; قطع المساعدات عن المجاهدين: ولكن من يقطعها عن نظام كابل؟ | مجلة المجتمع

العنوان قطع المساعدات عن المجاهدين: ولكن من يقطعها عن نظام كابل؟

الكاتب عبدالله بركات

تاريخ النشر الأحد 12-يناير-1992

مشاهدات 79

نشر في العدد 984

نشر في الصفحة 24

الأحد 12-يناير-1992

في الثالث عشر من سبتمبر الماضي وقّع ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية اتفاقًا عرف بما يسمى بمعاهدة القطع المشترك للأسلحة وكافة الإمدادات عن الأطراف المختلفة المعنية بالصراع الأفغاني، ومنذ اللحظة الأولى ثارت تساؤلات عديدة في نفوس كثير من المراقبين والمهتمين بالقضية الأفغانية كان من أهمها: لماذا تحديد البداية في هذا القطع من أول
يناير 1992 ولماذا لم يكن فورًا؟ ثم سؤال آخر هل سيتم الالتزام بهذا الاتفاق من جميع الأطراف أم سيلاقي مصير بنود اتفاق جنيف عام 1987م؟ واليوم وقد مضت عدة أيام على أول يناير فهل تم الالتزام فعلا ببنود هذا الاتفاق؟

فالمراقبون يرون أنه بعد انتهاء ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي لم يعد هناك ضمان لتنفيذ بنود هذا الاتفاق على الأقل من الجانب الآخر أو القطب الآخر وهو ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي، ففي الوقت الذي أعلنت جمهورية روسيا الفيدرالية أنها قد أوقفت جميع شحنات الأسلحة والوقود لنظام كابل أعلن السيد نواز شريف رئيس الوزراء الباكستاني بأن الطرف الثاني في إشارة إلى الجمهوريات في أسيا الوسطى لم تلتزم به ومازالت الأسلحة والوقود تتدفق على نظام کابل، في الوقت ذاته أعلنت جمهورية أزبكستان أنها ستواصل دعمها لنظام كابل بالأسلحة والوقود في مقابل حصولها على الغاز من أفغانستان.

مصادر عديدة تشير إلى استمرار الدعم بقوة لنظام كابل من جمهوريات ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي، ولأسباب عديدة من أهمها:

1- الدعاية القوية التي يقوم بها نظام كابل في هذه الجمهوريات والتي يخوف زعماءها بأن المجاهدين «أصوليون»، وفور انتصارهم سينطلقون لزعزعة الأمن والاستقرار في جمهورياتكم، بل وسيستولون على هذه الجمهوريات من باب استمرار الجهاد، هذه المخاوف يبدو أنه قد اقتنع بها العديد من زعماء تلك الجمهوريات، فأصبح يدعم بقوة نظام كابل للحفاظ على وضعه ونظامه وخصوصًا أن معظم زعماء تلك الجمهوريات علمانيون.

2- وجود بعض الصداقات الحميمة بين زعماء تلك الجمهوريات ونجيب شخصيًّا والذين تربطهم فكرة الشيوعية التي تربوا في أحضانها فأصبحت لهم أُمًّا رؤوما يدينون لها بالولاء رغم موتها.

3- وجود بعض الاتفاقيات المسبقة لإمداد نظام كابل بالأسلحة والوقود مقابل إمداده لها بالغاز الطبيعي، وهذه الاتفاقيات كانت معقودة قبل سقوط الاتحاد السوفيتي فبعض هذه الجمهوريات يرى أنه من الضروري الوفاء بها.

4- عدم وجود مصلحة مشتركة مع المجاهدين، ففي الوقت الذي يزود نظام كابل هذه الجمهوريات بالغاز فلا يوجد لدى المجاهدين ما يقدمونه لهذه الجمهوريات من مساعدات.

5- تحقيق الود الأميركي وذلك بالعمل للهدف الأميركي وهو عدم وصول الأصوليين للحكم وإقامة دولة إسلامية في أفغانستان، وهذا ليس استنتاجا إنما أشار إليه بطرق عدة العديد من المسؤولين الأفغان والمبعوثين الأميركيين وعلى رأسهم بينون سينان والذي صرح بأن أي نظام يقوم في أفغانستان ولا يتماشى مع الأمم المتحدة وهيئاتها ومع مجلس الأمن فلن يكون نظامًا شرعيًّا ولن يعترف به.

لهذه الأسباب وغيرها نرى أنه لم يتم الالتزام بالقطع من الجانب الداعم لنظام نجيب العميل، ثم إن هناك طرفا آخر يدعم نظام نجيب وبقوة ولا يعتبر طرفًا في هذه المعاهدة ألا وهو الهند التي تعتبر الآن من أشد الداعمين لهذا النظام لأسباب من أهمها عدم تمكين المجاهدين من إقامة حكومة إسلامية في أفغانستان تشكل حلقة وصل خطيرة بين الدول الإسلامية التي تخشاها الهند مثل باكستان وإيران، وكذلك حتى لا يصل المسلمون من خلال أفغانستان إلى الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى ويوقظوها، وبذلك تصبح هناك قوة إسلامية عظمى إذا ما تم التنسيق بينها تشتمل هذه القوة على باكستان وإيران والجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى التي تشكل مساحة كبيرة وقوة لا يستهان بها هذا من ناحية، ومن ناحية أخري ترى الهند أنه من واجبها دعم نظام کابل لإفشال خطط عدوتها اللدودة باكستان وعدم قيام حكم حليف لها.

لذلك لا غرابة أن تكون الأسلحة المتطورة جدًّا والتي تستخدم ضد المجاهدين اليوم من الهند، ناهيك عن إمدادات القمح والأغذية، وقد صرح بذلك أكثر من مصدر رغم أن الرئيس الأميركي جورج بوش قال لا أعتقد بأن الهند التي تدعم نظام كابل بقوة لن تسنده عسكريًّا وذلك بسبب أنها خسرت حليفها الاتحاد السوفيتي وتسعى جاهدة لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة.

ورغم هذا القول إلا أننا ما زلنا نقول بأن في دعم نجيب ونظامه في هذا الوقت خير خدمة للولايات المتحدة التي أصبحت لا تشعر بأي هاجس من هواجس الخوف من الشيوعية بل هاجسها الأكبر هو كيف تمنع أي وصول لحكم إسلامي في أفغانستان، ولعل انتخابات الجزائر الأخيرة خير دليل على مخاوف وهواجس الغرب من الإسلام ووصوله للحكم.

ما موقف باكستان والأطراف التي تمد المجاهدين؟

يجدر بنا الآن أن نتحدث عن الطرف الآخر وحلفائه.. فهل التزمت الأطراف الداعمة للمجاهدين باتفاقية القطع المشترك للأسلحة أم لا؟ سؤال أجابت عنه الأيام السابقة قبل أن يجيب عنه المسؤولون سواء في باكستان أم أميركا أم الدول الأخرى المهتمة بالقضية وحتى زعماء المجاهدين أنفسهم.

منذ بدأت التغييرات في عهد غورباتشوف تأخذ طريقها وتسرع نحو تحرير الاتحاد السوفيتي من قيود الشيوعية أصبح اهتمام باكستان يزداد يومًا بعد يوم بجمهوريات آسيا الوسطى، وأصبحت تسعى لتحسين علاقاتها وتقويتها معها، وذلك إدراكًا من باكستان لأهمية تلك الجمهوريات بالنسبة لها وموقفها اقتصاديًّا.. ففي أقل من عشرين ساعة تستطيع القوافل الباكستانية الوصول عبر أفغانستان إلى تلك الجمهوريات في حين أن ميناء كراتشي سيحتل مركزًا مرموقًا في النقل من وإلى موانئ بحر البلطيق.. هذا الاهتمام ازداد بعد تفتت الاتحاد السوفيتي وانهياره، فأصبحت باكستان طموحة جدًّا في إنهاء القضية الأفغانية في أسرع وقت ممكن وذلك للوصول بسهولة ويسر إلى تلك الجمهوريات عبر أفغانستان. فإذا ما أضفنا إلى هذا الرأي وجود ضغوطات دولية ومحلية لإنهاء الصراع الأفغاني ندرك أن باكستان قد سارت في طريق قطع الإمدادات والأسلحة عن المجاهدين قبل مدة طويلة من بدء مفعول هذه الاتفاقية.

في الأسبوع الماضي قال نواز شريف: إن باكستان ليست طرفا في اتفاقية القطع المشترك لأنها لم تكن تعطي المجاهدين أسلحة، بل كانت ممرًا فقط للأسلحة الأميركية والمساعدات الأخرى، وإن باكستان لا تسعى ولن تسعى لإطالة أمد الحرب بل ستكرس كل جهودها لحل الأزمة.

ويبدو أن هذا القول إلى حد ما يعتبر صحيحًا حيث إن باكستان تواجه تحديا خطيرا على حدودها مع الهند من جهة كشمير إضافة إلى حركات قومية وعرقية وانفصالية في أراضيها فمن مصلحتها إنهاء قضية أفغانستان لكي تتفرغ إلى مشاكلها الخاصة بها.

ثم إن باكستان نفسها قد قطعت عنها الأسلحة الأميركية منذ أكتوبر 1990، وكذلك وقفت جميع المساعدات الأميركية عنها بسبب برنامجها النووي.. فكيف لباكستان أن تقوم بتزويد المجاهدين بالأسلحة، هذا إضافة إلى أن الاهتمام الأميركي بالقضية الأفغانية قد تضاءل منذ توقيع اتفاقيات جنيف في عام1987 ، وانتهى مع انتهاء الخطر الشيوعي وانتهاء الحرب الباردة بين القوتين الكبريين فيما مضى.

مسؤول أميركي صرح قبل بضعة أيام بأن آخر دفعة أسلحة تم تسليمها للمجاهدين من أميركا كانت في أكتوبر الماضي، ولكن زعماء المجاهدين ومصادر الحكومة الباكستانية وكثير من المراقبين يرون أن الدعم الأميركي قد توقف قبل هذا التاريخ بمدة طويلة وطويلة جدًّا.

ثم إن الذي يزور الجبهات يلاحظ أن أسلحة المجاهدين في معظمها من صنع روسيا استولوا عليها غنائم من القوات الحكومية الشيوعية، وحتى إن القادة الميدانيين كما ذكر الأستاذ برهان الدين ورباني زعيم الجمعية الإسلامية قد أخذوا يقذفون القذائف والذخائر التي يستخدمونها ضد العدو الشيوعي وذلك لعدم توافر البديل عنها، وإن كان هناك من إمدادات بسيطة فهي تلك التي يستطيع شراءها المجاهدون من مناطق القبائل الحدودية وهي في الموازين العسكرية لا تكاد تذكر.

نلحظ بعد هذا كله أن هذه الاتفاقية لم تنفذ إلا من جانب واحد وهو ما كان يقلق المجاهدين منذ الإعلان عن هذه الاتفاقية في سبتمبر الماضي. فقد تحقق الكثير من مخاوف المجاهدين؛ ففي الوقت الذي التزمت فيه جميع الأطراف عن الامتناع عن تقديم أي عون ومساعدة للمجاهدين نجد أن الطرف الآخر تتدفق عليه الأسلحة بلا حساب، فقبل سقوط ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي نشرت الصحف الباكستانية نقلا عن شهود عيان أنه كان ينزل- ومنذ سبتمبر الماضي- في مطار كابل خلال ساعتين قبل شروق الشمس حوالي 23  طائرة نقل سوفيتية محملة بالذخائر وذلك يوميًّا، إضافة إلى كميات ضخمة من الصواريخ والذخائر التي كانت تمر عبر ممر سالونج والطرق الأخرى وكان من أهمها صواريخ سكود المتطورة وصواريخ أورغان وقذائف خارقة للكهوف والملاجئ، ولعل بعضها قد استخدم ضد المجاهدين في معارك جارديز الأخيرة حيث اخترقت إحدى هذه القنابل ملجأ مما أدى إلى استشهاد حوالي 80 مجاهدًا على الأقل.

واليوم نرى أن نظام کابل يملك كميات هائلة من الأسلحة تمكنه من الاستمرار في الحرب مدة طويلة إلى جانب تلقيه كميات إضافية يوميًّا من مصادر عديدة أشرت إليها في البداية، في حين أن الكميات الموجودة لدى المجاهدين محدودة والإمدادات مقطوعة، ولكنهم يملكون ما لا يملكه عدوهم وهو الإيمان بالله وحب الجهاد والتصميم عليه ثم الثقة برحمة الله العزيز الكريم.

الرابط المختصر :