العنوان في المنتدى الفكري: الأدب الإسلامي والصحوة (854)
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1988
مشاهدات 71
نشر في العدد 854
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 02-فبراير-1988
* لا
بد من إيجاد الأرضية الصحيحة من أجل تنظير القواعد النقدية للأدب الإسلامي.
* معاناة الأديب
المسلم من أجل لقمة العيش تؤثر على المستويات الفنية لإنتاجه الأدبي.
للصحوة
الإسلامية المعاصرة فضل كبير على التيارات الأدبية الإسلامية وفنونها من شعر وقصة
ومسرحية ومقالة وغير ذلك.
ولإلقاء المزيد
من الأضواء على القضية الأدبية في عصر الصحوة وبيان التأثر والتأثير فيما بينهما،
دعت المجلة ثلاثة من الإخوة المختصين بالأدب الإسلامي لمتابعة المناقشة التي
بدأناها مع الدكتور الهاشمي والدكتور النحوي. وفي جلسة المنتدى هذه ناقشت المجلة
أبرز قضايا الأدب في عصر الصحوة مع كل من الأساتذة الأفاضل:
1. الأديب الناقد الدكتور أحمد محمد الخراط،
الأستاذ المشارك في جامعة الإمام محمد بن سعود.
2. عضو رابطة الأدب الإسلامي الدكتور عبد الباسط
عبد الرزاق بدر، الأستاذ المشارك في الجامعة الإسلامية.
3. عضو رابطة الأدب الإسلامي الشاعر المسلم
الأستاذ يحيى الحاج يحيى.
وقد طرحت المجلة
على الإخوة المشاركين أسئلتها في هذا المنتدى وفق القضايا الآتية:
________________________________________
1- الصحوة وفنون
الأدب:
المجلة: هل
للصحوة الإسلامية تأثير واضح في فنون أدب العرب، وآداب المسلمين؟ وأين بلغ هذا
التأثير؟
د. عبد الباسط
بدر:
• كانت الصحوة الإسلامية كمجداف يقع في ماء
ساكن، فيرتج الماء حيث يقع المجداف ثم تنداح دوائر الماء حتى تبلغ آخر قطرة عند
الشاطئ، فقد بدأت الصحوة في ميدان الفكر ثم اتصلت بالميادين الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية وأخيرًا الأدبية. وعلى الرغم من تأخر اتصالها بالأدب فقد أثرت فيه
تأثيرًا واضحًا، يتمثل في الظواهر التالية:
o تدفق
الأعمال الأدبية الإسلامية، وتعبيرها عن قضايا المسلمين.
o الدعوة
الجادة إلى تنظير الأدب الإسلامي، وتأصيل قواعده النقدية.
o ظهور
رابطة الأدب الإسلامي.
أما الظاهرة
الأولى: فنراها في حركة النشر القوية في العقود الثلاثة الأخيرة، فقد ظهرت أعداد
كبيرة من الدواوين والقصص الإسلامية وعدد من المسرحيات الإسلامية.
صحيح أن الأدب
لم ينقطع عن معالجة أمور المسلمين منذ فجر الإسلام إلى اليوم، لكن معالجاته كانت
تتفاوت قلة وكثرة، وسطحية وعمقًا بتفاوت العصور والأحداث.
وفي مطلع العصر الحديث كانت المدائح النبوية
وقصائد بعض الصوفيين أبرز ما يحمله الأدب من قيم إسلامية. وعندما اشتدت الهجمة
الغربية على المجتمعات الإسلامية المنهكة، كان الأدب أحد أسلحة المدافعين عن
الإسلام والمسلمين، فقد استنهض الأدباء الهمم للدفاع عن الخلافة الإسلامية
المهددة، وبكوها بكاءً حارًّا عندما أُسقطت، وحثوا المسلمين على إقامة وحدة
إسلامية تشد أزرهم وتعينهم على استعادة مجدهم. وقدم جيل أحمد شوقي وأحمد محرم
والرافعي ومحمد إقبال ومحمد عاكف آرصوي... إلخ إسهامات عظيمة في هذا الميدان،
فأعلوا الصوت الإسلامي الذي كادت تخنقه الأحداث العاصفة.
ومع ظهور الصحوة
الإسلامية واشتدادها، ظهرت أعمال أدبية تواكب الصحوة - وإن كانت قد تأخرت عنها
خطوات قليلة - وتعبّئ مشاعر الجماهير وتسهم في نشر الوعي في صفوفهم وتجسد قضاياهم.
وما لبثت هذه الأعمال أن كثرت وتحولت من قصائد تُفجرها مناسبات هنا وهناك إلى
دواوين متوالية، وما لبث الأدباء الإسلاميون أن اقتحموا بجرأة ميادين القصة
والمسرحية وجعلوهما معابر لعدد من القضايا الإسلامية. فقبل أربعين سنة -مثلًا- لم
تكن تجد من القصص والمسرحيات الإسلامية ما يتجاوز عدد أصابع اليدين. أما الآن
فبإمكانك أن تنشئ مكتبة كاملة للقصة الإسلامية العربية وغير العربية، ورفًّا في
مكتبة من المسرحيات الإسلامية.
والظاهرة
الثانية هي: الدعوة الجادة لتنظير الأدب الإسلامي وتقنين قواعده النقدية. وهذه
ظاهرة جديدة في تاريخ الأدب العربي ونقده، وهي نتيجة مباشرة للصحوة الإسلامية
المعاصرة، فقد أدرك العاملون في حقل الدعوة أن عصرنا هذا عصر نظريات وقواعد،
ولمسوا أثر النظريات الشرقية والغربية في شبابنا المثقف، وأدركوا خطورة غياب
التنظير الإسلامي في ميدان الفنون والآداب، واستنهضوا المختصين القادرين لسد هذه
الثغرة الخطيرة. وقام بعضهم بوضع الأسس الأولية، وتوالت على آثارهم الخطوات
التالية، وظهرت مقالات وكتب تتحدث عن الأدب الإسلامي وتشيع مصطلحاته، وتضع عددًا
من قواعده النقدية. ودار الحوار واسعًا حول العلاقة بين الإسلام والأدب، ووظيفة
الأدب في المجتمعات الإسلامية، والموقف من الفنون الأدبية الحديثة، وامتدت إلى
مفهوم الجمال في الإسلام وبدأت محاولات جادة لصياغة نظرية الجمال الإسلامية. وهذه
قضايا أدبية خطيرة، طالما فتنت بعض أدبائنا ونقادنا، وطالما كانت المقولات الغربية
فيها المنطلق الوحيد لقطاع كبير من النقد العربي الحديث. وكان للصحوة المعاصرة فضل
كبير في التنبيه إليها وتنشيط الأقلام للكتابة فيها، وقد أنتجت هذه الأقلام بحوثًا
لا بأس بها حتى الآن، وما زال عطاؤها مستمرًا.
والظاهرة
الثالثة هي: ظهور رابطة الأدب الإسلامي: فلأول مرة في تاريخ الشعوب الإسلامية يظهر
تجمع للأدباء المسلمين على اختلاف مواطنهم ولغاتهم - يشد أزرهم ويبرز أصواتهم بين
ضجيج الأصوات المعادية ويعينهم على توظيف طاقاتهم المبدعة في خدمة مجتمعاتهم
الإسلامية.
د. أحمد خراط:
الصحوة الإسلامية حقيقة بارزة لا ريب فيها، بيد أن تفاعل الأدب الإسلامي معها
والتعبير عن مظاهرها وأبعادها لم يكن على مستوى عمق الصحوة ووضوحها وطموحها. لقد
قصّر الأدب الإسلامي في مواكبتها ودفعها، فأين الشاعر الملتزم الذي يبلغ في تعبيره
وتصويره مستوى العمق الفني؟ وأين الروائي العالمي الذي يستطيع أن ينقل قضايا الأمة
عبر صفحات الرواية فتبلغ مستوى الآداب العالمية؟ وأين كاتب المسرحية الذي يستثمر
فن المسرحية استثمارًا عاليًّا؟ وأين استخدام طاقة الرمز لينقل الأديب عبر أجوائه
هموم الأمة؟ وأين نشاط الترجمة الأدبية لنتعرف على إطلالة الآداب التي كتبتها
الشعوب الإسلامية بغير اللغة العربية؟ وأين التغطية العالية الفنية لأدب الأطفال
بميدانه الرحب؟ إنني لا أنكر الإشراقات الأدبية التي نطالعها بين الحين والآخر
ولكنها تظهر على استحياء. إنني على ثقة بأن إمكانات أدبائنا والباحثين وأصحاب
الأقلام النقدية طيبة، وتحتاج إلى من يستثمرها ويدفعها إلى الساحة العربية
والعالمية. إن الأمة الحية تراجع مسيرتها لتعززها، والأدب الإسلامي بحاجة إلى من
يراجعه ليعززه ويبوئه مكانته.
الأستاذ يحيى
حاج يحيى: يكفي أن تلقي نظرة على الإنتاج الأدبي في هذه الفترة، لنتبين إلى أي حد
بلغ تأثير الصحوة. وسأكتفي هنا بفن واحد، هو فن القصة التي استخدمتها كل الاتجاهات
ولم يكن للاتجاه الإسلامي غير منحى واحد، هو المنحى التاريخي، ولكن بتأثير الصحوة
انتقلت من الإطار التاريخي وبدأت تواجه الواقع بتصور صحيح، ومنهج واضح، وتعاطف مع
القضايا الإسلامية المعاصرة، لتظهر ما تواطأت وسائل الإعلام على إخفائه والتعتيم
عليه! ومن أبرز ما قدمه الدكتور نجيب الكيلاني «ليالي تركستان - عذراء جاكرتا -
عمالقة الشمال - الظل الأسود - ليالي السهاد - الطريق إلى الله».
كذلك كان للصحوة
تأثير واضح في الشعر وعلى مستوى العمل المسرحي وفي الدراسات عن الأدب الإسلامي
المعاصر.
________________________________________
2- تفاعل
الأدباء مع الصحوة:
المجلة: إلى أي
مدى يتفاعل الأدباء في العالم الإسلامي والعربي مع الصحوة المباركة؟
يحيى حاج يحيى:
إذا كان هذا التفاعل لم يأخذ مداه كما هو مأمول منه، فلقد برز هنا وهناك سواء في
العالم العربي أم العالم الإسلامي. ولعل الندوات والمؤتمرات التي عُقدت في عدد من
الجامعات العربية والإسلامية، وتأسيس الروابط الأدبية من مثل «رابطة الأدب
الإسلامي» العالمية، وظهور التيار الإسلامي في عدد من آداب الشعوب الإسلامية كما
في المدرسة الأدبية الإسلامية التركية «ماورا» التي تضم نخبة ممتازة من الأدباء
المسلمين في تركيا، لعل هذا وغيره يعطي صورة من صور التفاعل مع الصحوة المباركة.
د. عبد الباسط
بدر: من صفات الأديب - أي أديب - أنه ذو حساسية عالية، يهتز للحدث الطارئ. وتُشغل
أعماقه في الأفراح والأحزان، وهذا أسلوب في التفاعل مع الأحداث والقضايا، وهو ما
كان منه في الصحوة الإسلامية المعاصرة.
فالأعمال
الأدبية التي أشرت إليها قبل قليل من نتاج هذا التفاعل، بل إنني أزعم أن الأدباء
أسهموا في امتداد الصحوة وانتشارها في بلدان إسلامية عدة، فقد قامت قصائد الشعراء
الإسلاميين بإشعال الحماسة في صدور الشباب، وصورت أوضاع المسلمين ومعاناتهم
وتخلفهم. واستنهضت الهمم لمعالجة الأدواء ومواجهة التحديات، وشدت العزائم وذكرت
بنصر الله المجاهدين في سبيله، وزرعت الصبر والسكينة في النفوس، وقاومت موجات
الإحباط والتكبيت التي تعرضت لها بعض الحركات الإسلامية، وامتصت غير قليل من آثار
النكسات. ولعلنا نذكر الدور الكبير الذي قام به النشيد الإسلامي في بعض البلدان
الإسلامية حيث أسهم في التنبيه، وصاحب أمواج النشاط الفعال، وواسى الدعاة ومسح على
الجراح، وما قامت به القصة الإسلامية، حيث صنعت مناخًا تنمو فيه المشاعر الإسلامية
السليمة وينمو الإدراك الصحيح لبعض القضايا الملحة، كقضية تخريب المرأة في
مجتمعاتنا الإسلامية وهموم الدعاة ومجابهاتهم، والإصرار على المنهج الإسلامي في
جوانب الحياة كلها رغم كل المعوقات، وغير ذلك مما حملته القصة الإسلامية
المعاصرة... فالتفاعل قائم وحي. بل إنه يحمل في بعض الحالات طفرات أوسع مما ينبغي،
ولكن للأدباء عذرهم، فهم أصحاب الصدور المتوقدة والغيرة المتأججة... وعوامل
المجابهة والإحباط غير قليلة.
________________________________________
3- أين المستوى
الرفيع؟
المجلة: أبرزت
الصحوة الإسلامية عمالقة في الفكر السياسي والاجتماعي والتربوي. فهل تعتقدون أن
بين الأدباء الإسلاميين من وصل إلى هذا المستوى الرفيع؟ وكيف؟
د. عبد الباسط
بدر: إن تأخر الأدب عن اللحاق بركب الصحوة الإسلامية المعاصرة بضع خطوات قد أثر
-ولا شك- على تطور الأدباء الإسلاميين، وإن المعوقات الكثيرة التي تواجههم في بعض
المجتمعات الإسلامية قد جعل ظهور «عمالقة» في الأدب الإسلامي محدودًا، ثم إن
العمالقة قليلون دائمًا، ونادرون في ميدان الأدب بالذات. وقد يمر جيل وجيل ولا ترى
أديبًا عملاقًا بكل ما تحمله كلمة «عملاق» من دلالة.
صحيح أننا لم
نشهد بعد في هذه الصحوة أديبًا عملاقًا يهز المنابر ويحرك الجماهير على نحو ما كان
يفعله شوقي وإقبال ومحمد عاكف ونجيب فاضل، ولكننا شهدنا أدباء ينتشر إبداعهم
كالبرق في الساحة الأدبية، وقد أقبلت الجماهير المؤمنة على دواوينهم، وما زالت
تنتظر منهم المزيد... وعلى سبيل المثال لا الحصر، هذه دواوين الشاعر المبدع عمر
بهاء الأميري منتشرة في معظم البلاد العربية، وكذلك دواوين هاشم الرفاعي ومحمد
الزبيري ووليد الأعظمي ومحمد الحسناوي وعدنان النحوي ومحمود مفلح وأحمد فرح عقيلان
وعبد الرحمن بارود وشريف القاسم وأحمد صديق وعبد الله عيسى سلامة وحسن الأمراني...
وغيرهم كثير، تملأ الساحة وتهز الأعطاف بالقصائد المؤثرة.
وفي ميدان القصة
استطاع الأديب المبدع نجيب الكيلاني أن يرتقي بالقصة الإسلامية إلى قمم شاهقة وهو
عملاق قصتنا بلا منازع. وفي ميدان النقد والدراسات الأدبية كان الأستاذ محمد قطب
-كأخيه- رائدًا فذًا، غير أنه انشغل بقضايا الفكر الإسلامي المعاصرة واستغرق فيها
تمامًا، ولو منح الأدب بعض اهتمامه لكسبت ساحاته ناقدًا ومنظرًا عملاقًا، ثم هناك
الدكتور عماد الدين خليل ذو المواهب المتعددة، الذي أغنى المكتبة العربية بدراسات
نقدية عميقة وفذة، أسأل الله أن يعينه على المزيد منها، فنكسب عملاقًا في النقد.
إن في ساحة
الأدب الإسلامي شعراء وقصاصين ونقادًا يملكون مواهب عظيمة ويبشرون بولادة عمالقة
في الأدب الإسلامي ونقده، آمل أن يتدرجوا في خطواتهم الثابتة وأن يواصلوا جهادهم
الصادق لحمل أمانة الكلمة وأدائها ولسوف يعينهم الله سبحانه على الوصول إلى
المكانة التي يرنون، ويرنو مجتمعهم إليها.
ولنذكر في هذا
السياق حقيقة مؤلمة هي: ما يعانيه الأديب المؤمن الملتزم من معوقات ومجابهات في
عدد من المجتمعات، أهونها معوقات النشر، وإعراض وسائل الإعلام عنه. ولو أن الأديب
الإسلامي وجد الفرص المتاحة والتشجيع الوافي والتوجيه المسدّد لكان لدينا الآن عدد
من العمالقة، ولكن إزاء الظروف التي يعرفها كل داعية، لا أملك إلا أن أقول: ترى كم
من المواهب وُلدت؟ وكم من العبقريات خُنقت وهي بعد في مهدها؟!
يحيى حاج يحيى:
الذين وصلوا إلى المستوى المنشود عديدون، أمثال: الشاعر محمد إقبال وعمر بهاء
الدين الأميري، وسيد قطب -رحمه الله- في كتاباته النقدية، وهناك آخرون على الطريق
وهؤلاء انطلقوا من تصور إسلامي للكون والحياة والإنسان فيما صدر عنهم.
________________________________________
4- ميادين خدمة
الصحوة:
المجلة: ما هي
الميادين التي خدم بها الأدب الإسلامي صحوة الأمة في هذا الزمن؟
د. أحمد خراط:
لو تتبعنا النصوص الأدبية على مختلف أجناسها، والدراسات النقدية التي أُنشئت حولها
لوجدنا أن الأدب الإسلامي بذل بعض الواجب - وإن كان الواجب يتطلب أكثر - فقد ربط
الأمة بتاريخها ونحن أمة لا قيمة لها إذا تخلت عن جذورها، وعبّر عن النكسات التي
ألمت بالقصة الإسلامية والإيجابيات التي حققتها، وصوّر الواقع المؤلم الذي آلت
إليه وشحذ الهمم لاستئناف الدور اللازم. وقد تنوع الأداء الفني من شعر وقصة
ومسرحية ومقالة وغير ذلك.
إننا إذا أدركنا
عمق الأثر الذي تمنحه الكلمة البناءة المستقاة من موهبة وقدرة على الإبداع سعينا
في أن نرتفع بها إلى المستوى المطلوب. صحيح أن ضعف الحوافز أمام الأديب اليوم
وافتقاده لمن يدعمه ويرعاه، بالإضافة إلى تأثره بالهجمة المادية التي يغرق فيها
عالم اليوم، وتأثره كذلك بضحالة الثقافة العامة والسطحية التي تسم المعارف
واكتسابها، كل أولئك عوامل تساهم في التعثر، ولكن يبقى الإخلاص والإيمان بخطورة
المهمة المنوطة به رافعين للأديب المسلم ليجود عطاءه وفنه لتكون كلمته أقرب إلى
الكلمة الطيبة التي تحدث عنها القرآن الكريم.
يحيى حاج يحيى:
إن الفراغ الذي تركته السياسة في عدم اتخاذها مواقف جادة من عدد من القضايا
الإسلامية استطاع الأدب أن يملأه، وأن يكسب متعاطفين جددًا لها، إذ وقف إلى
جوارها، وعبر عن معاناتها، وأوجد تعاطفًا معها، في عصر اتسم بالتمزق والشتات.
فقضية تركستان التي كاد المسلمون ينسونها أبرزها العمل الروائي للكيلاني في «ليالي
تركستان» ومأساة الشعب المسلم في الحبشة خلال حكم هيلاسيلاسي أظهرتها قصة «الظل
الأسود»، ومعاناة المسلمين عند تسلط الشيوعيين - ولو لأيام - كما حصل في الموصل
إبان حكم عبد الكريم قاسم عبرت عنها رواية عماد الدين خليل «الإعصار والمئذنة».
ومن يقرأ «ملحمة
عمر» لعلي أحمد باكثير يشعر بعظمة الإسلام الذي ربى رجلًا مثل عمر؟ وكذلك من يطالع
«قصص من التاريخ» لعلي الطنطاوي يرى الحقيقة التاريخية من خلال أسلوب رفيع
المستوى.
د. عبد الباسط
بدر: إن الميدان الحقيقي للأدب هو الشعور والوجدان، فالأدب طاقة وجدانية تهز مشاعر
الآخرين وتعمل على توجيهها، ولذلك فهي تملك القدرة على غرس قضايا ومفهومات معينة،
واقتلاع قضايا أخرى.
وقد استثمر
الأدب الإسلامي هذه الطاقات لخدمة الأمة الإسلامية في صحوتها المعاصرة في جوانب
عدة منها: الإعداد النفسي للدعاة والعاملين في الحقول الإسلامية الأخرى، والإسهام
في الإعلام الإسلامي، والإسهام في تعميق بعض قضايا المسلمين.
فقد استطاعت
منابر الأدب قبل نصف قرن أن تزرع أشكالًا من القومية العلمانية والوطنية الضيقة،
أساءت إلى المفهومات الإسلامية في بلاد إسلامية كثيرة. واستطاع الأدب الإسلامي
بعدها أن يقاوم تلك التيارات الهدامة وأن يسهم في مطاردة آثارها، وأن يعزز الشعور
بالانتماء الإسلامي الصحيح. واستطاع الأدب الإسلامي أن يعزز أيضًا الثقة بالنفس،
والصبر على الشدائد، والإصرار على الشخصية الإسلامية، والعمل على تنميتها. كما
استطاع أن يحفظ لقضية فلسطين وجهها الإسلامي بعد أن كاد يغيب عن الميادين السياسية
والفكرية والدبلوماسية في بلاد كثيرة، وما زال يقوم بهذه المهمة العظيمة رغم تشويش
الطبول المزورة، وأن يبرز الوجه الإسلامي المضيع لثورات الجزائر وتونس وبعض
الثورات الداخلية ضد الطغيان. وستظهر الأيام قيمة ما فعله الأدب الإسلامي في هذه
القضايا. واستطاع أيضًا أن يبرز محن الشعوب الإسلامية غير العربية التي قصّر فيها
الإعلام في بعض البلاد، بدءًا بمحنة الشعب المسلم في أفغانستان ووصولًا إلى محنة
المسلمين في بلغاريا.
________________________________________
5- نظرية للأدب
الإسلامي:
المجلة: إلى أي
مدى يمكن للأدباء الإسلاميين في هذا الزمن الانطلاق من نظرية خاصة بالأدب
الإسلامي؟
د. أحمد خراط:
هذا العصر هو عصر النظريات والتخصصات والمنطلقات. فإذا كنا نؤمن بأن الإسلام هو
الشرعة المتكاملة القادرة على قيادة العصر بتوازن يشمل جوانب الحياة كلها، فإن على
أدبائنا مسؤولية عظمى في الكشف عن نظرية الأدب الإسلامي وتطبيقاتها على الأجناس
الأدبية. وإنني أذكّر «رابطة الأدب الإسلامي» بواجبها لصياغة النظرية وبيان جذورها
وأبعادها. لماذا يكون لكل نظرية وضعية معاصرة صياغة ومصنفات وأشكال من الأدب تعبر
عنها ولا يكون لنظرية تهيمن على الجميع بصدقها في مضمونها وتميزها في بناء
الإنسان؟ إن من يقرأ في مذاهب الأدب الغربي المختلفة يلمس الهراء والضياع والتعبير
عن شذوذ الإنسان وهبوطه، ولكن هؤلاء يقولون: تلك نظريتنا؛ فماذا عندكم من نظرية
وأدب يعبر عنها؟
إن رابطة الأدب
الإسلامي بهذه الصفة العالمية التي تحوزها قادرة إن شاء الله على دفع مسيرة
رسالتها بعقد أشكال من الحوار حول الأدب الإسلامي، والقيام بالدراسات النقدية
حوله، ورعاية الأدب الذي يتسم بالعمق والأداء الفني.
يحيى حاج يحيى:
لقد تعددت الكتابات عن نظرية الأدب الإسلامي التي تعتبر حديثة الظهور قياسًا
للمذاهب الأدبية التي تبلورت من خلال الأعمال الإبداعية والدراسات النقدية.
ومصطلحها النقدي لا يزال يخطو خطواته الأولى، ولم يبلغ المأمول منه بعد. ولعل
المستقبل القريب يحمل لهذا المصطلح الاستقلالية التي يتميز بها.
د. عبد الباسط
بدر:
• من نواميس الإبداع الإنساني أن التطبيق
يسبق التنظير، فقد تدفق الشعر قرونًا عدة قبل أن يُقنن العروض، والتزم الناس قواعد
اللغة، سليقةً، قبل أن يستنبطها علماء النحو. وهذا يعني أن للقواعد والنظريات
حالتين: حالة الوجود الكامن أو غير المعلن، حيث تكون القواعد والأحكام في سياق
العمل الأدبي يحس به الأديب فطرة ويطبقه سليقةً، وحالة الوجود الظاهر أو المعلن،
حيث تكون القواعد والأحكام مقننة ومحصورة في نصوص متداولة. وفي هذه الحالة يصدر
الأديب عنها سليقةً وثقافة، ويصدر عنها الناقد بالضرورة.
وبالنسبة لنظرية
الأدب الإسلامي فهي غير مقننة في صياغات ناضجة بعد. هناك كتابات تعرض أطرافًا منها
موزعة في هذا الكتاب وذاك، ولو جُمعت لشكلت قدرًا وافرًا منها. وثمة محاولات جادة
لإصدار صياغة كاملة لها، يقوم بها عدد كبير من الدارسين المتعمقين، أرجو الله أن تتم
في وقت غير بعيد. ولا يعني هذا أن الأدباء الإسلاميين اليوم لا يصدرون عن شيء،
أبدًا، فهم يصدرون عن مفهومات مشتركة كامنة في أعماقهم، وسيظلون كذلك بعد صياغة
نظرية الأدب الإسلامي، فالأدب لا بد أن يصدر عن اقتناع كامل، والأدب الإسلامي
بالذات بعد الإيمان العميق ركنًا أساسيًّا فيه. غير أن غياب نظرية الأدب الإسلامي
يفتح ثغرات واسعة في عمل بعض الأدباء، وتوجد اضطرابًا في بعض المفهومات، وتجعل
النقد الأدبي الإسلامي عاجزًا عن مواكبة الإبداع وتسديد خطواته، وعاجزًا عن تنمية
الأدب وتطويره. والأدب الذي لا يملك من يسدده ويعمل على تطويره معرض لأخطار كثيرة.
________________________________________
6- ملاحظات
وتوصيات:
المجلة: هل
لديكم ملاحظات أو توصيات لترشيد مسيرة الأدب الإسلامي؟
د. أحمد خراط:
• إنني أطالب العاملين في ميدان الكلمة أن
يفرقوا بين الأدب المباشر الذي يقدم معطياته تقديمًا قريبًا، وبين الأدب الذي يحمل
صفة الأدب العالمي بطريقة تناوله وتجويده.
إن الكتابة في
الأدب الإسلامي المباشر اليوم متوفرة وقد شغلت حيزًا في دواوين بعض المخلصين
وكتاباتهم، ولكن الساحة الأدبية بحاجة إلى النوع الثاني من الأدب الذي يثبت جدارته
أمام زخم الآداب العالمية بعطائه الفني. إن كثيرين من أدبائنا اقتنعوا بأن ما
لديهم من ثقافة كافٍ فتجدهم لا يعتنون بتطوير ذاتهم. وإنني أُلح على ضرورة بذل
الجهد في تجويد الإنتاج لكيلا يبقى محدود الذيوع.
إنني أقر بأن
المعاناة في سبيل لقمة العيش التي يعانيها الأديب تؤدي إلى نتائج سلبية تؤثر في
المستويات الفنية، فليس له مستقر وليس له إلا أن يلهث وراء لقمة العيش ولكن يبقى
الواجب في إثبات الذات أمرًا لازمًا على كل حال.
د. عبد الباسط
بدر: أهم ما آمله لترشيد مسيرة الأدب الإسلامي أن يهتم أدباؤنا بتنمية مواهبهم
بالقراءة الكثيرة والاطلاع على تجارب الآخرين ولو كانوا في غير صفوفنا، فالأديب
الذي يُثقّف أدواته دائمًا يفرض نفسه على الساحة الأدبية أيًا كان اتجاهه، وصاحب
التجربة المتميزة تهتز له النفوس. ونحن في حاجة ماسة إلى من يثبّت قدميه أعمق
وأعمق، ثم ينطلق بهما إلى قمم عالية. ومما آمله أيضًا أن تشتد حركة النقد الأدبي
الإسلامي وتتعمق أكثر وأكثر، وأن تهتم بالجانب التطبيقي، فتعكف على أعمال الأدباء
الإسلاميين المتفوقين والناشئين فتُظهر جوانب الإبداع والعظمة عند أولئك، وترعى
هؤلاء وتدفعهم في دروب العطاء الأفضل. والله الموفق.
يحيى حاج يحيى:
• هناك ملاحظات شكلية وملاحظات موضوعية، ولعل
من أبرزها: أن يكون للأدباء الإسلاميين دار، أو دور للنشر تُعنى بإنتاجهم وأن يكون
لها من قوة التوزيع ما يمكن النقاد والأدباء الإسلاميين من الاطلاع على هذا
الإنتاج ودراسته ونقده.
المجلة: نشكر
الإخوة الأفاضل مشاركتهم في هذا المنتدى وندعو كل من له رأي بناء في هذا الموضوع
أن يرسله إلينا لنشره، وجزاكم الله خيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل