العنوان معنى الإرهاب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 19-يناير-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1485
نشر في الصفحة 66
السبت 19-يناير-2002
وردت مادة رهب في القرآن الكريم بأكثر من معنى حسب وجودها في السياق، قال تعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف: 154)، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (البَقَرَة: 40)، وقال تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ (الأنفال: 60).
بالإضافة إلى آيات كثيرة ذكرت في مواضع من آيات القرآن الكريم، وعن المعنى اللغوي لمادة «رهب، قال الفيروز آبادي - في بصائر ذوي التمييز -: رهب كعلم رهبة ورهْبًا، ورهبًا، ورهبانًا، بالضم.. خاف مع تجرز واضطراب كما قال تعالى ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ (القصص: 32).
أي من الفزع.. واسترهبه أخافه، قال تعالى ﴿واسترهبوهم﴾ أي حملوهم على أن يرهبوا.. ومجمل ما قاله المفسرون في هذا، يأتي بمعنى: الخشية – الفرق - الخوف.. وقد وردت كلمة «رهب» في سور كثيرة من القرآن الكريم، وسيقت حسب ما يقتضيه المعنى في الآية الكريمة.
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ما يفزع المسلم ويروعه بأي شكل من أشكال التخويف والترويع والفزع - وهذا ينطبق على كل ذمي معاهد، فله حكم ما للمسلمين لعهده وذمته - وعلى هذا يكون المعنى الاصطلاحي للإرهاب هو الاعتداء على الفرد أو الجماعة بغير وجه مشروع يستوجب جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وإنما دافعه الهوى والاستئثار وحب الذات - خروجًا على تعاليم الدين والنظم المتعارف عليها بين بني البشر – والتي لا تنكر عقلًا وتحقق مصالح الأفراد والمجتمعات وفق مقتضيات إقامة العدل بضابط الدين والعقل: تحقيقًا للمساواة ومقاصد الشريعة الخمسة.
الحقوق الواجبة لكل فرد
من المعلوم أن مجالات التشريع السياسي الإسلامي شاملة لجميع مصالح الأمة، دينيًا ودنيويًا، لأنها أساس مشروعية العمل السياسي وغايته، وهي متفاوتة من حيث قوتها وأثرها، سواء على المستوى الفردي، أو على مستوى المجتمع والدولة.
وتتلخص في ترتيب تنازلي في أنواع ثلاثة ثابتة بالاستقراء: الضروريات، والحاجيات، والتحسينات، وهذه المصالح - على تفاوتها - تعتبر مفاهيم دستورية أساسية كبرى تستقطب كل قواعد التشريع السياسي، وأحكامه التفصيلية المنصوصة منها، والاجتهادية، وبيان ذلك أن للأمة والدولة، وكذلك الأفراد، حاجات ومطالب ومرافق حيوية يفتقرون إلى الوفاء بها، إذ لا تستقيم حياتهم إلا بها، وهي من الكثرة والتنوع والتجدد، بحيث لا يمكن أن يحصيها عد أو تحيط بها نصوص جزئية خاصة، وإن كانت تندرج في مفاهيم كلية تتعلق بكل شؤون حياتهم مادية كانت أو معنوية دينية أو بنيوية عامة أو خاصة.
هذه الحاجات والمطالب.. يطلق عليها الأصوليون والفقهاء «المصالح» أو «المقاصد».
ولتحقيق ما يجد من المصالح، إذا لم يكن قد ورد بشأنه نص خاص به، أو نظير يقاس عليه، أو انعقد عليه إجماع - إذ لا يجوز إهمال مصالح الدولة أو الأمة، أو الأفراد، دون تحقيق لوسائل عملية اجتهادية - إذا لم تكن ثمة نصوص خاصة بتلك الوسائل، فإن التشريع السياسي الإسلامي إذن، كفيل بالوفاء بحاجات الناس ومطالبهم، في كل عصر وبيئة على ضوء من روح التشريع وقواعده وغاياته.
فالتشريع السياسي الإسلامي إذن أساسه هذه المصالح، وهي مقاصده وغاياته المطلوب تحقيقها عملًا، فكانت لذلك أساس المشروعية في التدبير السياسي ابتداءً وبقاءً.
1 – أما «المصالح العامة» فقد ناط التشريع السياسي تحقيقها بالدولة.
وتتمثل المصالح العامة، في الفروض الكفائية.
ب. وأما المصالح الفردية، فقد روعيت بتشريع الحقوق الغربية والحريات العامة، وتتلخص تلك الصالح في أصول ثلاثة، تعتبر أصولًا دستورية تتفرع عنها الأحكام التفصيلية، كوسائل لتحقيقها:
1 – الحرية. 2 – العصمة. 3- المالكية (1) «حرية التملك وحق الملكية».
الثابت في التشريع السياسي الإسلامي الذي تدور عليه أحكامة المنصوصة والاجتهادية «عصمة» الإنسان الفرد عن الإضرار به نفسًا، ومالًا، وعرضًا.
وهذا الأصل في جوهره، من مقومات النظام الشرعي العام ينهض به قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه... ».
والمواطن المسلم وغير المسلم «الكتابي» سواء في حق العصمة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا».
ولأن هذا الأصل من موجهات العدل، ومبانيه، والعدل في الإسلام، مطلق، لا يتأثر ميزانه باختلاف الدين، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ (المائدة: 8).
فالتسامح في الإسلام مع مخالفيه من المواطنين، ليس مجرد خاصة خلقية، بل هو أمر يتصل بمبدأ العدل في تشريعه، فالإنسان الفرد - بتقرير هذه الأصول «الدستورية» الأساسية الثلاثة في حقه - من «العصمة» والحرية والمالكية - ذو شخصية كاملة عاملة حرة مستقلة مسؤولة، لأنه يعتبر في هذا التشريع محور النشاط الفكري، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وقد لخص الأصوليون هذه المصالح مهما تنوعت وتجددت في أنواع ثلاثة رئيسة من حيث قوتها وأثرها في المجتمع والفرد على السواء.
فأولها وأقواها أثرًا الضروريات الخمس الأساسية وهي: حفظ الدين - والنفس - والعقل - والنسل – والمال (2).
وهذه المصالح في أعلى مستوى في القوة والأثر، بحيث لا يستقيم الأمر في أي مجتمع بشري، إلا بتوافرها فيه ليتم له الوجود المعنوي الإنساني على الوجه الأكمل، حتى إذا انخرم واحد منها في مجتمع ما، لم تعد تجري فيه الأمور - إن في السياسة أو الاجتماع، أو الاقتصاد - على استقامة بل على فوضى أو تهارج وسفك دماء، أو على تدنٍ في المستوى الإنساني ومضادة لطبائع الفطرة الإنسانية.
وعلى هذا الأساس نستطيع أن نبين الفرق بين الإرهاب والدفاع عن الحق والحقوق:
تبين لنا سابقًا تعريف الإرهاب، وكذلك تبينت لنا الحقوق الأساسية التي لا يستقيم أمر مجتمع ولا فرد إلا بتحقيقها.
وهذه الحقوق التي هي للفرد والمجتمع على حد سواء، كما تظهر في مقاصد الشريعة الخمسة، فأي خرم لهذه المقاصد، وأي خروج عنها وعن تحقيقها يعتبر اعتداءً، سواء كان ذلك على الفرد أو المجتمع أو الأمة أو أي شعب من الشعوب... إلخ.
وأي تعدٍ من شخص أو دولة أو حاكم أو متسلط.. يدخل في مفهوم الإرهاب لأنه تعدٍ وظلم، والظلم قد يكون على فرد، كما يكون على شعب أو أمة، ففي هذه الحالة، وفي هذا الوضع والشكل من التصرف الخاطئ البعيد عن مبدأ العدل - والشرائع السماوية - وفضائل الأخلاق، في هذه الحالة من التعدي، يحق للفرد أو الجماعة أو الأمة أو أي شعب - أن يدافع عن حقوقه.
وهذا الدفاع مشروع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون عرضه فهو شهيد...» إلى آخر ما هنالك من الملكية الخاصة أو العامة.
فعلى هذا لا تعتبر مقاتلة المغتصب والمعتدي والمستعمر إرهابًا، بل هي مشروعة في مفهوم كل الشرائع السماوية، وفي مفهوم عقلاء البشر وأسويائهم.
هوامش
1 – التوضيح مع التلويح – جـ 2 - ص 161.
2 - الموافقات في أصول الشريعة بتصرف – ج 2، ص 5، وما يليها للإمام الشاطبي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل