; قصة مع المسيرة | مجلة المجتمع

العنوان قصة مع المسيرة

الكاتب مصطفى الخولي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1975

مشاهدات 81

نشر في العدد 240

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 11-مارس-1975

مع بداية الخمسينات وفي إحدى القرى الكبيرة لشمال الدلتا في مصر كانت المدرسة الثانوية في حياة عادل الذي عرف بجده واجتهاده واتزانه وعزوفه عن اللهو والسخف وترهات الباطل، عالمه أولاد الجيران وزملاء المدرسة الابتدائية والثانوية والصحف والكتب والمجلات، ولم يتضح له بعد الكثير من عالم الباطل، ولم يتبلور الحق فالأمور تختلط ببعض الغموض ودنيا الصبا حافلة بالحركة تموج بالنشاط، هذه حارة علي فرحان وتلك مجموعة العاصي وذلك فريق النجمة، ونادي الأسد المرعب، وزيارات لأرض هذا الفريق ولعب بالكرة وشجار وتنافس- فما بال هذا الفتى لا يظهر الولاء لحارته ولا ينضم رسميًـا لفريق ولا ينخرط في مجموعة ولا حتى يكون مجموعة باسمه. وكان يعرف بعض الشباب الذين يكبرونه سنًا ويسبقونه في الدراسة وهؤلاء يقومون بنشاط بارز أيام الاضرابات والمظاهرات الطلابية فترتفع الصرخة، إضراب، وترتفع أصوات الطلاب وتغطي أصوات المدرسين وينفرط عقد النظام المدرسي فلا «الناظر» ولا المدرسون بقادرين على إسكات الطلبة وحصرهم داخل الفصول. أو في أرض «الطابور» فنداء الحرية يجب أن يخرج إلى الشارع ويمضون إلى المدارس الأخرى الصغيرة ويخرجون التلاميذ بالقوة لتكون المظاهرة كبيرة وليكتسب صراخهم من أجل الجلاء و«يسقط بيغن» دعمًا من أصوات التلاميذ الصغار. واتضحت الحياة السياسية للقرية الكبيرة أو البلدة الصغيرة وعرف عادل أن هناك ما يعرف «بشباب الوفد» يتزعمهم شاب من أسرة كبيرة وأبوه العمدة ونائب محترم في مجلس الشيوخ، وكانت هذه المجموعة من الشباب تجتمع بزعيمها في حجرة منفصلة عن منزل أبيه. العمدة الكائن في أول البلدة عند مدخل الطريق الزراعي، وتأتي عربات الخضار والفاكهة بعد العشاء فتخرج إليها مجموعة شباب الوفد وعلى رأسها زعيمها وتقف العربة التي يريدها ويشير لأحد أتباعه فيحمل منها ما تيسر من الفاكهة أو ما يكفيه وأتباعه ثم بعد ذلك يعقد الاجتماع الوفدي ويبحث المجتمعون سياسة الحكومة والآثار المترتبة عليها، فإذا كانت الحكومة وفدية كانت الآثار كلها حسنة وإذا لم تكن فهي بلا شك نكبة على البلد. وكانت هناك مظاهر أخرى للطغيان والعربدة تشهدها البلدة الصغيرة الوادعة ولكنها على أية حال تتلاشى وتزهق مع الأيام وهي أخف بكثير من مظاهر الماضي. وفي يوم من أيام مارس ١٩٥٢ قال سعد صالح: -ألا تنضم إلى الإخوان يا عادل. واختلج قلب عادل وهو يستقبل الكلمات ويعيها ويتجاوب معها في نفس اللحظة وانشرح صدره وقال له عقله أنت أمام شيء كبير جليل فتريث الأمر وفكر فيه فقال قلبه على الفور: هذا قدرك يا عادل ما أبطأ الكلمات یا سعد ردًا على سؤالك وندائك، وتنظر إلى وجهي وتعرف الإجابة ولكنك تنتظر كلماتي لتكون يقينًا وتنطلق فرحتك الحبيسة كنت يا سعد من شباب الوفد ورفضته وتعرفت على الإخوان وتريدني الآن معك- هيا يا سعد نبدأ المسيرة صحبة في الله وإلى الله. رأيت یا عادل جوالة الإخوان مرات ومرات يجوبون شوارع البلدة الصغيرة بزيهم الموحد وكتاب الله يحمله أحدهم على يديه ويتقدم المسيرة، وعلمهم الأخضر وشارته الحبيبة وحين يقفون ينطلق دعاؤهم المأثور لينفذ إلى قلبك يا عادل كم أحببت هذا المشهد يا عادل وأنت صبي وتمنيت أن تكون أحدهم وكيف وأنت صغير وهؤلاء رجال هل صرت رجلًا یا عادل ودخلت الدعوة. - متى تذهب إلى الشعبة؟ -الآن ولم لا وانطلقا وتعرف عادل إلى الدعاة، وشعر أنه أصبح أكثر قوة، أكثر بكثير مما كان، فهؤلاء جميعًا أخوة له وشعر أن هناك فراغات كبيرة فراغات هائلة في داخله في أعماقه تملأ بالكلمة بعد الكلمة، والإحساس والانفعال والإدراك، تعرف على عوالم كبيرة كانت خافية أو مشوبة فإذا هي تنجلي وتنقى وتطهر كلمات الله فيها كل الهدى والغنم كله وذرى الجلال وأحس بالسكينة، واطمأن منـه الفؤاد. وفي خاطره رأی زعيم شباب الوفد، وفي يده حين يمشي بعد الدراسة عصا من الخيزران، يتيه بها ويضرب الأرض وآخرون من بني قومه إذا أرتفع أحدهم عن الفقر وانتفخ جيبه ولو قليلًا ابتاع جلبابًا بلديًا جديدًا وعصا من الخيزران، يتيه بها ويضرب الأرض أنبتهم الله من الأرض فعبدوها وضربوها بالتيه الزهو خواء یا راشد یا زعیم شباب الوفد والطبل خواء يا راشد ما أنت براشد لو آتيك وأحدثك فترى الرشد. - هل تظن أن المسألة سهلة هكذا يا عادل حاولت وحاول بعض الإخوة وكنا نحدث قلبًا من حجارة وأنت ما زلت صغيرًا. هل نسيت نفسك يا عادل، أم هو الحماس يأخذ بك. أنت لا زلت صغيرًا، ودور الداعية دور كبير، لا زلت في الصف الثاني وراشد في الصف الخامس، لیکن نشاطك في حدود الصف الثاني والأول والثالث لتكن لك دائرتك تتحرك فيها وليكن زعيم شباب الوفد خارجها إلى حين. وتمر الأيام وتقترب نهاية العام الدراسي، وتستعد المدرسة لحفلها السنوي، ومدرس اللغة العربية يدرب الطلاب على الإلقاء والتمثيل على خشبة مسرح المدرسة، ويشهد عادل توزيع أدوار مسرحية إسلامية. -ما رأيك في دور صغير یا عادل دور بلال. وأحس عادل بشيء يشبه الزلزلة حوله وفي داخله المقاعد والأشخاص والفصول الدراسية والقرى والمدن الصناعية وحقول الأرض كلها والبحار تتراقص وتتداخل وتموج بعضها في بعض. وانتفض انتفاضة خفيفة غابت عن عين الأستاذ أو مرت بها كآلاف الأشياء التي تمر بهـا ومنها الصغيرة والكبيرة. هل كانت انتفاضتك صغيرة یا عادل مثل دور بلال فغابت عن عين الأستاذ مثلما غاب دور بلال ربما كان بلال مسرحيتك صغير يا أستاذ أما بلال الرسول أنت تعيش في شمال الدلتا. هل خبرت رمضاء مكة والعطش وصخرة كبيرة فوق صدرك وتكاد تسحق ضلوعك ولم يصمت بلال كم مرة صمت يا أستاذ أمام رئيس أو زميل أو زوجة أو حتى تلميذ. لم يصمت بلال بالعقيدة كان أكبر من كل العذاب والعقيدة العلوية جميلة جميلة جميلة يا غانيات الأرض اخسأن یا قصور الملوك تداعي بلال يعشق العقيدة یا جواهر یا لآلىء أيها البهرج أيتها الزينة اغرس هاماتك في الطين هذا بلال لا يلين ولو مثقال حبة يهتف باسم الله يستزيد العذاب كم مرة أطبقت الشفاه، قبل أن تدخل مرة في العذاب، لمجرد التفكير في العذاب، أو ضياع بعض المتاع أين أنت من بلال يا أستاذ وأين أنت يا عادل أمامك مشوار طويل طويل لتقترب مجرد اقتراب صيحتك يا بلال في نسيج الأيام والأحداث علم على الطريق. وكم من الأعلام على الطريق وفوقها كتاب الله. ومرت الأيام واقترب موعد الحفل المدرسي، ثم جاء ذلك اليوم وحضر أولياء الأمور وغيرهم وامتلأ الفناء بالجالسين والواقفين، وتتابعت الفقرات على المسرح ثم قدمت مسرحية «انتصار الحق» انتهى المشهد الأول وأسدل الستار ليرتفع بعد دقائق وعادل بجسمه النحيل وبشرته تبدو سوداء على أرض المسرح وصندوق خشبي طلي بشكل يبدو فيه مثل الصخرة وضع فوق صدره. وحان وقـت انطلاق النداء القدسي من فم بلال يتحدى علية القوم من قریش وطفرت دمعتان كبيرتان من عينيه أحد أحد اهتز قلب عادل فاهتز جسمه كله في خشوع، وأهتز المسرح حوله وصمت الناس أحد أحد وأخذت الصخرة فوق صدره تزداد ثقلًا، كأن شياطين الأرض تثب فوقها الواحد بعد الآخر تريد أن تسكته أو تكتم أنفاسه واستمر عادل يردد أحد أحد والسكون يزداد من حوله، وصوته يتضح له أكثر وأكثر مجهدًا لاهثًا ولكنه قوي بدفعات الإيمان والخشوع. وجرس النبرات جميل والأصداء تتكاثر والسكون يشتد، ها هي الأرض كلها تستمع إليه والسماء تجاوبه. أحد أحد ثم تطور إحساس عادل إلى شيء عجيب عجيب ورائع أحس أنه يحمل على الهواء وأنه خفيف خفيف ولا شيء فوق صدره غير السكينة. يا إلهي هل كان هذا إحساس بلال. وتنبه شيئًا فشيئًا إلى التصفيق وأن الستار يسدل وزملاؤه ينحنون عليه لينهضوه هل هذا عالم الواقع. إن إحساسه به يشبه الإحساس بحلم هل كنت يا إلهي في عالم اليقين وها أنذا أدخل عالم الواقع من جديد. وإذا بيد تمتد إليه لتجذبه من جلبابه في غلظة وبحركة فجه ونظر عادل أمامه هذا راشد وهذه يده وتكلم راشد. - أنت تمثل بشكل جيد يا لشيطانك. قال عادل في نفسه: هذا الشاب يتحدث كالأبله أو كأنه ثمل وفي الحال رفع يده وضرب راشد على وجهه خذ هذه ولتكن لك درسًــا وليحدث ما يحدث.
الرابط المختصر :