العنوان الافتتاحية.. أمريكا.. والهروب من المستنقع الصومالي
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
مشاهدات 88
نشر في العدد 1071
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
إخفاق
القوة الأمريكية في الصومال
لم تعد القوة
وحدها تكفي لغرض الهيمنة والسيطرة على أي بقعة من بقاع الأرض، وذلك بعدما أخفقت
القوات الأمريكية التي ترفع علم الأمم المتحدة في الصومال في تحقيق أهدافها
المعلنة من وراء تدخلها هناك في ديسمبر الماضي بقرار مفاجئ من الرئيس الأمريكي
السابق جورج بوش قبل أسابيع قليلة من انتهاء فترة رئاسته، ورغم اختلاف المحللين
حول تفسير قرار الرئيس الأمريكي بوش ومدى كونه قرارًا مدروسًا أو قرارًا فجائيًا
قصد به توريط خلفه بيل كلينتون في المستنقع الصومالي، لا سيما وأن الناطق الرسمي
باسم الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر قد أعلن قبل أيام من اتخاذ بوش لقراره
وتحديدًا في 8 من سبتمبر الماضي بأن «أمريكا لا تنوي ولا تخطط لأي تدخل عسكري في
الصومال ولا تنوي القيام بدور الشرطي في هذا البلد».
وأيًا كان الهدف من وراء القرار فقد وصلت
النتيجة إلى قيام مجموعة من الأطفال الحفاة العراة الجياع بجر جثة جندي أمريكي في
شوارع مقديشيو لعدة ساعات قبل أن يتركوها أمام الفندق الذي يقيم فيه الصحفيون
الأجانب، لتقوم الدنيا ولا تقعد في أمريكا حول هذا المنظر الذي ظلت وسائل الإعلام
الأمريكية تبثه ليل نهار على شاشات التلفزة مما أجبر القيادة الأمريكية على إعادة
النظر في أمر استمرار بقاء قواتها في الصومال بعدما تزامن هذا مع قيام الصوماليين
الحفاة العراة الجياع بإسقاط طائرتي هليكوبتر من طراز «بلاك هوك» وقتل 12 عسكريًا على
الأقل وإصابة 78 آخرين بجروح فيما اعتبر نحو 8 آخرين في عداد المفقودين وتأكد أسر
طيار أمريكي على الأقل لاقى مصير زميله الذي قتل حيث جره الأطفال في الشوارع وهو
حي فأصيب بجروح عديدة قبل أن تحتجزه قوات الميليشيا الصومالية في الأسر، وتبث صورة
إلى كافة أنحاء العالم عبر وسائل التلفزة العالمية.
أخطاء
ميدانية وفضائح عسكرية
وقد جاء هذا
بعد عدة أخطاء فادحة ارتكبتها القوات الأمريكية في الصومال جعلتها الهدف الأول
للميليشيات الصومالية من هذه الأخطاء قيام 400 جندي أمريكي من قوات الكوماندوز
الخاصة المعرفة باسم «القوة دلتا» في الأسبوع الأول من سبتمبر الماضي بهجوم مباغت
على مقر منظمتين تابعتين للأمم المتحدة مستخدمة الطائرات المروحية والأسلحة بهدف
إلقاء القبض على عيديد، ثم كانت الفضيحة الكبرى حينما اكتشفوا أن المحتجزين ولعدة
ساعات داخل المبنيين هم مجموعة من الموظفين التابعين للأمم المتحدة، وأن المبنيين
اللذين هوجما تابعان للأمم المتحدة وليس للجنرال عيديد، كما قامت القوات الأمريكية
في الأسبوع الثاني من سبتمبر الماضي بتمشيط أحد أحياء العاصمة مقديشيو وسط دهشة
السكان ثم خرجوا منه يجرون ذيول الخيبة بعدما كانوا يعتقدون أن المخبأ السري
للجنرال عيديد يقع في هذا الحي.
خسائر
بشرية وانتقادات دولية
ثم بدأت
الخسائر تتوالى في صفوف القوات الأمريكية حيث أعلن الميجور دايفيد ستوكويل الناطق
العسكري الرسمي باسم قوات الأمم المتحدة في الصومال بأن قوات «المارينز» هي
المستهدفة من وراء العمليات العسكرية للميلشيات الصومالية.
البحث
عن مخرج من المستنقع
لقد أكدنا على
صفحات «المجتمع» في بداية التواجد الأمريكي في الصومال بأن الصومال ستكون مستنقعًا
للقوات الأمريكية وسيأتي يوم تبحث لنفسها فيه عن مخرج، وكنا نتوقع أن هذا اليوم
سيكون بعد أعوام لكنه جاء سريعًا وبعد شهور.
حيث أعلن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في
الأسبوع الماضي بأن «حل المشكلة الصومالية يكمن في إعادة شؤون الصومال إلى
الصوماليين» ولعل هذا ما يسعى للقيام به المبعوث الأمريكي الخاص روبرت أوكلي الآن
في الصومال وهو البحث عن مخرج للقوات الأمريكية يحفظ لها ماء الوجه بعد ما لطخها
وحل المستنقع الصومالي، لكن التجربة الأمريكية القصيرة في الصومال أفرزت حقائق
هامة ينبغي التأكيد وبقوة عليها.. من هذه الحقائق..
حقائق التجربة الصومالية
أولًا: أن
سيادة العالم والنظام العالمي الجديد الذي أعلنت أمريكا عن تزعمه قد عجزت أمريكا-
وسوف تعجز- عن تحقيقه لأنه لا يتحقق بالشعارات وحدها، لأن من أراد أن يسود فعليه
أن يدرك أن بداية طريق السيادة هو التضحية وإذا كان مقتل 12 جنديًا أمريكيًا قد هز
أمريكا من أقصاها إلى أدناها فارتفعت الأصوات تطالب بالانسحاب، فأني لأمة تعيش من
أجل الحياة وليس لديها استعداد للتضحية أن يكتب لها أن تستمر في السيادة والقيادة؟
ثانيًا: أن الهدف الأمريكي للتدخل في الصومال لم
يكن «إعادة الأمل» والقضاء على المجاعة، إنما كانت هناك أهداف أخرى سعت أمريكا
لتحقيقها تحت علم الأمم المتحدة وبقوات دول أخرى حليفة لها، وستسعى لتحقيقها أو
تحقيق جزء منها بقوات حلفائها بعدما أعلنت أنها سوف تبدأ بالفعل في سحب قواتها
قريبًا.
ثالثًا: أن
إرادة الشعوب أقوى من الدبابات والطائرات والأقمار الصناعية والبوارج الحربية، فقد
أثبت الحفاة العراة الجياع في شوارع مقديشيو أن بقدرتهم أن يهزوا عرش كلينتون في
البيت الأبيض وأن عيديد الذي يختبئ في أحد ضواحي مقديشيو قد عجزت الأقمار الصناعية
التي تستطيع أن ترصد عنوان صحيفة ملقاة على الأرض عن تحديد مكانه إلى الآن.
رابعًا: أنه
على الدول الحليفة لأمريكا أن تعيد حساباتها من جديد بعدما أكد الأمريكيون صراحة
أن بقاءهم في أي منطقة مرهون بمصالحهم وأمن جنودهم وأنهم على استعداد للتخلي عن
حلفائهم مهما كانوا إذا اهتز عنصر من هذين العنصرين الهامين.
خامسًا: أن سنة
الله في الكون والحياة هي التي ستسود في النهاية، وأن من يأخذ بالأسباب مكن له ولن
تستقيم البشرية تحت نظام واحد إلا النظام الواحد الذي وضعه خالق الكون أما باقي
الأنظمة البشرية الأخرى فمصيرها إلى زوال مهما طال عهدها.. «وإن غدًا لناظره قريب».
انظر أيضا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل