العنوان المعنى السياسي للعيد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 05-أبريل-1992
مشاهدات 67
نشر في العدد 996
نشر في الصفحة 4
الأحد 05-أبريل-1992
يأتي العيد فيحرك الأشجان في النفس المسلمة حينما تنظر إلى واقع الأمة
الذي تعيشه الآن وواقعها الذي عاشته قرون ازدهارها وسيادتها وقيادتها للكون،
والحياة، حينما كانت أمة واحدة، يربطها رباط واحد، وهم واحد، وغاية واحدة، وهدف
واحد، وقيادة واحدة، فكانت تعيش كل يوم بمعناه من أوله إلى آخره.
وما جعل الله يوم العيد في حياة هذه الأمة إلا ليشعرها بتميزها في هذا
اليوم بكل شيء فيه بدءًا من معاني البهجة والفرحة، وانتهاءً بمعاني القوة
والسيادة، وإن من المعاني البسيطة التي بين هذين المعنيين أن تتميز الأمة في هذا
اليوم حتى في الثياب التي يلبسها أبناؤها أن تكون من صنع يديها، وفي الطعام الذي
يأكله أبناؤها في هذا اليوم أن يكون من أرضها وترابها، فتظهر قوية في معناها
الاجتماعي، وتظهر رائدة في معناها الحياتي فتحقق بذلك معنى رائدًا من معاني العيد.
وما العيد إلا ترسيخ لمعاني الإسلام الاجتماعية في النفس والمجتمع،
وحرص من كل مسلم على أخيه المسلم في أن يملأ نفسه بالبهجة وقلبه بالأمل، فتعيش
الأمة كلها معنى الأسرة الواحدة بتلاحمها وتقاربها، وآمالها وآلامها، وأفراحها
وأتراحها، وغاياتها وأهدافها، فتستحيل إلى جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له
سائر الأعضاء بالحمى والسهر.
فالعيد إشعار للأمة بأنها تملك قوة التغيير في مدار الأحداث وصناعة
التاريخ، وإثبات لوجودها الإيماني والروحاني في أسمى معانيه، فتمتلك الأمة ناصية
الأحداث وتفرض هي التغيير على واقع الناس ولا يفرض عليها هي أن تتغير.
والعيد ارتفاع النفوس المسلمة فوق منازعات الحياة ومفاسد النفوس
وجواذب الأرض، وأن تكون الصداقة فيه هي أدنى مراتب العلاقات بين المسلم وأخيه
المسلم فتشعر النفوس بالبهجة، ويملؤها الأمن والسلام، والعزة والوئام، والإحساس
بعظمة هذا الدين الذي من الله به على البشرية جمعاء.
والعيد هو حفظ لدم المسلم وآدميته وحقه في الحياة فلا يحل لسلطان ولا
حاكم أن يستبيح دماء مسلم أو عرضه أو ماله أو جسده أو يأخذه في مظلمة إلا بحقها.
والعيد هو تكافل الأمة وتراحمها حتى يشعر فيه المسلم الذي يعيش في
المغرب بألم الجوع الذي يشعر به المسلم المهاجر المطارد على حدود بورما وبنجلاديش،
ويشعر فيه المسلم الذي يعيش آمنًا مطمئنًا في أهله بأسرة أخيه المسلم التي غاب
عائلها أو غيب وراء الأسوار لأنه يقول «ربي الله»، ويشعر كل مسلم في كل مكان بلهيب
السياط التي تهوى على ظهور إخوانه في سجون الطغاة في شرق الدنيا وغربها، فيتألم
بألمهم ويتحرك حتى بالدعاء لهم، ويشعر كل مسلم بإخوانه المسلمين الذين فك الله
قيدهم من أسر الشيوعية في وسط آسيا وشرق أوروبا وهم بحاجة إلى من يمد لهم يد العون
حتى يعودوا بحق إلى الحياة في ظلال دينهم.
إننا إذا تأملنا واقعنا الآن وبحثنا عن مكان هذه المعاني فيه فإننا لن
نجدها قريبة منا، بل إننا نجد كثيرًا منها يتوارى عنا ويبتعد عامًا بعد عام، ونجد
أنفسنا تضيق عن استيعاب هذه المعاني شيئًا فشيئًا فيغيب عنا الشعور بعظمة ديننا
ونتوارى كل يوم عن الدنيا بعدما غابت عنا معاني الوجود والسيادة عليها فيتحول معنى
العيد إلى تجديد للثياب وحياة في اللهو والفراغ، وتعطيل لمصالح الأمة وإخراجها من
دائرة العمل الدائب إلى الخمول والكسل فتصبح أيام العيد أيام ضياع وفراغ في حياتنا.
إننا نريد أن نحيا بمعاني العيد، تلك المعاني التي شرعها الله سبحانه
وتعالى لنا من أجل تحقيقها، حتى نصل إلى القيادة والسيادة للكون، والصفاء والنقاء
والترابط للمجتمع، والالتحام والتآزر والتآخي للأمة، والخضوع والدنيوية والعبودية
لله رب العالمين، فإذا أدركنا هذه المعاني وصلنا إلى إدراك ما نصبو إليه... وصلنا
إلى إدراك ذلك المعنى الكبير.. المعنى السياسي للعيد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل