والأشياء، وتوضح له غايته واتجاهه وطريقه وتجمع طاقاته كلها وتدفعها في اتجاه.

 ومن هنا كذلك قوتها، قوة تجميع القوى والطاقات حول محور واحد، وتوجيهها في اتجاه واحد. تمضي إليه مستنيرة الهدف، في قوة، وفيثقة، وفي يقين».

ويواجه سيد قطب هؤلاء الذين لا هدف لهم في الحياة إلا المأكل والمشرب فيقول:

«وهكذا تختفي مشاعر القلق والشك والحيرة الناشئة عن عدم معرفة المنشأ والمصير وعدم رؤية المطوي من الطريق وعدم الثقة بالحكمة التي تكمن وراء مجيئه وذهابه، يختفي شعور كشعور الخيام الذي يعبر عنه بما ترجمته:

لبست ثوب العمر لم أستشر

 وحرت فيه بين شتى الفكر

وسوف أنضو الثوب عني ولم

أدر لماذا جئت أين المفر؟

فالمؤمن يعرف أنه يلبس ثوب العمر بقدر الله الذي يصرف الوجود كله تصريف الحكيم الخبير وأن اليد التي ألبسته إياه أحكم منه وأرحم فلا ضرورة لاستشارته لأنه لم يكن ليشير كما يشير صاحب هذه النعمة العليم البصير»

كل تعب مثمر:

ولقد عاش سيد قطب نفسه فترة من فترات الضياع والقلق قبل أن يحيا في ظلال القرآن مما جعل نفسه المتعبة تعبر عن هذا الشعور بمرارة، لكنه يسجل- رادًّا على نفسه بعد أن هداه الله تعالى : أنا أعرف اليوم- ولله الحمد والمنة أنه ليس هناك جهد غبين فكل جهد مجزي، وليس هناك تعب ضائع، فكل تعب مثمر، وأن المصير مرض وأنه بين يدي عادل رحيم، وأنا أشعر اليوم ولله الحمد والمنة- أن الكون لا يقف تلك الوقفة البائسة أبدًا، فروح الكون تؤمن بربها، وتتجه إليه وتسبح بحمده والكون يمضي وفق ناموسه الذي اختاره الله له في طاعة وفي رضا وفي تسليم».

سید مصطفى جويل

إدارة الوقت في المؤسسات الدعوية:

محمد شحادة ([1])

لا نعدو الحقيقة في شيء إذا اعتبرنا أن التخلف الإداري في بلادنا الإسلامية هو ما أدى إلى التخلف في مجالات الحياة المختلفة، وجعل غيرنا يتولى شؤوننا ويقودنا إلى التراجع في عالم الفاعلية والإنتاج على مختلف الأصعدة، ذلك أن الإدارة بمثابة الدماغ من الجسد، إذا تعطل عمله أو ضعف اختلت حركة ذلك الجسد.

تأتي إدارة الوقت في الدرجة الأساس بين أنواع الإدارات الأخرى. ومع كونها تركز- ابتداء- على إدارة الذات إلا أنها بلا شك أساس صلاح المؤسسة والمجتمع والأمة، إذ إن حسن إدارة الأفراد لأعمالهم فيه ارتقاء وتنمية للجماعة المسلمة بشكل عام.

لكن كيف ندير الوقت لنصل إلى الفاعلية في مؤسساتنا الإسلامية؟ إننا بحاجة لتعلم مهارات إدارة الوقت، وقبل ذلك يجب توضيح مفهوم الوقت من منطلق إداري عملي، وأحد التعريفات الإدارية له أنه: «سلسلة متصلة من أحداث يتبع أحدها الآخر في الماضي مرورًا بالحاضر إلى المستقبل، إن العنصر الأساسي في فهمنا الواقعي للوقت هو «الحدث» وأهمية الوقت تكمن بما حدث فيه، وإن قيمة الوقت بما يملؤوه من أعمال وأحداث، فإذا كنا لا نستطيع التحكم في الوقت نفسه، فإننا نستطيع بلا شك التحكم في الحدث خلاله، لذلك قال «الين لاكين» وهو أحد كبار المستشارين الإداريين: «التحكم هو المبدأ الأساسي لإدارة الوقت».

التحكم في الحدث:

إن التحكم في الحدث الخاص في معظم الأوقات يتبعه تحكم عام في مسيرة حياتك وتحقيق أهدافك والوصول إلى الغايات التي تنشد وعكس ذلك أن يكون الفرد في ضياع تام...

يتعامل مع الحدث حين يحصل كردة فعل إذ إنه لا يصنع الحدث، بل كل ما حوله يؤثر في مجرى حياته كأنه ريشة في مهب الريح. إن لب إدارة الوقت لدى العاملين في أي مؤسسة هو أن تحدد ماذا تريد- هذه المؤسسة- إنجازه وكيف تحقق ما تريد وتحدد نتيجة السؤال الأول للأهداف التي تريد المؤسسة بلوغها، بينماترسم نتيجة السؤال الثاني خطة الوصول إلى ذلك.

إن تصرفات العاملين في المؤسسات الإسلامية نتاج شخصي، وهي إما أن تكون انفعالية عشوائية تتفاعل مع الحدث بعد حصوله، أو بمبادرة شخصية تسبق وقوع الحدث والتخطيط المنهجي سمة أصحاب المبادرة الذين يعلمون ماذا يريدون في مستقبل المؤسسة وكيف يصلون إلى ذلك، ساعين في حركتهم اليومية لبلوغ ذلك.

والتخطيط يتطلب درجة عالية من الحضور الذهني، ومقدرة قوية على الخروج بالمخيلة من عالم الواقع إلى عالم البصيرة، لكي يقيم حاضر المؤسسة ويرسم مستقبلها والتخطيط سنة الله في خلقه، ذلك أن النتائج مترتبة على المقدمات وأن الأسباب قائمة على المسببات لاسيما وأن مهمة الدين الكبرى قائمة على إعداد الإنسان لحياة المستقبل، سواء أكان ذلك لغده القريب في الدنيا أو البعيد في الآخرة. 

دور الفرد: يدرك العاملون في المؤسسة الناجحة إلى أين المسير فيوجهون دفتها نحو أولويات يضعونها، وأهداف ينشدونها، وإلا كانت مسيرة المؤسسة كإبحار سفينة من غير ميناء تقصده، تاركة العنان للأمواج والرياح تتقاذفها تارة يمنة، وتارة يسرة، وإن الفشل في تحديد الأهداف، وغياب التخطيط نتيجته واقع الضعف الذي نراه في كثير من مؤسساتنا ومشروعاتنا الإسلامية.

لذلك لابد من اتباع منهجية منظمة لإدارة السلوكيات الفردية لدى العاملين في مؤسساتنا كما لابد من استخدام منظومة علمية للتخطيط وآلية لإدارة الوقت للحؤول دون فقدان توجه الأفراد في المؤسسة، فيخطط الفرد يومه بدقة ويحدد ما يجب أن ينجزه في هذا اليوم بحسب الخطط التي وضعها أو وضعت له، ثم يرتب سلم أولويات برنامج عمله اليومي لكي ينجز أهم واجباته إن لم يستطع إتمام كل ما سجله، ولابد للعامل من أن يكون له كذلك وقفات دورية لتقويم الماضي والنظر في المستقبل- كل أسبوع وكل شهر وكل عام- وذلك لتقويم تقدمه نحو بلوغ الأهداف، وتعديل الخطط، ولابد من مشاركة الفريق الذي يعمل معه في ذلك، فيتقدم الجميع- كل يوم- نحو تحقق المراد، وعندها تكون الرؤي قد أصبحت أهدافًا منشودة، والأهداف خططًا والخطط حركة، والحركة واقعًا ملموسًا، فتتمكن المؤسسة من تحقيق الرسالة التي تعمل لها، وكل ذلك متوقف ابتداء على توفيق الله بلا ريب. 

والأمر هكذا، فإنني أعد بحثًا أكاديميًّا لنيل درجة الدكتوراه في مجال « إدارة الوقت بين التراث والمعاصرة»، وأود في بحثي هذا إجراء دراسة ميدانية إحصائية أتعرف من خلالها على مدى فاعلية المسلم في اغتنام وقته في عالمنا المعاصر، ومدى استخدامه لمبادئ ولآليات إدارية لهذا الغرض، وعلاقة ذلك بخلفيته العلمية والبيئية والاجـتـمـاعـيــة، وستجمع المادة الإحصائية من قبل المسلمين في أمريكا وبعض دول أوروبا وعدد من الأقطار العربية والإسلامية إن شاء الله في استبيان استقرائي نهيب بك أن تملأه، وذلك بملء الاستبيان المرفق على الموقع التالي:

www.islam.org/survey/ tm-survey.asp

وللتعاون في جمع عينة الاستبيان أرجو الاتصال على العنوان التالي:

Mohamad Chehade,

p.o.box 2145,

Bridgeview, IL USA, 60455

Mshihad @Hotmail.com


دروس تربوية من وصايا لقمان لابنه (۳ من۳):

قيم السلوك وفن التعامل مع الناس:

بقلم: د. علي محيي الدين القرة داغي 

  • حركات الوجه والجسم لها دلالات إيجابية وأخرى سلبية عند التعامل مع الناس.
  • خصص لقمان وصيتين من وصاياه للنهي عن الكبر لما له من تأثير على الدين.

تحدثنا في الأسبوع الماضي عن أهمية البدء بغرس العقيدة الصحيحة في نفس الولد، باعتبارها الأساس لبناء إيمانه، وقلنا: إن الواعظ الناجح يراعي فقه الأولويات ويسير وفق خطة زمنية محكمة، كما أن عليه أن يأتي بالبدائل المقبولة عندما ينهى عن الأمور المستهجنة.

وفي هذه الحلقة «الأخيرة» نستكمل ذكر بعض الفوائد المستخلصة من الجانب التربوي في وصايا لقمان لابنه علنا ننتفع بها :

سابع عشر: العناية القصوى بغرس القيم والأخلاق، وبالأخص قيم السلوك، وفن التعامل مع الناس من التواضع وعدم التكبر، والتوسط في الأصوات والمشي قال تعالى : ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان:18-19) وتتضمن هذه الآيات نصائح عدة:

1- ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ والصعر: الميل والمعنى: ولا تمل خدك للناس كبرًا عليهم وإعجابًا، واحتقارًا لهم قال الشاعر:

وكنا إذا الجبار صعر خده *** أقمنا له من ميله فتقوم

والصعر في الأصل داء يصيب الإبل في رؤوسها حتى يلف أعناقها ويلوي رؤوسها فتسقط بعد ذلك. 

وسبحان الله .. فالمناسبة بين الكبر وأصل الصعر واضحة جدًّا إذ إن الكبر مرض خطير مثل مرض الصعر يؤدي إلى سقوط صاحبه، وقطع عنقه، وفي الآية توجيه كريم للمربي بأن يستعمل الأمور المادية المعروفة، وأن يربط بين الأمراض المادية القاتلة والأمراض المعنوية التي هي أكثر فتكًا لمستقبل الإنسان في دنياه وأخراه، فقد استعمل القرآن الكريم هذه الكلمة الرائعة التي هي في حد ذاتها تقبح الكبر وتستهجنه.

ولذلك أطالب أولياء الأمور بالاستعانة بالصور الموضحة وبعرض الأفلام الهادفة التي تتحدث عن المصابين بمرض الإيدز والزهري عند الحديث عن الزنى والشذوذ ويربط بينهما ربطًا محكمًا، ثم يذكر في المقابل آثار الطهر والعفاف وكذلك الحال بالنسبة للأفلام الخاصة بالمدمنين للمخدرات والخمور إلخ.

وفي كلمة «للناس» لفتة أخرى إلى استقباح الكبر، وهي أنك أيضًا من الناس، فبأي وجه تتكبر على من أنت واحد منهم؟

أهمية حركات الوجه: في هذه النصيحة توجيه لأهمية حركات الوجه: والعنق والرأس بل وبقية الأعضاء، إذ يجب على الوالد أو المربي أن يولي عنايته بتربية الولد والمتربي من حيث كيفية مواجهته للناس واستقباله لهم وحركاته معهم بأن يسمع لهم متواضعًا ويقف وكل أعضاء بدنه لا تدل على الكبر والخيلاء فلحركات الرأس والعينين والحاجب والشفتين، واللسان وحتى في كيفية الوقوف دلالات إيجابية وسلبية معروفة في المجتمع، فعليه أن يعلمه هذه الدلالات ويدربه على أحسن الخلق في هذه المجالات.

وقال بعض المفسرين إن المراد بقوله: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ التذلل للناس، والسؤال عنهم والتضرع إليهم، وذلك لأن الإبل حينما تصاب بداء الصعر تنحني رأسها وتذل رقبتها والمعنى الأول أظهر ولكن لا أرى مانعًا من إرادة هذا المعنى أيضًا، إذ هو مناسب لداء الصغر، حيث ترفع الإبل معه في البداية عنقها ثم في النهاية تنحني رقبتها فتموت.

 فكل من التكبر والتذلل لغير الله تعالى قبيح مستهجن ليس من شيم النبلاء والأكرمين.

 قال الماوردي في النكت والعيوب «ط أوقاف الكويت3/282»: وفي معنى الآية خمسة أوجه: أحدها: أنه إعراض الوجه عن الناس تكبرًا. قاله ابن جبير

الثاني: هو التشدق، قاله إبراهيم النخعي.

 الثالث: أي يلوي شدقه عند ذكر اللسان احتقارًا، قاله أبو الجوزاء»

الرابع: هو أن يعرض عمن بينه وبينه خصام هجرًا له فكأنه أمر بالصفح والعفو، قاله مجاهد.

 الخامس: أمره أن يكون الغني والفقير عنده في العلم سواء، قاله الربيع بن أنس.

٢ . ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ فسر بالكبر والخيلاء، فيكون بذلك يوصيه بأن لا يتكبر من خلال وجهه، ولا من خلال مشيته متكبرًا ومتجبرًا ومختالًا.

 قال ابن عطية في تفسيره (11/503) ط قطر : « المرح النشاط وأهل هذا الخلق ملازمون للفخر والخيلاء، فالمرح مختال في مشيته، وقد قال- صلي الله عليه وسلم- من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، وروى الشيخان بسندهما عن أبي هريرة عن النبي- صلي الله عليه وسلم- قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا»..

 وفسره بعض المفسرين بأن لا يمشي في الأرض المخلوفة لله تعالى بالمعصية، وفسره بعضهم بأن لا يمشي فيها من غير شغل ولا حاجة أي لا تسافر إلا لشغل أو حاجة، ولكن جمهور المفسرين على أن المقصود به هو الكبر.

وفي ضوء ذلك خصص لقمان وصيتين من وصاياه النهي عن الكبر، وفي ذلك دلالة عظيمة على خطورة الكبر من حيث الجانب الديني الذي وردت فيه آيات وأحاديث كثيرة تدل على عظم ذنوب المتكبرين وسوء عاقبتهم وحرمانهم من الجنة وكذلك للكبر دور سلبي خطير في التعلم، فالمتكبر لا يتعلم، إذ يمنعه كبره عن العلم إضافة إلى أن الله تعالى لا يهدي نور العلم للمتكبرين المتجبرين، وإذا أعطاهم فإنه استدراج، وعلم غير مبارك.

الاختيال.. والقصد!

3- ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾  قالالماوردي (3/283) في تفسير «المختال»: «فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه المنان أي الذي يمن على الناس، قاله أبو ذر، والثاني: المتكبر، قاله مجاهد والثالث البطر، قاله ابن جبير»، وقال في تفسير «فخور» فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه المتطاول على الناس بنفسه، قاله ابن شجرة، والثاني: أنه المفتخر عليهم بما يصفه من مناقبه، قاله ابن عيسى والثالث أنه الذي يعدد ما أعطى ولا يشكر الله فيما أعطاه قاله مجاهد».

4-  و﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾ أي فليكن مشيك في قصد وتوسط بين الإسراع الذي يذهب هيبة الإنسان، والبط الذي قد يدل على التبختر والكبرياء، وليكن مشيك أيضًا في تواضع، وانظر في مشيتك إلى موضع قدمك، ولا تنظر نظرات كثيرة يمينًا وشمالًا، وهذا هو البديل الذي رسمه له لقمان بعدما نهاه عن المشي مرحًا. 

غض الصوت:

5- ﴿ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أي اخفض من صوتك، وغض منه، فإن غض الصوت أوفر للمتكلم وأبسط لنفس السامع وفهمه، وأما الجهر بالصوت فهو يؤذي السمع ويقرع الصماخ بقوة وربما يمزق الغشاء الذي داخل الأذن.

 ثم ضرب له مثلًا واضحًا مشاهدًا معروفًا وهو ﴿ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أي أقبح الأصوات وأوحشها في النفس، وأنكرها عند السمع، وهو عند العرب مضروب به المثل قال قتادة لأن أوله زفير وآخره شهيق ولأن صباح الحيوانات كلها تسبيح إلا الحمار فإنه يصيح الرؤية الشيطان. 

فقد روى الإمام أحمد والشيخان بسندهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: « وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانًا»..

ويذكر الرازي أن جميع الحيوانات تصيح من ثقل أو تعب أو سبب مفيد إلا الحمار الذي لا يصيح حتى لو مات تحت الحمل، أو قتل ولكنه يصيح لعدم الحاجة، أو رؤية الشيطان!

وذلك رد ونقض على عادة الجاهليين الذين كانوا يتفاخرون بالجهر في الصوت، ويعتبرون الجهر بالصوت من أسباب العزة والقوة، وخفض الصوت من أسباب الذل، ومنه قول الشاعر:

جهير الكلام جهير العطاس *** جهير الرواء جهير النعم

وقد أكد الله تعالى هذا المعنى في سورة الحجرات في الآيتين (۲و۳) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

 في الختام أدعو الآباء والأمهات والمربين والمربيات للاستفادة من هذه الوصايا التي صدرت من لقمان الحكيم، وخلدها القرآن في كتابه الكريم، لأهميتها البالغة لهم ولأبنائهم. 


جمال الإسلام .. أن نعيشه بشموله وكماله:

جمال الإسلام في كماله، وروعته في شموله، وثمرته في أثره الملموس على الفرد والمجتمع والبشرية جمعاء، إذا تمسكت به وطبقت أحكامه، فقد جاء خاتمًا للأديان ومكملًا للشرائع السماوية ومنهجا متكاملًا للحياة. 

ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : « إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلًا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».

 لهذا لن نستمتع بجمال الإسلام الحقيقي ولن نلمس أثره حتى نترجم أحكامه وشرائعه أفعالًا وأقوالًا في حياتنا، ونتمثلها سلوكًا وأخلاقًا في تعاملنا.

 لقد جاء الإسلام أولًا ليحقق عقيدة التوحيد والعبودية لله وحده لا شريك له.. كما جاء بالاستسلام المطلق لأحكامه وشرائعه التي لا يسع أحد الخروج عنها .. ولا أن يأخذ منها ما يوافق هواه وشهواته أو يحقق مصالحه ورغباته ويترك ما سوى ذلك. فهذا مسلك مرفوض ولن يحقق السعادة للفرد ولا للبشرية بل سيزيدها شقاء وتعاسة.

 قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:85).

إن أحكام الإسلام وشرائعه جاءت متناسقة متكاملة ينتظم بعضها مع بعض انتظام العقد البديع، وقابلة للتطبيق في كل زمان ومكان فهي تشريع إلهي من خالق عليم حكيم.

 جاءت لحفظ الضرورات الخمس التي تتوقف عليها سعادة البشر في الدارين.. وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال.. وهو ما يعبر عنه علماء الإسلام بمقاصد الشريعة.

 والمتأمل لأحكام الإسلام وشرائعه يرى بوضوح أنها تحيط بهذه الضروريات الخمس إحاطة السوار بالمعصم لحمايتها من التلف أو الضرر، فكل وسيلة غير مشروعة تؤدي إلى ضرر أو تلف لهذه المقاصد فهي محرمة باتفاق  العلماء.

خطأ فادح:

ولذلك يخطئ بعض الدعاة والمفكرين حينما ينظر إلى أحكام الإسلام وتشريعاته على أنها أجزاء قائمة بذاتها منفصلة عن مقاصدالشريعة مستقلة بآثارها على الأفراد والمجتمعات، مما يجعلهم يهملونها عند الترجيح بين الأدلة التي قد تبدو متعارضة دون ربطها بمقاصد الشريعة.

أو أولئك الذين بلغ الأمر بهم- تحت ضغوط الواقع أو رغبة في تحسين صورة الإسلام أمام الآخرين- إلى رفض بعض أحكامه وحدوده كقطع يد السارق ورجم الزاني المحصن وقتل القاتل وغيرها من الأحكام بزعم أن فيها قسوة لا تتناسب مع روح العصر أو تنافي حقوق الإنسان!!. 

وهناك من ينظر إلى جانب الأخلاق في الإسلام فقط أو جانب المعاملة فقط أو العدالة والمساواة فقط، بل وصل الحد ببعضهم إلى التركيز على جزئية واحدة في الإسلام مثل حقوق المرأة أو حرية الفكر أو الحرية الشخصية أو غيرها من الجزئيات، ويصورون أن الإسلام- كله- يتمحور حول هذه القضية أو الجزئية دون النظر إلى مقاصد الشريعة وإهمال الجوانب الأخرى المضيئة المرتبطة بها. 

فتزل الأقلام وتكثر السقطات وتسمع غرائب الفتاوى التي تفتقر لأبسط الأسس العلمية الشرعية. 

انتقاص لا يجوز:

هذا كله فيه ظلم للإسلام وانتقاص من قدره كشريعة ربانية تغطي جميع جوانب الحياة وخروج عن المنهج الصحيح لفهم أحكامه وتشريعاته وارتباطها الوثيق بمقاصد الشريعة وتشويه لجماله وكماله وشمولية منهجه.

كما أن فيه تخاذلًا وانهزامية بسبب الحرص الشديد على إظهار الإسلام على أنه دين عصري أو مستنير أو حضاري أو غيرها من الأوصاف التي لن تزيد من مكانة الإسلام في قلوب أعدائه كما قال تعالى: ﴿ وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ (البقرة ١٢٠).

 إن الإسلام دين رباني كامل ومنهج إلهي شامل لكل جوانب الحياة ولا يحتاج إلى إثبات صلاحية قال تعالى:  ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ﴾ (المائدة: ۳۱)، ولن نسعد بثماره اليانعة أو تظهر محاسنه أو تتجلى الحكمة في تشريعاته إلا حينما نطبقها كاملة في حياة الأمة في كل جوانب الحياة، كما فعل أسلافنا الكرام رضوان الله عليهم قال سبحانه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: 208)

حسین بن علي الشقراوي

[1] - باحث في علم الإدارة- مدير مؤسسة النجدة العالمية– أمريكا

الرابط المختصر :