; تمثيل حياة الصحابة بين الإجلال والإخـلال «2 من 2» | مجلة المجتمع

العنوان تمثيل حياة الصحابة بين الإجلال والإخـلال «2 من 2»

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004

مشاهدات 71

نشر في العدد 1601

نشر في الصفحة 52

الجمعة 21-مايو-2004

 الفنانون: نطالب الأزهر بتجاوز دوره من مجرد رقيب.. إلى أن يكون مشاركًا في تقدم رسالة الـفن الصحيح النافع

  • المنع يقوم على محاذير إجرائية، وليست شرعية.

  • القداسةلا تحجب المثل الأعلى، ولا تعوق رسالة العلم النافع

 عرضنا في الحلقة السابقة آراء العلماء المعارضين لتمثيل أدوار الصحابة -رضي الله عنهم-، ولكي نقف على الخط الفاصل بين أهل الحرمة وأهل الحل في هذا الموضوع الشائك، كان علينا أن نلج معسكر أهل الفن.. فالتقيناهم بإحدى ردهات المسرح القومي، وكانوا هناك معًا، عبد الرحمن أبو زهرة، ورياض الخولي، ورشوان توفيق، وياسر علي ماهر، وناقشناهم طويلًا، حتى تم تفويض الفنان ياسر علي ماهر، نجل الكاتب والشاعر الكبير الراحل محمد علي ماهر، وكانت هذه الردود المسهبة للتساؤلات المطروحة في موضوعنا.

  • …....……؟

  • هي حالة استلهام وليست فتوى، فليؤاخذني من يؤاخذني على أنه رأيي الشخصي، أو رأينا كمجموعة من الفنانين المتوافقين في الرؤية حول رأي معين، فلسنا أهلًا للفتوى، ولكن هذا لا يمنعنا من أن ندلي بدلونا في قضايانا كفنانين ومثقفين.

  • ………..؟

  •  في رحلة البحث حول هذا الموضوع كان أمامي مصدران أساسيان هما: 

1- المحظورات المانعة شرعًا، والموجودة لدى مجمع البحوث الإسلامية. 

2- رأي والدي المفكر والكاتب الإسلامي محمد علي ماهر في هذا الموضوع.

حيث كان والدي -رحمه الله- يرى أنه لا مانع من ظهور الصحابة أجمعين، بمن فيهم المبشرون بالجنة والخلفاء الراشدون الأربعة، ولكنه كان يتحفظ، ويرى أن المنع أوجب بشأن شخص النبي -صلى الله عليه وسلم-، والأنبياء عمومًا، وذلك من منطق شرعي واضح وهو أن العصمة لا تقلد. 

تساؤلات لا آراء

  • ………..؟

  • هنا تأملات قادتني لها رحلة عملي في سيرة سيدنا خالد بن الوليد، التي قدمتها في مسلسل رجل الأقدار، بالتلفاز المصري، عن حياة الفاتح اللبيب عمرو بن العاص -رضي الله عنه-، ومن نتاج عملي في مسلسل الوعد الحق، وعدة أعمال أخرى، ومن مجموع ذلك سأتوجه للسادة المانعين والمتحفظين والمحرمين بعدة تساؤلات، قد لا ترقى أن تكون آراء وهي:

 أولًا: لم يكن الفن «فن التمثيل»، موجودًا في الأصل أو متعارفًا عليه قبل الإسلام، أو أثناء ظهوره، ولكن كانت هناك ظواهر تمثيلية، مثل ما تجده بوضوح في الشعر العربي، حيث كان الشاعر يقول كلامًا منطوقًا، أو مكتوبًا أو مجسدًا.

 ولنتأمل الأجزاء الحوارية من قصائد الشعر العربي، وعلينا أن نتخيل كيف كان الشاعر يلقيها في جمع أو مهرجان! أكان يقرؤها قراءة مجردة؟ أم كان يقرؤها بصورة تمثيلية تعتبر -وفقًا لما هو متاح في عصره- من أدوات التعبير؟ وهذا يتضح بجلاء في شعر النقائض والمعارضات.

 ثانيا: هناك نوع من التجميد في خطبة الجمعة، يشهد له حديث رسول الله ﷺكلالذيرواهجابربن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله ﷺإذاخطبأحمرتعيناه،وعلاصوته،واشتدغضبهحتى كأنه منذر جيش، يقول صبحكم ومساكم». «رواه مسلم و ابن ماجه»

 ثالثًا: هناك نوع من الأداء الجماعي والفردي في الصلاة والحج، وهناك احترام وتقدير إسلامي للقدرات الأدائية، بدليل تفضيل أذان بلال الحبشي على غيره، وذلك لحلاوة ونداوة صوته، وحسن تأثيره وتعبيره.

 رابعًا: إذا قسنا المسألة على الشعر، وقد بدانا به.. فهناك من الأشعار التي قالها، أو استمع إليها الخلفاء الراشدون، ما كان لها من أثر نافذ في حياة الناس، ومجرى الأحداث، إلى الحد الذي جعل الخليفة العادل عمر بن الخطاب يغير قوانين الدولة الخاصة باستراحات الجند، والنهي عن تجميرهم في الواقعة التي نعلمها جميعًا، عندما كان يتعسس أحوال الرعية، فسمع امرأة تشتكي فراق زوجها، فقام عمر -رضي الله عنه- على أثر ذلك بسؤال النساء دون خجل، عن المدة التي تطيق المرأة -دون فتنة- أن يغيب عنها زوجها فيها؟ وقام بإصلاح نظام إجازات الجنود بلغة عصرنا، ولم يأمر السيدة بألا تقول شعرها، الذي يعتبر في عصرنا الحديث مكشوفًا، فما بالنا بالعصر الذي قيل فيه؟

والفنون التشكيلية أيضًا 

  • ………...؟

  • وإذا قسنا الأمر على الفنون التشكيلية، فالأهرام والمعابد هي خير شاهد على أن المنع مرفوض، بدليل أن كبار الصحابة، وهم أفهم الناس لمراد الشرع، لم يصنعوا ذلك، مع العلم بأن عمل الصحابي أصل من أصول التشريع.

وأحب أن أستأنس هنا بالقاعدة الأصولية، إذا خرج الشيء من محله، تغير الحكم فيه، ولكن على الشروط التي يقررها العلماء الأجلاء، والأمر كذلك أيضًا في الغناء، حيث حسنه حلال وقبيحه حرام.

  • ………..؟

  • ما أفهمه أنا من هذه القاعدة الشرعية، أن الفن له خصوصية لابد من إخراجها، فإذا انطبق على العمل الفني قيم الحق والخير والجمال على إطلاقها، كان حلالًا ونافعًا وصالحًا ومفيدًا، أما إذا توجه للغرائز والدنايا، كان حرامًا، ألست ترى المصطفى ﷺكانيرجعبالأناشيدمعالصحابةفيحفرالخندق.

  • ………..؟

  • هناك تساؤل لهؤلاء السادة الأجلاء، الذين يمنعون تمثيل حياة الصحابة للأسباب التي أبدوها، فإذا كان الخوف من تجسيد حياة ساداتنا صحابة رسول الله ﷺ، هو لا يتشبه بهم «لقداستهم»!! فلست مع هذا القول، لأنه ورد في الأثر: «اذكروا محاسن موتاكم»، ولم يحدد الأثر الأساليب، أو الأشكال أو الهيئات أو المواقف، التي أستطيع بها أن أذكر محاسن هؤلاء الموتى أو أحيي مناقبهم!! أو أتمثل قول ربي حيالهم: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح: 4) الخاص بالرسول ﷺ.. وأنا هنا أحب أن أرفع لهم ذكرهم في الدنيا، كما رفع الله ذكرهم في عليين.

  • ………...؟

  • نعم هذه من التأملات التي تؤرقني، حيث أخشى أن يكون ثوب القداسة الذي نسبله على هؤلاء الأقمار والكواكب المنيرة، قد يمنع رافعًا للإجلال الواجب بحقهم، وقطع لسان يود أن يرفع ذكرهم، وإماتة شخصية تحب أن تتقمص دورهم، وأنا أعتبر هذا من العلم الذي ينتفع به، لذا أخشى أن تحجب القداسة، علمًا ينتفع به، والفن في عصرنا علم، كما أخشى من منع سن السنة الحسنة، التي من سنها كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.

فتمثل لها بشرًا سويًا 

  • ………..؟

  • الفن ما دام يحقق رسالته في ظل شرع الله تعالى، فعلى عالم الدين أن يتفنن، كما أنه على الفنان أن يتدين، وأحب هنا أن أسوق لك شاهدًا قرآنيًا يبيح التمثيل من أوسع أبوابه، ألست ترى أن الله عز وجل قد ارتضي أن يبدل هيئة «الملك» ليلبسه هيئة الإنسان، ويصرح بذلك في قرآنه المجيد في قوله المجيد: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (مريم: 17).. إنها حالة تمثيل صريح، كما أن هناك أحاديث صحيحة واردة بتمثل جبريل -عليه السلام- في هيئة دحية الكلبي، ورؤية بعض الصحابة له عيانا.

  • ………….؟

  • لم أجد عند المانعين دليلًا أتوقف عنده، وأنا أسأل نفسي أولًا: لماذا نقدمهم؟ هل نقدمهم ونحن نكرههم؟! هل نقدمهم ونحن نتخذهم غرضًا؟!

 إذا ما ألاحظه، وتلاحظه معي، أن الحظر حظر اجتماعي، وليس حظرًا شرعيًا، بمعنى أنه يخشى من تضارب الصورة التي تقدمها لهؤلاء الكرام مع الصورة الذهنية التي كوناها لهم؛ وفي هذا نقول: هل اختلت أو اهتزت صورة سيدنا حمزة عندما قدمت في فيلم الرسالة، أو عندما قدم سيدنا خالد أو سيدنا عمرو بن العاص، أو غيرهم، وما الضرر الذي وقعت فيه الأمة حينئذ؟ 

  • ………..؟

  • إذا كانت المسألة ستتوقف بنا عند الصورة الذهنية عن هؤلاء العظام الخالدين، فهناك مئات الصور الذهنية التي تحتاج إلى تعديل أو تغيير بخصوص بعض الصحابة، وما كتب عنهم خطأ في بعض كتب التاريخ، وما دس على حياتهم من أكاذيب هم منها براء.

 ونحن نرى أن التخوف الأخر، يأتي من الأخطاء الفنية التي يمكن أن تحدث، أو التي حدثت بالفعل بحقهم، والتي كان آخرها من أحد الأعمال التي قمت بها، حيث تم تزويج أحد الصحابة مثلًا من زوجة أخيه، وهذا لم يحدث تاريخيًا!! بل كان من خيال المؤلف، وللأسف الشديد وافقت عليه اللجنة المختصة بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ولا يمكن أن يحدث هذا إلا في غياب المعايير عند كل من المبدع والمشرف الشرعي على العمل، «في مسلسل رجل الأقدار، زوج المؤلف عمرو بن العاص من زوجة أخيه هشام بن العاص»!!

 معايير واضحة

  • ………..؟

  • هناك محاذير خاصة بالمناطق الشائكة من تاريخنا الإسلامي، مما قد يحدث فتنة بين فئة وأخرى من الناس.

 وهذا يجعلنا نتساءل، ربما يكون المسكوت عنه خوف الفتنة هو الفتنة بذاتها، ذلك لأن سرية الحوار تخلق سرية المتحاورين فتظهر جيوب تستأثر بمفهوم ما، وتفرضه على من لا يجيدون قراءة التاريخ ولا يتلقونه بضوابط الشرع.

 إذا هنالك دعوة ملحة لعلانية الحوار، كما علمنا ذلك القرآن الكريم في قول ربنا: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111).

  • ………...؟

  • هناك تأمل أخشى أن يكون صحيحًا، وهو أن كثيرًا من حكامنا، في منطقتنا الإسلامية العربية البائسة لا يستطيعون مشاهدة المثل العليا مجسدة شاهدة على من سواها، فبضدها تتمايز الأشياء، وهذا بالضرورة يجعل الجماهير تطالب بمثل ما تراه، وهذا بالطبع يقض مضاجع الكثيرين!!

  • ……….؟

  • أنا معك تمامًا في وضع هذه الضوابط والمحاذير، وأرى منها:

  1. الخوف من التجاوز، ومن ثم فمن يستطيع أن يمنع، يستطيع أن يسمح وفقًا للضوابط الواجبة بكل حزم.

  2. هناك بعض الحلول الغنية، مثل أن يسبق قول الصحابي كلمة يقول، لتكون عازلًا بين القول والقائل.

  3. هناك الكثير من التقنيات الفنية الحديثة التي يمكن من خلالها تقديم المضمون بأكبر قدر من الدقة، لتحقيق أكبر قدر من الفائدة والرد على خصوم الإسلام في العالم أجمع، الذين يوازنون اليوم بين ديننا والإرهاب.

  4. ضرورة مشاركة الجهات العلمية المختصة، وعلى رأسها المؤسسة المنوط بها هذا الأمر، الأزهر بعلمائه الأجلاء الذين يوافقوننا على مشروعية الفن، ورسالته في الدعوة إلى الله على بصيرة.

  5. تقديم تاريخ هؤلاء الأفذاذ دون افتتان في أي أمر صغر أم كبر، فلا اختلاق لأحداث ولا تقديم إلا للحق الحقيقة، من خلال نص تاريخي وثيق.

 وختامًا، نحن ننادي باسم كل الفنانين الملتزمين المثقفين أن يتحول الأزهر بكل مؤسساته العلمية من مجرد رقيب إلى أن يكون شريكًا، ولا يكتفي بأن يقول هذا حلال وهذا حرام، إنما أطالب عالم الدين بتقديم رسالة استرشادية قوية، موازية للجهد الفني الذي أبذله.. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

الرابط المختصر :