; أين وصلت قضية الرهائن؟ | مجلة المجتمع

العنوان أين وصلت قضية الرهائن؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

مشاهدات 68

نشر في العدد 504

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

• مضى عام وما زال الشك يحوم حول حل الأزمة.

• ظروف سياسية دولية دفعت الطرفين للمفاوضات.

• إيران جرحت كبرياء أمريكا فتدخلت عسكريًّا مرة بشكل مباشر ومرة أخرى بشكل غير مباشر.

منذ عام كامل وقضية احتجاز الرهائن الأمريكيين في إيران تشغل الرأي العام العالمي، فضلًا عن الأوساط السياسية والدبلوماسية، وعلى إثر اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، واقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، عادت قضية الرهائن لتكون محل الاهتمام الأول لدى الإعلام الدولي والعربي، فلماذا هذا الاهتمام بهذه القضية، وهل هي على حد تعبير بعض الأوساط الصحفية «لعبة» دولية؟! ومن ثم لها نهاية؟!

الحقيقة التي خرج بها الأمريكيون بشكل خاص والعالم الغربي والمجتمع الدولي بشكل عام هو «الشك» في حل هذه القضية، فمنذ احتجاز الرهائن الاثنتين والخمسين منذ عام تقريبًا، كانت قد ظهرت بوادر كثيرة توحي بقرب الإفراج عنهم، ولكن واحدة من هذه البوادر لم يقدر لها أن تصدق، فالطرف الإيراني اعتبر القضية مسألة تمس «الأمن»، واعتبر الرهائن عيونًا وجواسيس للولايات المتحدة، وطالبوا بمحاكمتهم وتسليم الشاه حيًا لمحاكمته كشرط أساسي للمفاوضات حول إطلاق سراح الرهائن.

والطرف الأمريكي باعتباره القوة الأولى في العالم شعر بأن الشروط الإيرانية إهانة له وتقليلًا لهيبته الدولية.

وعليه؛ فقد باءت جميع المحاولات الأمريكية للإفراج عن الرهائن بالفشل، سواء كانت بالعقوبات العسكرية والاقتصادية التي فرضتها على إيران، أو محاولات إجراء مفاوضات عن طريق طرف ثالث، فبالرغم من عملية صحراء طبس في شهر أبريل الماضي، ظل الطلاب الذين يحتلون السفارة الأمريكية في طهران مُصرين على احتجاز الرهائن، ولكن جرى توزيعهم في أكثر من مكان تحسبًا لعملية عسكرية «قيصرية» قد تقوم بها الولايات المتحدة للإفراج عن رهائنها.

التدخل العسكري

ولكن التدخل العسكري الأمريكي في بداية أزمة الرهائن كان مستبعدًا طبقًا لحساسية الظروف الدولية، وقد ذكر الصحفي الفرنسي المعروف «جان لاكوتير» في أواخر عام 79 أنه لمس من خلال زيارة له للولايات المتحدة ومقابلته لكبار المسؤولين هناك بما فيهم «بريجنسكي» الذي وصفه بأنه كان «منرفزًا»، خرج بنتيجة مؤداها «أن الولايات المتحدة تستبعد التدخل العسكري في الوقت الراهن (أواخر عام 79)، وأن هناك اتجاهًا للتدخل العسكري يزداد يومًا بعد يوم مع تعقد «الأزمة». والذي نظن أنه يستحق البحث في هذه القضية هو ما طرح من تحليلات لها في بعض الأوساط السياسية العربية والدولية.

لقد رأى بعض «المحللين» والمراقبين وخاصة في الأوساط العربية أن قضية الرهائن كانت «لعبة» دولية ومسرحية تم إخراجها بإتقان، بين أمريكا وإيران، وقد ذهب هذا التحليل إلى أن «كارتر» شخصيًا دخل في هذه اللعبة لتعزيز شعبيته وتوظيف ذلك في معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية التي كانت قد بدأت منذ ذلك التاريخ! أما الطرف الآخر - وبالذات زعيم الثورة آية الله الخميني- فإنه كان -وفقًا لهذا الرأي- بحاجة إلى رد الاعتبار للثورة وتوحيد الشعب الإيراني حولها في وقت بدأت الخلافات والانقسامات تهدد بحرب أهلية!

استثمار إعلامي:

وقد تكون هذه الأغراض قد تحققت جزئيًا، ولكن هل تصلح مسوغًا للقيام بمثل هذه «اللعبة» الخطرة التي كانت عرضة في أية لحظة لفرض حرب تشترك فيها أطراف دولية؟!

ما كان يقوله أصحاب هذا التحليل إن أزمة الرهائن لن تطول كثيرًا، وإن المستقبل كفيل بكشف ما هو غامض حاليًا! ولكن المستقبل لم يوضح حتى الآن حقيقة هذه اللعبة «العجيبة»! وتبين أن الولايات المتحدة باتت تفكر جديًا في تعزيز نفوذها في المنطقة والتهيئة للتدخل العسكري بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما أعلنت على إيران حربًا إعلامية وشاملة، والحقيقة أن الولايات المتحدة التي فوجئت بالثورة الإيرانية وخطها المعادي قد وجدت في قضية الرهائن فرصة «للاستثمار» وتطبيق مبدأ كارتر الذي يقضي بالتدخل في «المناطق الحيوية» والذي بدأت ملامحه تتضح منذ منتصف السبعينيات، حيث واجهت الولايات المتحدة مشاكل عديدة في كثير من مناطق نفوذها بسبب تنامي الوعي لدى الشعوب بعامة والشعوب الإسلامية بخاصة.

الرهائن من جديد:

ومع أن قضية الرهائن ظلت مستثمرة من قبل الولايات المتحدة طوال عام مضى إلا أنها دفعت إلى أولويات الاهتمام الدبلوماسي والسياسي خلال الأسبوعين الأخيرين، والسبب الذي دعا الطرفين لتقديم تنازلات في مسألة الرهائن يعود فيما يبدو بالدرجة الأولى إلى الحرب العراقية الإيرانية، فالولايات المتحدة تريد أن «تبتز» حاجة إيران للأسلحة وقطع الغيار لتقديم تنازلات في مسألة الرهائن من جهة، وللضغط على النظام الإيراني لإعادة علاقاته بها كما كانت أيام الشاه، ويقال في هذا الصدد: إن أمريكا تحاول أن تدفع بالعسكر إلى سدة الحكم في طهران بعد أن تكون قد زودتهم بالسلاح الذي يعيد لإيران التوازن العسكري مع العراق، كما أن كارتر حاول أن يستثمر الموضوع كورقة انتخابية ضد منافسة ريغان.

أما إيران فيبدو أن الثورة الإيرانية تريد أن تستغل الرهائن للغرض الذي قاله رئيس وزرائها محمد علي رجائي في خطبة الجمعة «إن طهران سترغم أمريكا على تسليمها قطع الغيار التي اشترتها، وإن إيران لن تتخلى عن استقلالها أبدًا».

وفوق ذلك فإن إيران باتت تشعر أن هذه الأزمة سببت لها عزلة دولية هي في غنى عنها الآن، وأنه آن الأوان للخلاص من أزمة الرهائن باعتبار أن احتجازهم لمدة عام «درس لا ينسى لهؤلاء الذين عملوا كجواسيس لأمريكا في إيران».

والجدير بالذكر أن مسألة احتجاز الرهائن من قبل الطلاب الذين حازوا تأييد الخميني، قد وجدت معارضة داخل إيران، فالرئيس بني صدر كان قد انتقدها من قبل واعتبرها «خاطئة من أساسها» وحتى القاضي المتجول صادق خلخالي لم يكن مؤيدًا لها إضافة إلى عدد من أعضاء البرلمان.

وقد تضافرت هذه العوامل جميعًا «لتلين» من موقف الثورة الإيرانية، فكان أن اتخذ الخميني ومجلس الشورى قرارًا بوضع «خطة عادلة للإفراج عن الرهائن».

«كان الرد الأمريكي على لسان توماس روس الناطق بلسان وزارة الدفاع الذي قال «مستعدون لنقل الأسلحة بسرعة فائقة، وتذكركم بإمداداتنا لإسرائيل عام 1973»!

الشروط الأربعة:

على أية حال فقد سبق للسيد الخميني أن خول البت في موضوع الرهائن للبرلمان، وعلى إثر محادثات أمريكية إيرانية استدعت زيارة محمد رجائي لنيويورك، اجتمع البرلمان يوم الأحد قبل الماضي وناقش مسألة الإفراج عن الرهائن فوافق على ذلك بشروط أربعة هي: 

• عدم التدخل السياسي والعسكري المباشر وغير المباشر في الشؤون الداخلية لجمهورية إيران الإسلامية.

• الإفراج عن كافة الأرصدة الإيرانية.

• إلغاء وإبطال كافة الأعمال والإجراءات الاقتصادية والمالية المتخذة، وإبطال مفعول جميع المطالب المالية ضد إيران.

• إعادة ممتلكات الشاه.

ويلاحظ أن هذه الشروط خلت من النص على محاكمة الرهائن، وبالرغم من أن كارتر وصف هذه الشروط بأنها «أساس إيجابي» لتسوية القضية، وتوقع المراقبون أن يتم الإفراج عن الرهائن بناء على ذلك قبل الانتخابات الأمريكية، إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث، وتطورت الأمور إلى تشكيل لجنة حكومية للإشراف على تسوية أزمة الرهائن، بعد أن أذن آية الله الخميني للطلاب بتسليم الرهائن إلى الحكومة، وتقوم سفارة الجزائر في كل من البلدين بالإشراف على محادثات الإفراج عن الرهائن طبقًا لقرار البرلمان الإيراني.

القضية بين يدي ريغان:

والآن بعد أن فاز ريغان بانتخابات الرئاسة الأمريكية تكون قضية الرهائن قد أصبحت بين يديه ... وتعليقًا على نجاحه قال محمد علي رجائي «إن مسألة الرهائن ستأخذ مسارها الطبيعي ولن تتأثر بنتيجة الانتخابات».

وكانت الخارجية الإيرانية قد بعثت بمذكرة عاجلة للخارجية الأمريكية مطالبة بوضع نهاية سريعة لأزمة الرهائن، ولكن «إدموند مسكي» وزير الخارجية الأمريكي قال: إن حل الأزمة يتطلب «وقتًا وصبرًا». 

وهكذا فإن كل الدلائل تشير إلى عدم قرب إنهاء الأزمة والإفراج عن الرهائن، فالبون بين الطرفين كما هو معلن ما زال كبيرًا، ومن يدري فقد تظل القضية مطروحة «إعلاميًا» دون حل سياسي إلى أن يتربع ريغان على كرسيه في البيت الأبيض في نهاية شهر يناير المقبل.

درس وعبرة: 

وإذا كانت هنالك من عبرة ودروس تستفاد من أزمة الرهائن فهي كالتالي:

• الشعوب المغلوبة على أمرها تستطيع متى توحدت كلمتها أن تجرح كبرياء أكبر دولة في العالم كالولايات المتحدة.

• إن السطحية في العمل السياسي قد تجر الويلات والدمار، فأزمة الرهائن كان الأولى في الميزان الإسلامي عدم الدخول فيها والاكتفاء بطرد البعثات الدبلوماسية.

• إن قضية الرهائن أخذت هذا الحجم من الاهتمام بسبب أنها تمس أمريكا وكرامة أمريكا ونفوذ أمريكا، وبعبارة أخرى حطت من «قدسية» أمريكا لدى العالم فنالت كل ذلك الاهتمام والتركيز الإعلامي.

• على أن أهم درس يستفاد وخاصة لدى المحللين والمراقبين في كثير من دول المنطقة أن «الجهل» وعدم الموضوعية والهوى كانت القاسم المشترك الأعظم لكثير من التحليلات والآراء.

فالذين صوروا الأزمة على أنها «لعبة» أو «مسرحية» استفاد منها كارتر دون أن يدفع للخميني شيئًا، بمجرد أن جاء الإعلان عن نية إيران بالإفراج عن الرهائن مع موعد الانتخابات الأمريكية، ولكن نتيجة الانتخابات الأمريكية جاءت لتؤكد أن الشعب الأمريكي اختار ريغان لأنه «قوي» يستطيع أن يؤدب إيران ويوقفها عند حدّها في مسألة الرهائن!

• والحقيقة التي أكدتها أزمة الرهائن كذلك هي أن الإعلام العربي والإسلامي كان مجرد تابع للإعلام الأمريكي والدولي، بحيث صور للقارئ أن قضيته الأولى هي قضية الرهائن وليس قضية فلسطين وأفغانستان، أو قضية الاستقلال عن السياسة والأحلاف والتكتلات الدولية والمشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي!

الرابط المختصر :