; الأمم المتحدة عن التحديات التي تواجه العالم: الإرهاب ليس الخطر الأول | مجلة المجتمع

العنوان الأمم المتحدة عن التحديات التي تواجه العالم: الإرهاب ليس الخطر الأول

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005

مشاهدات 55

نشر في العدد 1638

نشر في الصفحة 24

السبت 12-فبراير-2005

قدمتْ لجنةٌ خاصةٌ شكَّلها الأمين العام للأمم المتحدة «كوفي عنان»  تقريراً عن أهم التحديات والأخطار التي تواجه العالم في الوقت الحالي. واللجنة مكونة من ١٥ شخصيةٍ عالميةٍ بينها الأمين العام لجامعة الدول العربية «عمرو موسى»، ويرأسها «أناند بنياراتشون» رئيس وزراء تايلاند السابق.

 أهم نتيجة توصل إليها التقرير تلخصّتْ في استحالة تناول تهديداتٍ محدّدةٍ مثل الإرهاب أو الحروب الأهلية أو الفقر المدقع كلّق بمعزلٍ عن الآخر.

 وقد أكّد التقرير أنّ التنمية هي الأساس الذي لا غنى عنه للأمن الجماعي الجديد كما سمّاه واضعو التقرير، إذ إنّ الفقر المدقع والأمراض المعدية تعتبر تهديداتٍ في حدّ ذاتها، إلّا أنّها تهين البيئات التي تزيد من احتمال ظهور تهديداتٍ أخرى بما فيها الحروب الأهلية.

وقد اعتبرتْ اللجنة أنّ التهديدات التي يواجهها العالم اليوم لم يكن يتوقعها أحد عندما أسِّست الأمم المتحدة في عام ١٩٤٥م، وهي تهديداتٌ من قَبيل الإرهاب النووي وانهيار الدول من جراء الخليط المخيف للفقر والمرض والحروب الأهلية.

وأشار التقرير الدولي إلى أخطار العولمة على السِّلم والأمن الدوليين، حيث أعطى معنى جديداً للعولمة وهو: أن أيْ هجومٍ إرهابيٍ كبيرٍ في أي مكانٍ من العالم الصناعي ستكون له عواقبٌ وخيمَةٌ على رفاه الملايين في العالم النامي. وأي راكبٍ من ركاب خطوط الطيران الدولية وعددهم ۷۰۰ مليون راكبٍ سنويًا، قد يصبح دون قصدٍ حاملاً المرض معدٍ، مميت. 

واضمحلال قدرة الدولة في أي مكانٍ في العالم يضعف من حماية كل دولةٍ ضدّ التهديدات من قَبيل الإرهاب والجريمة المنظمة.

 على أنّ أهمّ ما جاء في تقرير اللجنة ترتيبه للتهديدات والتحديات التي تواجه العالم، حيث اعتبر أنّ هناك ستُّ مجموعات من التهديدات يجب أن يعنى بها العالم الآن وفي العقود القادمة، وهي حسب الترتيب:

أولا الحروب بين الدول.

ثانياً، الحروب داخل الدول، بما في ذلك الحروب الأهلية وانتهاكات حقوق الإنسان والإبادة الجماعية على نطاقٍ واسع.

ثالثا الفقر والأمراض المعدية وتدهور البيئة

رابعاً: الأسلحة النووية والإشعاعية والكيميائية

والبيولوجية.

خامساً: الإرهاب.

 سادسًا، الجريمة المنظمة. ما يلفت الانتباه أن الإرهاب لم يكن الخطر الأول، أو التحدي الأهم الذي يواجه العالم، كما تحاول الإدارة الأمريكية وحلفاؤها تصويره، إذ إنّه جاء في المرتبة الخامسة، فالإرهاب لم يحصد من أرواح الناس مثلما حصدتْ الحروب الخارجية والداخلية، ومثلما يحصد الفقر والأمراض المعدية. 

وعلى الرغم من أنّ الحديث عن الإرهاب هو السلعة الرائجة لدى الكثيرين في المستويات الرسمية السياسية والإعلامية، فإنّ إحدى المشكلات التي تواجه المجتمع الدولي هي عدم الاتفاق على تعريفٍ محددٍ لمصطلح الإرهاب، ومن غير المتوقع أن يتفق العالم على تعريف محدد للإرهاب، إذ إنّ كثيراً من أعضاء المجتمع الدولي يشدد على التفريق بين أعمال المقاومة المشروعة للاحتلال مثلاً، وبين الإرهاب المحض الذي لا يحمل رسالةً مشروعةً،  أو هدفاً شريفاً مقبولاً.

لجنة الأمم المتحدة تعتقد أنّ المنظمة الدولية لم تستغل ما لديها من إمكاناتٍ أفضل استغلالٍ في محاربة الإرهاب. وقد أوصتْ بضرورة أن تتمكن الأمم المتحدة من الإعلان بوضوحٍ عن استراتيجية فاعلةٍ لمكافحة الإرهاب تقوم على المبادئ، وتحترم سيادة القانون، وتدعو إلى مراعاة الجميع لحقوق الإنسان ورأت أنّ إحدى العقبات أمام هذا هي عدم قدرة الأعضاء على الاتفاق على تعريف الإرهاب.

.إن نظرةَ سريعة على تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في أبريل ٢٠٠٤ عن الهجمات الإرهابية- من وجهة النظر الأمريكية الرسمية- تعطي دلالة واضحة على أنّ ضحايا الإرهاب رقمٌ لا يذكر مقابل الضحايا المدنيين للحروب التي شنّته االولايات المتحدة في العراق وأفغانستان على سبيل المثال لا الحصر. فالتقرير المذكور الذي يرصد الهجمات وضحايا الإرهاب في عام ٢٠٠٣م يشير إلى وقوع ١٩٠ هجمة تصنفها الإدارة الأمريكية على أنها إرهابٌ دولي، وهو أقل بثماني هجمات عن عام

٢٠٠٢ ، كما أنّ ٣٠٧ أشخاص فقط قتلوا في تلك الهجمات عام ٢٠٠٣ مقابل ۷۲۵ شخصاً قتلوا عام ٢٠٠٢م.

 ولو وقعت المقارنة بين ضحايا الإرهاب الدّولي كما جاء في تقرير الخارجية الأمريكية، والضحايا الأبرياء المدنيين الذين قتلوا في الاعتداءات الأمريكية على العراق وأفغانستان لاتّضحَ أنّ الإرهاب ليس تحدياً أو مشكلة تهدد الأمن الدولي بقدر ما هي عارضٌ تحاول الإدارة الأمريكية عولمته لتحقيق أطماعٍ خاصة بها.

باحثة تفقد وظيفتها بالبيت الأبيض

الباحثة في مكتب الإحصاءات الأمريكي «بيت دابونتي»  قالت: إنّ نحو ١٢ ألف مدني عراقي قتلوا مباشرة من قبل القوات الأمريكية وقوات التحالف في حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١م، إضافةً إلى موتحوالي ٧٠ ألفاً آخرين بسبب آثار تلك الحرب الناجم عن تدمير المنشآت الطبية ومستودعات التموين والشبكات الكهربائية وشبكات المياه. هذه الإحصائية أوقعت الباحثة هي مشكلة كبيرة مع البيت الأبيض والبنتاجون، وفقدت بسببها وظيفتها، وادّعت أن التقرير الرسمي الذي أعدّته عن الخسائر المدنية في العراق اختفى من مكتبها !

إضافةً إلى الخسائر المدنية: قُتل أكثر من ٤٠ ألف جنديّ عراقيّ في تلك الحرب. إذن – وحسب تقرير دابونتي - بلغت الخسائر العراقية في حرب الخليج الثانية ١٥٨ ألفاً بينهم حوالي ٤٠ ألف امرأة و32 ألف طفل.

 وحتى بالنسبة للإدارة الأمريكية، ألا يمكن أنتكون الحروب التي تخوضها خارج أراضيها أكثر خطراً وتهديداً لمصالحها من الإرهاب؟ فقد قُتل في حرب الخليج الثانية أو بسبب مرض حرب الخليج الغامض حوالي ثمانية آلاف جنديٍّ أمريكي، حسب إحصائيةٍ أمريكيةٍ رسمية صدرتْ عام ٢٠٠٢، بينما سجّل نحو ٢٠٠ ألف جندي آخرين دعاوى يطالبون فيها بالحصول على العلاج الطبي وتعويضاتٍ عن إصاباتٍ وأمراض لحقتْ بهم، وهذا الرقم يعادل ٢8 % من مجموع الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في تلك الحرب (696الف جندي)

265 من خبراء التنمية في العالم: مليار شخص يعيشون بأقل من دولار في اليوم و ۲٫۷ مليار آخرين يعيشون بأقل من دولارين !

وفي حرب العراق الأخيرة قُتل حسب الإحصاءات الأمريكية أيضاً، نحو ٣٠ ألف جندي عراقي وأكثر من ١٥ ألف مدني (تقارير بريطانية تحدثت عن مقتل 100 ألف مدني عراقي) بينما قُتل حوالي ١٤٠٠ جندي أمريكي حتى يناير ٢٠٠٥ 

إذن هل التحدي الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة هو التحدى الإرهاب العالمي أم الحروب التي تبتكرها الإدارة الأمريكية؟

 الفقر والمرض يتحديان!

 أما أحد أهم التحديات الأخرى التي أولاها التقرير الدولي أهمية كبيرة فهو الفقر، حيث أشار تقرير آخر أصدره ٢٦٥ من خبراء التنمية في العالم  إلى أنّ حوالي مليار شخص في العالم يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، بينما يعيش ۲.۷ مليار آخرون على أقل من دولارين في اليوم (1) كانت أغنى22 دولة في العالم قد وعدتْ بتحويل 0,7%منناتجها القومي لمساعدة الدول النامية، لكن الخبراء يؤكدون أنها لم تخصص سوى 0,25% من هذا الناتج.

 الخبراء أنفسهم ألقوا باللائمة على انعدام الإرادة السياسية، والأمراض والحروب والشروط التجارية في عدم إحراز تقدم بهذا الشأن. ويقول رئيس لجنة الخبراء هذه الأمريكي جيفري ساش: نحن لا نطلب أي وعد جديد من أي دولة في العالم.. لا نريد من تلك الدول إلا أن توفي بالالتزامات التي وعدت بها ..

 وحلول مشكلة الفقر في نظر الخبراء ليست بالصعبة، بل هي ممكنة إذا أوفتْ الدول الغنية بوعودها، كما أن عدداً من المشكلات التي يواجهها العالم الفقير- خصوصاً انتشار الأمراض المعدية- يمكن التغلب عليه. فآلاف الأطفال في إفريقيا يموتون کل شهر بسبب الملاريا. ساش وزملاؤه يأملون في تخفيض مستوى الفقر إلى النصف بحلول عام ٢٠١٥والقضاء عليه تماماً بحلول عام ٢٠٢٥(1). 

الأمراض المعدية هي الأخرى تحصد ملايين الأرواح كل عام، خصوصاً الإيدز الذي يعتبر أكبر تحد لدول العالم المتقدم والمتأخر على حدٍّ سواء، وهو المرض الذي يتوقع الخبراء أن يتفوق على طاعون العصور الوسطى من حيث عدد ضحاياه وسرعة انتشاره. وقد قتل الطاعون أكثر من ٤٠ مليون شخص في أوروبا وحدها في القرن الرابع عشر.

 فالإيدز قتل حوالي ٢٠ مليون شخص منذ ظهوره أول مرة أوائل الثمانينيات، وهناك أكثر من ٤٠ مليون شخص في العالم الآن يحملون فيروس المرض. وهناك أكثر من ١٤ ألف شخص جديد يحملون الفيروس كل يوم.(1) العالم الفقير يستنجد بالعالم الغني لإمداده بالأدوية المناسبة للإيدز التي تعتبر عالية التكلفة، ولا يقدر عليها ملايين المصابين الفقراء.

تقرير لجنة الـ ١٥ ركّز أيضاً على مسائل الأمن البيولوجي كما سماها سواء فيما يتعلق بالأمن الغذائي، أو الأسلحة البيولوجية التي تفاقِم من انتشار الأمراض القاتلة . خصوصاً في دول العالم الثالث. وقد أوصى فريق العمل بوضع معايير لاستعمال القوة للحفاظ على الأمن الجماعي، وهي إشارة إلى ضرورة أن تكون مسألة الأمن العالمي بيد الأمم المتحدة وليس دولة واحدة تجر المجتمع الدولي إلى حيث تريد!

 كما حث التقرير على الاهتمام العاجل بمنع الانتشار النووي، وحذرّ من خطر احتمال حدوث فيض من الانتشار في المستقبل. ومن التوصيات التي وضعها في هذا الشأن تعزيز النظام من خلال البروتوكول الإضافي لمنع انتشار الأسلحة النووية وتوفير حوافز للدول مقابل الامتناع عن تطوير مرافق محلية لتخصيب اليورانيوم، وإعادة المعالجة و التفاوض على معاهدة لوقف إنتاج المواد الانشطارية يمكن التحقق منها لتنهي إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب لأغراض صنع  الأسلحة وغيرها.

 الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حذّر في كلمته أمام الجمعية العامة في ايلول/سبتمبر ۲۰۰۳ الدول الأعضاء من أنّ الأمم المتحدة بلغتْ مفترق طرق، وطالب بالارتقاء إلى مستوى التصدي للتهديدات الجديدة، وإلّا فإنّ المنظمة الدولية قد تتعرض لخطر الاضمحلال في مواجهة الاختلاف المتزايد بين الدول والإجراءات التي تتخذها من جانب واحد وهو ما يعاني منه المجتمع الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي.

الأمم المتحدة التي تفتخر بأنها نجحتْ في وقف حروبٍ أهلية من خلال المفاوضات في السنوات الخمس عشر الأخيرة أكثر مما حدث في الـ ٢٠٠سنة الماضية، كما تفتخر بأنها نجحت في منع ما بين15 و ٢٥ دولة من حيازة أسلحة نووية بسبب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، كما تتباهى بأن منظمة الصحة العالمية التابعة لها ساعدت في وقف انتشار مرض (سارس) قبل أن تقتل عشرات الآلاف من الأشخاص أو أكثر. فهل يأتي اليوم الذي ستفتخر فيه الأمم المتحدة بأنها قضت على ظاهرة الإرهاب العالمي وأسبابه الحقيقية حتى تمنع انفراد دولة بالتصرف في العالم كما تشاء ؟

الرابط المختصر :