; القوقاز.. بين تراجع روسيا وأطماع أمريكا وأوروبا ( ٤ من ٥) | مجلة المجتمع

العنوان القوقاز.. بين تراجع روسيا وأطماع أمريكا وأوروبا ( ٤ من ٥)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2008

مشاهدات 79

نشر في العدد 1818

نشر في الصفحة 28

السبت 06-سبتمبر-2008

دراسة أعدها:

المجلس الإسلامي الروسي

إشراف: د. شاميل سلطانوف

 

«القوقازفوبيا» ازدادت في روسيا بعد حادث مدرسة « بيسلان » في أوسيتيا الشمالية عام ٢٠٠٤م الذي قتل فيه ٣٢٠ رهينة

النزاعات المحدودة والمنفردة بين القوميات المعاصرة في القوقاز يمكن أن تنقلب في لحظة إلى أزمة أو نزاع كبير

منطقة القوقاز هي الحد والفاصل الجغرافي بين أوروبا ومنطقتي الشرق الأوسط والأدنى، وهي إحدى أهم المناطق الغنية بمصادر الطاقة الطبيعية «النفط والغاز في العالم» ما يجعلها هدفًا ومطمعًا لكثير من الدول الكبرى.. وفي هذه الدراسة -التي تنشرها «المجتمع» على حلقات- ما يكفي للدلالة على أهميتهاالفائقة.

نزوح السكان الروس... وطموح القوميات الأصلية

يُعد الروس من سكان القوقاز الشمالي الأوائل، حيث استوطنت قبائل من «القوزاق» في حوض نهر «الدون» ونهر «تير» في القرن الثامن عشر، وقاموا باستصلاح وزراعة السفوح والوديان واستثمارها...

ومشكلة السكان الروس في شمال القوقاز - وخاصة في الجمهوريات - ليست مشكلة ديموجرافية أو مشكلة هجرة بل هي مشكلة حكومية أكثر أهمية وتعقيدًا، وتكمن في تأمين الوفاق والآفاق المستقبلية في النمو والتطور اللاحق للمنطقة.

ولا شك في أن الروس كانوا، ومازالوا يلعبون دورًا مهمًا للغاية في القوقاز من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية وأيضًا في المجال السياسي.. ويؤمن وجود السكان الروس هناك الوعي والإدراك الذاتي للسكان الأصليين غير الروس، ويحفظهم من التشرذم إلى دوائر ثقافية محدودة.. ومنناحية أخرى يؤثر الروس في تشكيل القيم والأهداف الثقافية الروسية العامة، وفي المحافظة على الوطنية والوعي الذاتي الروسي.

تغيرات ديموجرافية

وقد حدثت تغيرات عميقة في التركيب الإثني لسكان جمهوريات شمال القوقاز خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة فحتى بداية التسعينيات من القرن الماضي كان الروس يحتلون المرتبة الثانية في عدد السكان في خمس جمهوريات من أصل سبع

في شمال القوقاز.

وفي جمهوريتي «أديغيا» و«قاراتشاي- تشيركسيا» كان الروس يفوقون القوميات الأساسية هناك في العدد «٦٦٪ في الأولى و ٦٨٪ في الثانية»، أما في داغستان فقد كان عدد السكان الروس الأقل بالنسبة إلى عددهم في الجمهوريات الأخرى في شمال القوقاز، حيث يبلغ الوزن النوعي للقوميات الأساسية هناك ٨٢,2٪.. وإجماليًا، بلغت نسبة عدد القوميات الأساسية عام ١٩٨٩م. ما يعادل ٦٣,7٪ من عدد السكان العام في جمهوريات شمال القوقاز، أما السكان الروس فبلغوا 25,6% يسكن معظمهم فيالمدن وخاصة في عواصم الجمهوريات. 

ومع بداية عام ۲۰۰۱م، ازداد عدد القوميات الأساسية في شمال القوقاز بالمقارنة مع عام ۱۹۸۹م.. ونتيجة التناقص الطبيعي للسكان والهجرة تقلص عدد السكان الروس في جمهوريات شمال القوقاز بمقدار ٤٠٣ آلاف أو ما يعادل ٣٠٪ خلال الفترة ما بين عامي ۱۹۸۹م و ۲۰۰۱م...

 والأسباب الرئيسة التي وقفت وراءذلك هي:

- أسباب اقتصادية: وتتلخص في انعدام فرص العمل الثابتة والمستقرة والرواتب المالية المنخفضة، وانخفاض المكاسب المادية، وعدم قدرة الروس على منافسة أبناء القوميات الأساسية في مسألة الحصول على العمل.

 - أسباب سياسية: وتتلخص في عدم استقرار الأوضاع في المنطقة، وخوف السكان الروس من ظاهرة الامتداد والانتشار الإسلامي المتزايد، واستفحال الأزمات والنزاعات الإثنية والقومية وتزايد المشاعر العدائية من قبل أبناء القوميات الأساسية.. بالإضافة إلى انتشار الجريمة وتفشي الفساد في مؤسسات وهيئات الحكم والسلطة.

وفي الفترة التي تلت العهد السوفييتي انتشر مفهوم «الشعوب التي تشكل عماد الدولة» في شمال القوقاز، وتغاضت السلطة المركزية عن ذلك رغم أنها لم تسمح به رسميًا، وأصبح يُطلق على السكان الروس بشكل غير رسمي، وفي بعض المناطق بشكل علني ومفضوح «كما هو الحال في الشيشان وإينغوشيا». تسمية «السكان غير الأصليين»..

هجرة ونزوح

بدأت هجرة الروس من شمال القوقاز في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي لأسباب اقتصادية ثم تحولت في القرن الحادي والعشرين إلى نزوح جماعي للروس من القوقاز «ما يقارب ٦٠٠ ألف شخص حتى نهاية عام ٢٠٠٦م».. واتخذت عملية هجرة الروس من الشيشان وإينغوشيا طابعًا لا عودة فيه «تقلص عدد السكان الروس في الشيشان من ٢٨٠ ألفًا إلى ١٠ آلاف، وفي إينغوشيا من ٢٦ ألفًا إلى 4 آلاف شخص».. وفي الفترة بين عامي ۱۹۸۹ و ۲۰۰۲م ازداد الوزن النوعي للقوميات الأساسية في داغستان من 80% إلى 85% وكذلك الحال في بقية جمهوريات شمال القوقاز الروسي...

 وتقلص عدد السكان الروس في داغستان خلال السنوات العشر الأخيرة بمقدار ٤٥ ألف شخص، تم إجبارهم على النزوح من سهول البلاد وتوطين أهالي الجبال المحليين بدلًا منهم.. وبدأت هذه العملية في العهد السوفييتي، ولكنها اتخذت طابعًا ملحوظًا للغاية في السنوات الأخيرة بسبب التزايد الديموجرافي لسكان الجبال ولعب قرب المنطقة من الحدود الشيشانية وغارات المسلحين المتكررة، والبطالة المنتشرة دورًا سلبيًا كذلك في عملية نزوح الروس من هناك.

من جهة أخرى يتزايد عدد أبناء الجاليات الداغستانية في المناطق المجاورة من كيانات روسيا الفيدرالية ففي منطقة «نفطكومسكي» في إقليم «ستافروبل» يتمركز الروس فقط في وسط المنطقة وأربع بلدات أخرى، أما المناطق الأخرى فيقطنها أبناء الجاليات الداغستانية: وخاصة الدار غينيين والنوغاغيين.. ومع الزمن تحولت الجالية الداغستانية في الإقليم إلى سلطة ظل ونفوذ بديلة، وتجري عملية لفظ السكان الروس أيضًا من منطقة المياه المعدنية في القوقاز.. والآن، على سبيل المثال، أصبح الروس أقلية في «كسلوفودسك»، وأخذ الوضع المحيط بهجرة السكان الروس يصل إلى النقاط الحرجة في أوسـيـتـيـا الشمالية، وجمهورية «قاراتشاي. تشيركسيا»..

«قوقاز فوبيا»

تحمل عملية طرد الروس من جمهوريات شمال القوقاز طابع العجرفة والتكبر القومي المستور من قبل القوميات الأساسية، وتحت غطاء تقرير المصير وبناء كل شعب بلده الخاص به، وهو الأمر الذي تحوّل في الواقع إلى قيام القوقازيين بتشكيل مجموعات وعصابات إجرامية في مناطق روسيا الاتحادية كافة تقريبًا، وفرضهم الإتاوات على رجال الأعمال والتجار المحليين بل ومحاولتهم الاستيلاء على المجالات المربحة من هذه الأعمال، ولكن سرعان ما انقلب ذلك ضد القوقازيين أنفسهم في مدن روسيا المختلفة، وبدأ الناس يشعرون بالنفور والخوف منهم بسبب الشك في ضلوعهم في الأعمال الإجرامية.

وتزايد الخوف من القوقازيين «قوقازفوبيا» في روسيا بعد عام ٢٠٠٤م وأصبح كثير من الناس يرون فيهم تهديدًا على حياتهم وممتلكاتهم.. ويشير استطلاع للرأي العام أجرته مؤسسة «فتسيوم» المختصة في شهر أكتوبر عام ٢٠٠٤م في ٣٩ منطقة في روسيا إلى أن سكان هذه المناطق يخشون ويكرهون القوقازيين، وأكثر من يثير غضبهم من بين هؤلاء هم الشيشان 15% والأذريون 5% والأرمن 4% والقوقازيون بشكل عام وبدون استثناء 6%.

ومن هنا تأتي كراهيتهم وعدم قبولهم على المستوى الشعبي، وفي المجتمع ككل ولهذا السبب ينتهك موظفو الدولة القانون عندما يفتشون وثائق الأشخاص ذوي الوجوه والملامح القوقازية في الشارع ويقومون بالتحقق من هوياتهم الشخصية ويرفضون تسجيل إقاماتهم أو منحهم أذونات عمل أو تقديم الخدمات الطبية والاجتماعية لهم وأمور أخرى غيرها... وعلى سبيل المثال، يرفض السكان تأجير بيوتهم أو شققهم للغرباء، ويشترطون أن يكون المستأجر روسي القومية أو غير  قوقازي، وغالبًا ما يقوم رجالالشرطة والأمن في المدن الروسية بتوقيف كل من تدل ملامحه أو هويته الشخصية على انتمائه إلى قوميات شمال القوقاز.

 وتحاول إدارات المدارس والمعاهد والجامعات، وبمختلف الذرائع، عدم قبول ذوي الأصول القوقازية فيها وإذا اضطرت وقبلت تسجليهم فإنهم يواجهون عدم الود والعداء من جانب الطلاب والتلاميذ الآخرين. وازدادت في السنوات الأخيرة عمليات مهاجمة الأسواق، حيث يعمل القادمون من القوقاز، ويرافق هذه الهجمات عادة تحطيم محلاتهم وبعثرة بضائعهم والاعتداء جسديًا عليهم...

 ويسيطر القادمون من أذربيجان على أسواق الخضار والفاكهة في المدن الروسية وهم هدف مفضل للقوميين الروس المتعصبين عند مهاجمة هذه الأسواق. ويشارك أبناء القوميات القوقازية في المشادات الإجرامية التي تحدث في المدن الروسية لإعادة تقسيم مناطق النفوذ بين العصابات المختلفة ولا بد من التنويه بأن ال«قوقاز فوبیا» ازدادت بشدة في المناطق الروسية بعد حادث مدرسة «بيسلان» بجمهورية أوسيتيا الشمالية أوائل عام ٢٠٠٤م، والذي قتل فيه ٣٢٠ رهينة.

السلطة المركزية

من المعروف أن أي نزاع ذي أساس قومي أو طائفي مشروط قبل كل شيء بسببين أساسيين، وهما : وجود أزمة سياسية اقتصادية حادة، وضعف سلطة الدولة.. وإذا كانت السلطة المركزية في «موسكو» تدعو الهيئات الحكومية ومؤسسات الدولة إلى إبداء الحزم ورد الفعل الحاسم والفوري على أي ظهور للخوف من الغير وكراهيته، وكذلك نحو الكره الطائفي، فإن السلطات الإقليمية والمحلية تغض النظر أو توافق بصمت أو تمارس الحياد حيال ذلك..

والأزمة المستمرة منذ فترة طويلة في القوقاز هي قبل كل شيء نتيجة للعمليات الداخلية داخل الدولة الروسية وداخل كل منطقة محددة فيها، وبالطبع لم يكن من الممكن تصور نتيجة أخرى غير ذلك لكل ما جرى ويجري من تعصب قومي على المستوى الشعبي، وللسياسة الجديدة للنخب الإثنية الهادفة في المقام الأول إلى المحافظة على سلطتها ونفوذ العائلة أو العشيرة أو القبيلة أو المجموعة الإثنية والمتاجرة السياسية المبتذلة عند الحديث عن الأصالة القومية والعادات والتقاليد والعقائد والأنانية في محاولة حل مشكلة شعب على حساب شعب آخر مجاور له.

سياسة غامضة

ونقطة ضعف العلاقات بين القوميات المعاصرة في روسيا تكمن في أن بعض النزاعات المحدودة والمنفردة يمكن أن تنقلب في لحظة إلى أزمة أو نزاع كبير، والسبب الرئيس في ذلك هو ازدياد عملية الهجرة الداخلية في روسيا، وهو ما جعل الغالبية العظمى من كيانات روسيا الاتحادية تتحولإلى مناطق متعددة القوميات والإثنيات..

 وقد أثبتت التجربة العالمية أن أفضل طريقة لمكافحة الأزمات هي الوقاية منها أو معالجتها في أطوارها الأولى المبكرة، وفي حالتنا هذه يمكن أن يكون العلاج أو الوقاية على شكل سياسة قومية واضحة وشفافة وكذلك معقولة في مجال الهجرة الداخلية في روسيا، ولكن لا تزال حدود هذه السياسة غير واضحة إلى حد كبير حتى الآن، بل ويمكن القول: إن سياسة روسيا القومية لا تزال حتى الآن غير متبلورةبشكل واضح ودقيق.

أسباب رئيسة

وهكذا نرى أن الأسباب الرئيسة في التطور السلبي للأوضاع والأمور الإثنية في منطقة شمال القوقاز هي:

ازدياد التقوقع الإثني للقوميات الأساسية «سكان البلاد الأصليين»، والذي يجري تحت شعار بناء كلقومية نظام الدولة الخاص بها، وكذلك تحت شعار تقرير كل شعب مصيرهبنفسه.

حدوث خلل في التوازن الإثني التقليدي فيجمهوريات شمال القوقاز، بما في ذلك أجهزة السلطة ومجال الأعمال؛ بل وحتى في التركيبة القومية الإثنية للسكان والسبب في ذلك نزوح السكان الروس من هناك، وبالتالي ميل الميزان إلى طرف إحدى القوميات الأساسية، وهو ما يولد بدوره التوتر في العلاقات مع الجماعات الإثنية الأخرى التي تعتبر في مصاف الأقلية بالنسبة إلى القومية الأساسية.

- انعدام أي سياسة فيدرالية مركزيةعلى المدى الطويل في شمال القوقاز.

- عدم وجود استقرار في الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي هناك. 

- تواصل عمليات هجرة غير منظمة وغير خاضعة لأي رقابة وما تسببه من إضفاء -طابع الجريمة المنظمة على بعض الجاليات القومية الإثنية القوقازية.

- الفساد المتفشي في معظم أجهزة الدولة ومؤسساتها واختلاس وهدر الأموال العامة.

- كون كافة الإجراءات التي تتخذها الدولة وهيئاتها المختلفة الفيدرالية والمحلية في مجال التصدي للتطرف ذي الطابع الإثني أو الذي يحمل بصمات إثنية «مؤقتة»، ولا تتسم بالطابع الدائم.

استفحال وتفشي البطالة، وعدم توافر فرص العمل الدائم وهو ما يؤدي بدوره إلى انخفاض مستوى المعيشة والحياة للسكان الذي يوفر الوسط الملائم لتشكل وظهور النزاعات ذات الطابع القومي والإثني فيالمنطقة.

 

الرابط المختصر :