; المندهشون المتأمركون | مجلة المجتمع

العنوان المندهشون المتأمركون

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000

مشاهدات 66

نشر في العدد 1397

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 25-أبريل-2000

نشرت صحيفة مصرية تعليقًا يستنكر كاتبه ما فعله أحد المسؤولين مع فنان تشكيلي من روسيا، حيث رفض مشاركته في أحد المعارض الفنية احتجاجًا على ما يفعله الروس بأهلنا المسلمين في الشيشان، ورأى المندهش، وهو التوقيع الذي كتبه المعلق التقدمي الليبرالي أن التعبير الرسمي أو الاحتجاج ضد روسيا بهذه الطريقة عمل مستهجن، وغير مجد ولن يقدم أو يؤخر.

«المندهش» لم يتحرك قلمه بكلمة واحدة منذ شهور طويلة من أجل استنكار الإبادة الروسية للمواطنين المدنيين المسلمين في الشيشان، ولم يتحرك أحد في جريدته «التقدمية جدًا»، ضد القتل الجماعي الذي يمارسه الروس بأحدث الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، فضلًا عن الأسلحة التقليدية، في أرض الشيشان تمنيت أن تتلفظ الجريدة التقدمية المندهشة أو كتابها «المندهشون» بكلمة واحدة تقول: إن آلاف الشيشانيين الذين قتلوا ليسوا إرهابيين ولا مجرمين، وإن شعب الشيشان المسلم الذي أخرجوه من أرضه، وشردوه في المنافي والعراء وتحت الأمطار والثلوج لا يستحق من دولة كبرى كانت عاصمة «التقدمية» و«الاستنارة» و «الثورية» سابقًا، كل هذا العنف الذي لا مسوغ له، وخاصة أن هذا الشعب كان صاحب دولة عظيمة ذات سيادة وذات تأثير، وذات قوة في الوقت الذي كانت فيه روسيا مجرد مقاطعة صغيرة بعنوان «موسكوفيا»، لا تتعدى مساحتها ثلاثمائة كيلو متر مربع، ولكن الهمجية الصليبية استباحت لنفسها دماء الآخرين، وممتلكات الآخرين، وبالغدر والخداع والكذب استطاعت أن تؤسس كيانًا إرهابيًا بشعًا يفرض سطوته بالدم والوحشية والأذى وصار للقياصرة تاريخ طويل ملطخ بالعار يستوي في ذلك القياصرة الملكيون والقياصرة الماركسيون.

إن بعض المثقفين في بلادنا يمارسون دورًا خطيرًا حين يحجبون الحقائق عن الأمة ويصبح دورهم أكثر خطورة حين يزيفون الحقائق، ويقدمونها في صورة مغايرة للواقع ولاشك في أن الماركسيين السابقين الذين تأمركوا يقومون بدور بشع في هذا السياق ويساعدون أعداء البلاد وخصومها لفرض الهيمنة والسيطرة، وتسهيل التبعية والانسحاق، فهم حريصون على إرضاء السيد الصليبي بالدفاع عن أفكاره وتصوراته والهجوم على الإسلام وقيمه وأخلاقه، ولم يعد خافيًا على أحد أن الغرب واليهود لا يريدان بنا وبأمتنا إلا الشر والكيد والهلاك، أيضًا لم يعد خافيًا أن ما يقوله الغرب واليهود حول أمتنا وقضايانا ومشكلاتنا يردده هؤلاء كالببغاوات.

وهكذا تحول الماركسيون السابقون المتأمركون الحاليون إلى أبواق للصليبي اليهودي بعد أن كانوا أبواقًا لماركس ولينين وصاروا الآن يروجون للمفاهيم الغربية حول العلاقات الدولية، والحقوق الوطنية، وطالما كانت المعونات الأجنبية متدفقة على الجمعيات والجماعات التي تخدم الغرب واليهود وتروج لأفكارهم ورؤاهم، فاعلم أن الصليبي اليهودي حاضر بكل قوة من وراء كلمة معادية للإسلام مزيفة للواقع، مخادعة للأمة.

لو كان القتلى المسلمون في الشيشان من الكلاب أو القطط أو النعاج لثأر السيد الصليبي اليهودي ولقامت الدنيا ولم تقعد ولكن لأنهم مسلمون، فإن قتلهم حلال وإبادتهم تقدمية، وتشريد نسائهم وأطفالهم قمة الاستنارة أو التنوير!

أما عندما أرادت الطليعة الصليبية المتمردة في تيمور الشرقية أن تفكك دولة إندونيسيا فإن الاتباع التقدميين المستنيرين الطليعيين في بلادنا العربية، وفي مقدمتهم الجريدة المندهشة لم يملوا الحديث عن دموية الجيش الإندونيسي المتعصب المستبد، ولم يهدأ المندهشون إلا يوم إعلان استقلال تيمور الشرقية، وعودة زعيم التمرد مظفرًا في حماية القوات الصليبية وبجواره رجال الكنيسة المنتصرون، في الوقت الذي فر فيه مسلمو تيمور الشرقية إلى الغابات هربا من الإبادة التي يشنها الصليبيون المنتصرون.

المندهشون في بلادنا مشغولون بهجاء الإسلام والتحريض عليه والشماتة في ضحاياه، لأن هذا أساس التنوير عندهم وقاعدته الرئيسة، وعليك أيها الإنسان البسيط الا تندهش أو تعجب من سلوك التقدميين المتنورين في العالم العربي، فهذا بالنسبة لهم أمر طبيعي، وهذا أيضًا مصدر الرخاء والاستمرار والوجود في الحياة الثقافية والفكرية، إذ لو فعلوا غير ذلك، واستيقظت ضمائرهم لتتحدث عن أهل الشيشان المظلومين والمسلمين المضطهدين في ارجاء الأرض لخسروا كل شيء: الرخاء، والاستمرار والوجود!

الرابط المختصر :