العنوان ردًّا على كتاب يوسف صديق.. مفتي تونس: القرآن ليس قصة للتسلية
الكاتب عبدالقادر عبار
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1990
مشاهدات 71
نشر في العدد 959
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 20-مارس-1990
"القصص القرآني في
رسوم متحركة" - هو عنوان السلسلة التي ألفها أستاذ فلسفة تونسي مقيم بفرنسا
يُدعى: يوسف صديق، والتي تضم 11 جزءًا: ثمانية منها تحت الطبع وثلاثة في سوق
الكتاب.
هذا الكتاب-المشروع أثار ردود فعل حادة
ومتنوعة، نظرًا لجرأة صاحبه على المقدس الإسلامي وإقدامه على تجسيد قصصه وتحويل
نصوصه إلى رسوم متحركة متسلسلة، بدعوى تثقيف النشء وتربية الأجيال وتوجيه الشباب.
وقد نُشرت هذه الردود الرسمية العليا
على صفحات بعض جرائدنا اليومية ومجلاتنا الأسبوعية، وعلى رأس هذه الردود: رد
المفتي الشيخ مختار السلامي الذي نشرته جريدة "الصباح" يوم الجمعة 22
جمادى الثانية 1410هـ بالصفحة الثالثة، ورد المجلس الإسلامي الأعلى الذي نشرته
مجلة "حقائق" بتاريخ الجمعة 22 جمادى الثانية بصفحتها العاشرة، كما أن
صاحب الكتاب اضطر للمجيء إلى تونس خصيصًا للاجتماع بالصحفيين ولإبلاغهم وجهة نظره
ورده على الردود التي أثارها صدور مؤلفه.
فماذا تقول هذه الردود؟!
تعليق المفتي
1- المفتي: الخلط بين ما
جاء في القرآن وما كتبه المؤلف له آثار سلبية على الناشئ:
بين مفتي الديار التونسية الشيخ مختار
السلامي موقفه من الكتاب المصور للقصص القرآني. وقد استهله بقوله: "زارني
بمكتبي السيد يوسف الصديق يوم 19 جمادى الثانية 1410 - 16 يونيو 1990 وأهداني
ثلاثة أجزاء من المسلسل المصور بالعربية للقصص القرآني: 1- هود - صالح - يونس
عليهم السلام - إبراهيم عليه السلام - أصحاب الفيل". ومثلها باللغة الفرنسية، وأكد لي أن قصده خدمة الدين الإسلامي والقرآن ورغب
مني أن أنظر في إنتاجه. ثم يواصل الشيخ المفتي حديثه مقدمًا هذه الكتب في جانبها
المادي قائلًا: "والكتب الثلاثة نسج قصصها السيد يوسف الصديق والخطوط من
السيد حميد المكزي أما المسلسل المصور فهو في الجزء الأول من عمل:
فيليب طوله وفيليب جواني. وهذه الكتب الثلاثة صادرة عن دار
"الألف" بجنيف وجميع الحقوق محفوظة للسيد يوسف الصديق ودار
"الألف" وقد تتبعت الكتب الثلاثة في صيغتيها العربية والفرنسية".
ويبين الشيخ المفتي الدافع الذي كان وراء نشر وتعريف موقفه من هذه الكتب،
أمام الرأي العام بقوله: "ولما كان هذا العمل لا يهم صاحبه وحده وإنما هو يهم
أولًا بالذات من توجه إليهم السيد يوسف الصديق أعني الناشئة الإسلامية وخاصة بين
الثانية عشرة والسادسة عشرة... فإنه فرض واجب أن أنشر تعريفًا بهذه الكتب".
مآخذ المفتي على هذه الكتب: بيداغوجيًّا
وشرعيًّا:
يقوم منهج المؤلف في هذه الكتب على
النحو التالي: أنه يتتبع القصة في القرآن ويحاول أن يضم النصوص بعضها
إلى بعض من السور المتعددة ثم يضيف إلى القصة القرآنية في أولها ووسطها ونهايتها
حوارًا من عنده ويكتب فقرة من فقرات القصة في إطار به رسوم من أشخاص أو مشاهد
طبيعية وقد ترتبط الفقرة في أعلى الصورة بفم قائلها. وتأتي مآخذ المفتي
على هذه الطريقة كالآتي:
- أن الخلط بين ما جاء في القرآن وما كتبه المؤلف له آثار سلبية على
الناشئ إذ تجعله يعتقد أن كل ما يقرؤه هو نص القصة القرآنية مع أنه ليس كذلك.
- أن القرآن ما كان كتاب قصة للتسلية إذ منهج القرآن في قصصه أن يذكر
مشهدًا من المشاهد يتناسق مع أول السورة وما تقدم المشهد من بشارة أو إيثار
أو بيان وتبصير... فاتخاذ القصص القرآني للتسلية والمتابعة المقطوعة عن
المحيط السابق واللاحق، انحراف عن منهج القرآن وطريقته، وهو تأثر بمنهج
التوراة التي تقوم على السرد القصصي الكامل.
- أن تصوير المعاني القرآنية بالصورة فيه حبس النص في حدود الصورة
المرسومة وقيام مصورين لا يفهمون العربية... وغير مقتنعين بصدق الدين يطبع
آثارهم قطعًا بما هو حاصل في نفوسهم... وقد بدت ترسبات الاحتقار والخطأ في
سلسلة الصور: فالأشخاص كلهم من الدعامة وسوء المنظر ما يوحي بأن مبعث
الرسالات كان لأقوام انحرفت صورهم واستولت عليهم الدمامة وقبح الخلقة ومعظم
الصور تناسب الأصقاع الباردة.
وأما المآخذ في جانبها الشرعي فيجملها
المفتي كالتالي: أ- لم تتوفر الأمانة في كتابة النص القرآني: فقد انتشر
التحريف في النص المقدس، من ذلك: ما جاء في النص الأول من الكتاب الأول ص(9)
﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ﴾ بسكون فوق الواو مع أن الواو مفتوحة، ثم في صفحة
"18" ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ بتنوين يوم مع أن الأصل يوم غير منون وبنفس
الصفحة أيضًا: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ بكسر الكاف مع أن
الكاف في الأصل مفتوحة وبالصفحة 33: فذروها تأكل - بضم اللام مع أنها ساكنة
وبالصفحة 24 ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ﴾ بفتح الباء مع أنها مكسورة.
كما أنه في الرسم تارة يرسم السكون على شكل وتارة يرسمه مستديرًا وهو ما يشوش على
القارئ الناشئ في النطق. ب- عدم اختصاص المؤلف جعله يقع في أخطاء شنيعة ففي مقدمة
الكتاب يصف حديث ابن هشام بأنه حديث صحيح جيد الإسناد مع أنه منقطع مروي عن مجهول:
قال ابن هشام: "وحدثني بعض أهل العلم". ج- تحريف لما ورد في القرآن: ففي صفحة 19 افتتح قصة صالح بأن العين شحت وأن
قوم صالح أهمهم ذلك وتدبروا أمرهم مع أن القرآن يؤكد أن الله قد رزق قوم صالح
عيونًا لا عينًا واحدة، وأن مياهها تتدفق وأن الخصب قد عم أرضهم، كما جاء في سورة
الشعراء من الآية 146 إلى 148. د- الأخطاء في التعبير وضعف الحوار.
بعد سرد هذه المآخذ يختم المفتي موقفه
بقوله: "لقد اقتصرت على النصف الأول أي ثلاثًا وعشرين صفحة من الجزء الأول
الذي يعد ستًا وأربعين صفحة ولم أسجل كل ما جاء فيها من أخطاء ولكن قدمت نماذج
تعرف بمستوى العمل. وهو لذلك مضر بالناشئة في عقيدتهم ولغتهم وفي ذوقهم، وعلى
الأولياء وهم القائمون المسؤولون عن حسن تربية أبنائهم وسلامة تكوينهم أن يحولوا
بينهم وبين هذه الكتب مع أني لا أتهم السيد يوسف صديق في دينه ولكني أقول له: إن
عمله يناقض قصده.. وأنه لا يؤصل الذات المسلمة كما جاء في الصفحة الرابعة من
المقدمة، بل هو يضلها وينحرف بها".
موقف المجلس الإسلامي الأعلى:
هذا إذن باختصار موقف الشيخ المفتي من
كتاب: "القصص القرآني في رسوم متحركة". وأما موقف المجلس الإسلامي
الأعلى للبلاد التونسية فجاء فيه أنه يعلن رفضه لنشر هذه المجموعة وترويجها..
ويراها عبثًا ينال من قدسية القرآن الكريم، ويعتبر أن تجسيم معاني القرآن الكريم
بالصورة ضلالة وبدعة لما يؤدي إليه من تحريف كلام الله عن مواضعه وتشويه حقائقه
التي لا تخلو من غيبيات يعجز الحس عن تصورها فضلًا عن تصويرها، وأن تشخيص الأنبياء
بالصور في القصص المقروء أو المرئي لا يحل بإجماع علماء الإسلام. وبناء على ذلك
فإن أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى: 1- أجمعوا على أن هذا العمل ينكره ديننا الحنيف ويحظر نشره
وترويجه داخل العالم الإسلامي وخارجه. 2- يعتبر أن هذا العمل يسيء إلى قداسة القرآن وإلى المسلمين
علمًا بأن صاحبه بعيد عن الاختصاص في الدراسات الإسلامية ولم يستشر أهل الذكر قبل
طبعه المجموعة هذه القصص باللغتين العربية والفرنسية. 3- يوصي المعنيين من
المؤسسات الإسلامية ودور الطباعة والنشر والتوزيع بالعمل المجدي من أجل الحيلولة
دون تكرار مثل هذا العمل حفاظًا على حرمة مقدسات الإسلام.
موقف ورد المؤلف عبر ندوة صحفية:
يبدو أن المؤلف استفزته جملة الردود
المختلفة ولم ترضه مآخذ الناقدين لمجموعة قصصه المصورة... لذا امتطى الطائرة من
باريس إلى تونس ليعقد ندوة صحفية يوضح فيها وجهة نظره ورده على الرافضين لمشروعه
وكان اللقاء بالصحفيين صباح الأربعاء 17 يناير 1990، فماذا قال فيه؟ 1-
في البداية تطرق المؤلف - كما نقلت ذلك جريدة "الصدى" ليوم السبت
30 يناير 1990 بصفحتها الخامسة - إلى موقف الدكتور فوزي فيض الله - من الكويت
والذي انتقد فيه مجموعة يوسف صديق في مقال نشره بإحدى أعداد "القبس"
وشبه فيه المؤلف بسلمان رشدي قال: أن هذا الرجل - يقصد الدكتور فيض الله - ينطلق من أحكام
انطباعية شخصية من مؤلفي هذه القصص. مقولة أنه لا خير فيه للإسلام - ويكيل لي
تهمًا خطيرة مثل قوله: أن جهات صليبية تقف وراء عملي، وبأني مأجور ويشبهني بسلمان
رشدي.. وأنا أتوجه لكل علماء الدين أن ينصفوني من هذا الرجل. وأتوجه إليكم أنتم
أيها الصحفيون لتقولوا له أن كتابي يخدم الإسلام وأنه لا وجه للشبه بيني وبين
سلمان رشدي. 3- أما بالنسبة للمجلس الإسلامي الأعلى بتونس فقد راسلته قبل
أن أقدم على نشر كتابي هذا أطلب رأيه في المسألة، فلم أتلق منه سوى رد جاف يقول:
نحن غير موافقين على مؤلفك هذا أو غير موافقين على نشره. وحاولت الاتصال عندما جئت
إلى تونس - بأعضاء هذا المجلس لمناقشة الموضوع معهم ولكن دون جدوى، ولكنهم اليوم
يصدرون بيانًا يعلنون فيه: أن تشخيص الأنبياء بالصور في القصص المقروء والمرئي لا
يحل بإجماع علماء الإسلام. وهذه الفقرة - يقول المؤلف - تدل على أن أعضاء هذا
المجلس لم يطلعوا على كتابي بل هم لم يطلعوا حتى على المقدمة التي جاء فيها قولنا:
"نحن نزهنا في هذا العمل الأنبياء والرسل والملائكة تنزيهًا مطلقًا عن كل
تشخيص وجعلنا الأنبياء الذين هم محاور القصص القرآني حاضرين ذاتًا وذكرًا غائبين
رسمًا وهيئة". ثم ينهي المؤلف ندوته الصحفية بقوله:
كتابي موجه لأبنائنا وبناتنا وهو بيداغوجي بالدرجة الأولى، ولا مجال للمقارنة بين
كتابي وبين كتاب سلمان رشدي كما أنه لا مجال لتشبيهي به. هذه إذن محاولة رصدنا
فيها بعض الجدل القائم حول نشر وتوزيع كتاب "القصص القرآني في رسوم
متحركة" لصاحبه: يوسف صديق. ويبدو أن الأيام القادمة ستشهد جولات دفاعية
تبريرية تتزعمها الصحافة العلمانية... تساند من خلالها أستاذ الفلسفة الذي كلف
نفسه إنجاز كتاب خارج دائرة اختصاصه!