العنوان صفحات مجهولة عن الإسلام والمسلمين في امريكا اللاتينية.. المسلمون في فنزويلا.. جذور أصيلة تمتد إلى القرن الـ ١٥
الكاتب الصادق العثماني
تاريخ النشر السبت 12-نوفمبر-2005
مشاهدات 59
نشر في العدد 1676
نشر في الصفحة 43
السبت 12-نوفمبر-2005
■ جلبهم المستعمر البرتغالي والإسباني من غرب إفريقيا لاستخراج ثرواتها من الذهب.
■ حاولوا الحفاظ على هويتهم الإسلامية لكن محاكم التفتيش الإسبانية شنت عليهم حربًا شعواء.
المصادر التاريخية والدلائل الأثرية الموجودة الآن والمنتشرة في كثير من المتاحف من دول أمريكا اللاتينية وعلى رأسها البرازيل تخبرنا بأن المسلمين في الغرب الإسلامي هم الذين اكتشفوا قارة أمريكا قبل أن يكتشفها كولومبوس، وذلك عندما أبحر ثمانية من المسلمين من الشبونة في القرن العاشر الميلادي، محاولين اكتشاف ما وراء بحر الظلمات»، وهو الاسم الذي كان يطلقه المسلمون على المحيط الأطلسي إلى أن نزلوا في أمريكا الجنوبية.
هذا ما يؤكده الكثير من المستشرقين المنصفين، ويذكر مهدي صاحب كتاب العرب في أمريكا، أنه في سنة ١٥٣٩م اكتشف فراماركوس دي نايز المناطق المعروفة اليوم باسم «نيومكسيكو وأريزونا، وكان مرشده في ذلك بحار مسلم مغربي اسمه أسطفان وقتل على يد أحد الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين الذين لم يكونوا قد رأوا أي رجل أبيض من قبل.
قصة شعب
واسم فنزويلا له قصة. ففي الرحلة الثالثة التي قام بها كريستوفر كولومبوس، وقد صاحبه فيها شخص إسباني اسمه أميريكو فيسبوشو، وأثناء دخولهما أراضي فنزويلا رأوا بيوتًا مبنية على قنوات المياه فتذكر قريته مسقط رأسه فالينسيا بإسبانيا، وسميت بهذا الاسم فنزويلا، أي فلينسيا، وعندما عاد كولومبوس، كتب تقريرًا وصف فيه ما رآه فقال: أراض غنية بالذهب والتوابل وسكانها طيبون يمكن تحويلهم بسهولة إلى المسيحية! حديث كولومبوس عن الذهب أغرى البرتغال والإسبان بالتوجه إلى القارة واستيطانها بدءًا من أواخر القرن الخامس عشر، وجلب المستعمر البرتغالي والإسباني الافًا مؤلفة من الزنوج المسلمين من غرب إفريقيا وسواحلها لاستخدامهم كأيد عاملة في مشاريعهم الرامية إلى استغلال ثروات البلاد كما جيء بالعديد من المسلمين الإسبان الذين كانوا يخفون إسلامهم سرًا، وتم بيعهم في أسواق الرقيق بأمريكا اللاتينية، لكن مع بداية القرن التاسع عشر بدأ نفوذ الاستعمار الأوروبي في الانكماش أمام موجات التحرر والثورات التي سادت معظم دول القارة والتي كان الفنزويلي فرانسيسكو ديميراندا بمثابة الأب الروحي لها، تبعه في ذلك سيمون دي بوليفار الذي يعتبره الشعب الفنزويلي المحرر والبطل والقائد لا في فنزويلا وحدها، وإنما على امتداد أمريكا اللاتينية كلها التي كان يحلم بها قارة موحدة متضامنة متحدة، فراح يركض من كولومبيا إلى البيرو ومن الأكوادور إلى بوليفيا.
الثورة على الإسبان
الاستعمار الإسباني الذي بدأ عام ١٥٢٠م على فنزويلا أنهته ثورة هذا الرجل بوليفار» سنة ۱۸۲۱م، واعترفت فنزويلا بالجميل فكانت تسمى رسميا فنزويلا البوليفارية وأطلقت اسمه على عملتها وعلى أهم الشوارع والمدارس والجامعات، وهكذا تأثر الكثير من الزعماء والثوريين في أمريكا اللاتينية بفكر بوليفار، وعلى رأسهم جيفارا وفيدل كاسترو ولولا، والرئيس الفنزويلي الحال «هوجوشافيز».
والجدير بالملاحظة أن هؤلاء الثوار والقادة وعلى رأسهم بوليفار تأثروا بثورات العبيد المسلمين التي خاضوها ضد الاستعمار البرتغالي في البرازيل والتي كان أخطرها ثورة الماليز» أي «مالي» سنة ١٨٣٥م، والجيل الأول من المسلمين الذي جيء بهم كعبيد إلى فنزويلا ذابوا في المجتمع، والبقية الباقية التي حاولت أن تحافظ على هويتها ودينها حوربت من طرف محاكم التفتيش الإسبانية المتعصبة، ولا يوجد اليوم إلا أطلال وعلامات مرسومة على ملامح الشعب الفنزويلي تنبئك بأن هؤلاء أحفاد المسلمين!
الهجرات الحديثة: الأزمات الاقتصادية والسياسية والظروف المعيشية الصعبة التي عرفتها الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وما نتج عنها من مشكلات وعلى رأسها استعمار أرض فلسطين ٤٨ من طرف الصهاينة دفع بالكثير من المسلمين العرب والمسيحيين إلى الهجرة نحو فنزويلا، وقد كان أغلب هؤلاء من بلاد الشام وخصوصًا سورية ولبنان وفلسطين، وتقدر الجالية السورية بنحو نصف المليون والجالية اللبنانية تأتي في المرتبة الثانية بنحو ( ٣٠٠ ألف)، أما الجالية الفلسطينية فتقدر بحوالي (۱۰۰۰)، وهناك جاليات عربية وإسلامية مختلفة لكنها لا تكاد تذكر، كما أن هناك أقلية عربية مهاجرة من بعض دول أمريكا اللاتينية خصوصًا من ترينداد والبرازيل وشيلي.
وزن اقتصادي
هؤلاء العرب في بداية حياتهم انطلقوا كباعة متجولين في الشوارع والأسواق، وفي فترة وجيزة أصبحوا من رجال المال والأعمال يملكون محلات تجارية مهمة وشركات مختلفة ولهم وزنهم الاقتصادي الأمر الذي دفع بالكثير من الأحزاب السياسية بمد وربط خيوط التفاهم معهم، بحيث أصبح فيهم المحامي والقاضي والطبيب والمهندس والمدرس في الجامعة.. وفي هذا السياق يحدثنا الأستاذ ، الريانو ٤٨٠ سنة مع مجموعة من طلبته عندما سألناه عن أحوال المسلمين في فنزويلا فأجاب قائلًا: أنا فنزويلي أسكن في كراكاس بجانب المسجد ولي أصدقاء عرب، وهناك جالية عربية قوية محترمة والشعب الفنزويلي - عمومًا - ينظر إليها نظره تقدير واحترام وتعتبرهم جزءًا لا يتجزأ من كيان الأمة الفنزويلية».
وتعيش أغلب الجالية المسلمة في مدينة كراكاس ومراكيبو، وماتورين، وبرشيلونة أما الجالية الفلسطينية فأغلبها يعيش في مدينة فالينسيا ولهم مركز إسلامي ومسجد، لكن مع الأسف لا يزال الكثيرون منهم متحمسين للقومية العربية، وهذا ينعكس سلبًا على تسيير المسجد وبالتالي ضعف الجالية أمام التكتلات الأخرى، وهذا عائق خطير يواجه الجالية المسلمة في فنزويلا.
كما يوجد في فنزويلا العديد من الجمعيات الخيرية والمراكز الإسلامية والنوادي العربية والمدارس وعدد لا بأس به من المصليات والمساجد، ويعتبر مسجد الشيخ إبراهيم بن عبد العزيز الإبراهيم في كراكاس العاصمة أكبر المساجد في فنزويلا وفي كافة أنحاء أمريكا اللاتينية، وقد تم الانتهاء من بنائه وافتتاحه رسميًا في ٢١ ابريل ۱۹۹۳م حيث نشأت فكرة إنشاء المسجد على رغبة أفراد الجالية الإسلامية في كراكاس وحاجتهم إلى مسجد يجمعهم ويقوي إيمانهم وعزيمتهم وتبلورت خلال زيارة قام بها أحد رؤساء الجمهورية الفنزويلية وهو كارلوس أندريز
بيريز، إلى المملكة العربية السعودية، قام على أثرها بمنح قطعة أرض للجالية المسلمة في كراكاس تزيد مساحتها على ٥٠٠٠ متر مربع وتكفلت ببنائه مؤسسة إبراهيم بن عبد العزيز الإبراهيم الخيرية.
ولكونه المسجد الأكبر في أمريكا اللاتينية حرصت المؤسسة على إعطائه طابعًا معماريًا مميزًا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وعند افتتاحه خاطب الرئيس الفنزويلي الجماهير المسلمة قائلًا: إن هذا العمل لن يكون فقط مركزًا للعبادة أو اعتكاف المؤمنين، وإنما سيكون رابطة جديدة للصداقة بين الشعب الفنزويلي والشعوب العربية المسلمة، مؤكدًا تقديره واحترامه للديانة المسلمة، وللمركز نشاطات مهمة ودور مميز في خدمة قضايا الإسلام والمسلمين في هذا البلد.
الوحدة والتعصب
ومن الملاحظ أن هناك تعددًا للواجهات العاملة في حقل الدعوة، فهناك جمعيات ومراكز ومدارس وتجمعات مختلفة يغلب عليها الولاء للبلدان والأوطان الأصلية بالإضافة إلى التسابق أحيانًا على قيادة الجمعية أو المسجد. إن هذا الواقع المرير الذي تعيشه الجالية المسلمة في فنزويلا يؤثر فيها من الداخل، كما أن اتفاق المسلمين في هذا البلد على وحدة جامعة في الهياكل والمؤسسات والهموم والطموحات هو السبيل الوحيد والغذاء الناجع في استمرارية بقائها لأن إمكانات المسلمين في فنزويلا لا تعاني من الشح والقلة، إنما تعاني الشتات والخذلان وعدم وضع خطط وإستراتيجيات من خلالها تجمع كلمتهم وتقوي صفوفهم، وتجمع موارد المسلمين ولو محدودة - وتستقطب جهدهم في بناء مؤسساتهم الدينية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وبهذا تتغلب على الصعاب وتقضي على بذور الفتنة والأيادي الخفية التي تحاول أن تمحو الوجود الإسلامي من هذه البلاد، كما محت وجود أجدادنا وآبائنا من قبل في كثير من دول أمريكا اللاتينية، والذئب لا يأكل إلا الشاة القاصية
فنزويلا في سطور
• فنزويلا بلد بترولي وتعتبر رابع منتج ومصدر عالمي بإنتاج ثلاثة ملايين ومائتان ألف برميل يوميًا. وبها الكثير من الثروات الطبيعية..
• تقع شمال أمريكا الجنوبية يحدها البحر الكاريبي والمحيط الأطلنطي الشمالي بين كولومبيا وجوايانا.
• إحدى السمات المهمة لشعب فنزويلا هي تنوع جنسياتهم وألوانهم. هناك جالية كبيرة من أصل إسباني وإيطالي وبرتغالي وعربي وألماني وإفريقي، بالإضافة إلى السكان الأصليين.
• كانت مستعمرة إسبانية حتى إعلان استقلالها سنة ١٨١١م وفي سنة ١٨١٩م اتحدث ضمن كولومبيا الكبرى مع غرناطة الجديدة، لكنها عادت إلى الانفصال عام ١٨٣٠م.
• في عام ١٩٦١م، أعلن الدستور قيام الدولة الفيدرالية التي لا تزال مستمرة إلى اليوم.
• تبلغ مساحتها ۹۱۲,۱۵۰ كيلو متر مربع.
• تحتوي على مناطق طبيعية خلابة يوجد فيها أعلى شلال في العالم واكبر بحيرة في أمريكا الجنوبية واسمها بحيرة (ماراكاييبو). عدد سكانها لإحصاء ٢٠٠٤م.(٢٥.٠١۷,۳۸۷).
• عاصمتها كراكاس، وأهم مدنها فالينسيا برشيلونة ماراكيبو مراكي ماتورين.
• لغتها الرسمية الإسبانية وعملتها تسمى «البيزو».
• يعتمد الاقتصاد على عدة مصادر أهمها البترول الغاز الطبيعي، الذهب، وعلى الرغم من أن فنزويلا بلد بترولي إلا أن نسبة سكانها الذين يعيشون تحت خط الفقر وصل إلى ٤٧% في عام ۱۹۹۸م.