العنوان البحرين.. السياسة تتراجع مرحليًا لحساب القبضة الأمنية
الكاتب عبدالحكيم الشامي
تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1949
نشر في الصفحة 36
السبت 23-أبريل-2011
- ولي العهد: نتطلع إلى تبني التعددية الجامعة بعيدا عن التطرف.. ولن نتساهل مع من يريد شق مجتمعنا.
- تشدد أي طرف سيزيد من عمق الفجوة الحاصلة الآن.
- عاد الهدوء والطمأنينة إلى الشوارع.. وبدأت الحركة التجارية بالانتعاش بعد خسائر قدرت بالملايين.
- القبض على عدد من رؤوس المعارضة الذين حرضوا المتظاهرين وطالبوا بتحويل « الملكية» إلى «جمهورية » .
- إجراء تحقيقات مع من دعوا إلى إضرابات جزئية عن العمل أو شاركوا فيها.. انتهت بفصل عدد منهم .
اصبح المشهد الامني «سيد الموقف» في مملكة البحرين الآن بلا منازع، وفي ظله تسير إجراءات لإعادة النظام والانضباط إلى مؤسسات الدولة من خلال عمليات تطهير جزئي وإعادة هيكلة يبدو أنها ستأخذ وقتًا طويلًا، إلى أن تعود السياسة لأداء دورها، وتحين ساعة لم الشمل وإعادة اللحمة الوطنية التي مزقتها أحداث ١٤ فبراير و ١٥ مارس.. فقد أحكمت قوات الأمن وبعض وحدات الجيش قبضتها على المفاصل الحيوية للبلاد، وانتشرت لجان تفتيشية على الطرق الرئيسة ومداخل المناطق والمنشآت الحيوية بالمملكة..
توقيف كل من شارك في أعمال قتل لرجال الشرطة أو لمدنيين أبرياء أو أعمال تخريب وتحريض
وهذا بالنسبة للكثيرين مبعث طمأنينة وارتياح، أما بالنسبة للبعض الآخر، فإن القبضة الأمنية تمثل مصدر قلق وخوف خاصة من شاركوا في إشاعة الفوضى وطالبوا بإسقاط نظام الحكم.
وكان التشديد الأمني قد بدأ منذ لحظة دخول قوات «درع الجزيرة» إلى البحرين عشية الثلاثاء ١٥ مارس الماضي، وفرض الملك حمد بن عيسى آل خليفة حالة السلامة الوطنية (الطوارئ» في اليوم التالي؛ حيث بدأ القبض على رؤوس المعارضة الذين حرضوا المتظاهرين وطالبوا بإسقاط النظام، واشتط بعضهم في المطالب إلى حد تحويل «الملكية» إلى «جمهورية»، كما جرى توقيف كل مَنْ شارك في أعمال قتل لرجال الشرطة أو المدنيين أبرياء، أو أعمال تخريب وتحريض.
ساعة الحساب
ودقت ساعة الحساب؛ فبدأ إجراء تحقيقات مع من دعوا إلى إضرابات جزئية عن العمل، أو شاركوا فيها من العاملين ببعض الوزارات والهيئات الحكومية والشركات العامة وبعض الشركات الخاصة.. انتهت بفصل عدد منهم، خصوصًا من العاملين في وزارة التربية والتعليم وجامعة البحرين و«مجمع السلمانية الطبي» الذي كان بؤرة للعصيان، وصورة صارخة للفوضى التي خطط لها غلاة المتطرفين الشيعة الذين حولوا المجمع – وهو الرئيسي بالمملكة – إلى مكان لتعذيب واحتجاز المرضى من المنتمين لمذهب أو عرق أو دين آخر!
ونتيجة لذلك، تم فصل عميد وسبعة أساتذة و٢٥ إداريًا و ٦٢ طالبًا وطالبة من جامعة البحرين، كما أعلنت وزارة الصحة يوم الأربعاء السادس من أبريل إيقاف ثلاثين طبيبًا وممرضًا عن العمل بعد أن «تبين للجنة التحقيق التي تم إحالتهم إليها وجود مخالفات تستوجب اتخاذ إجراءات احترازية»، كاشفة عزمها إيقاف آخرين في أيام مقبلة.
وخاطبت وزارة التربية والتعليم ديوان الخدمة المدنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة للفصل النهائي لـ ۱۱۱ موظفًا وموظفة ثبت تورطهم في المشاركة في تعطيل الحركة التعليمية والإساءة للنظام، وإيقاف بعثات الموظفين المبتعثين من الذين تورطوا في الأحداث الأخيرة.
وأوقفت وزارة شؤون البلديات والتخطيط العمراني ۲۱ موظفًا ممن «قاموا بأعمال مخالفة للقانون»، وأكد وزير البلديات «د. جمعة بن أحمد الكعبي» أنه سيتم إيقاف عدد آخر خلال الفترة المقبلة «نظرًا لاستمرار تدقيق اللجان المختصة في جميع المستندات والصور التي تبين ارتكاب الموظفين تلك المخالفات»، موضحًا أن «لجان الوزارة شرعت في التحقيق مع أكثر من مائتي موظف تم رصد المخالفات عليهم مدعومة بالمستندات والصور والتسجيلات» ومشيرًا إلى أن «الوزارة لن تتهاون مع من خالف السلوكيات الوظيفية وأنظمة الخدمة المعمول بها في البحرين».
وقررت شركة نفط البحرين «بابكو» فصل ۱۹۰ موظفًا لتغيّبهم عن العمل ومشاركتهم في الإضراب، وقالت في بيان لها: إن التحقيقات مازالت مستمرة مع جميع الموظفين الذين تغيبوا خلال فترة الأحداث الأخيرة.
ويأتي هذا القرار بعد أن قامت الشركة بفصل رئيس نقابتها وتسعة من أعضاء مجلس إدارة النقابة في مطلع الأسبوع قبل الماضي؛ «لمسؤوليتهم في التحريض على الإضراب».
وجرى أيضًا توقيف بعض الناشطين الحقوقيين ممن زوّروا وقائع ونشروا صورا مغلوطة بغرض اتهام السلطة بالإساءة إلى المتظاهرين، ومن أبرز هؤلاء الناشط الحقوقي «عبد الهادي الخواجة»، ورئيس مركز البحرين للحقوق «نبيل رجب». وطالت عملية التطهير كذلك جمعيتي المعلمين والأطباء؛ حيث أصدرت وزيرة التنمية الاجتماعية د. فاطمة محمد البلوشي قرارين؛ يقضي أولهما بحل جمعية المعلمين البحرينية، ويقضي الثاني بوقف مجلس إدارة جمعية الأطباء البحرينية، «نظرًا لما ارتكبته من مخالفات»؛ حيث قامت الأولى «بإصدار العديد من البيانات والخطب التحريضية للمعلمين والطلبة، دعت فيها إلى إضراب عن العمل والدراسة بالمدارس».. بينما أصدرت الثانية «بيانات وممارسات عدة تعد مخالفة لبعض مواد قانون الجمعيات الأهلية ولنظامها الأساسي، كان أبرزها خروجها عن الأهداف التي أنشئت من أجلها والاشتغال بالسياسة»، حسب بيان وزارة التنمية الاجتماعية.
سقوط بعضهم سياسيًّا
أما على المستوى السياسي، فقد جرت في النهر مياه كثيرة، فتم قبول استقالة ١١عضوًا من الكتلة البرلمانية لـ«جمعية الوفاق الوطني» الإسلامية الممثلة للشيعة، من أصل ١٨ هم كل أعضائها في مجلس النواب.
كما تمت إقالة عضو بمجلس الشورى وقبول استقالة آخر، وإعفاء وزير الإسكان «مجيد العلوي» – الذي كان وزيرًا للعمل سابقًا من منصبه لقراره بعدم حضور جلسات مجلس الوزراء، قبيل انتهاء الأحداث تعاطفا مع المتظاهرين.
وكذلك إعفاء وزير الصحة المعين حديثًا «نزار البحارنة»، الذي كان يشغل قبل ذلك منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية، لعدم قدرته على السيطرة على أحداث «مجمع السلمانية الطبي»، وتركه للمتظاهرين من الأطباء والممرضين دون محاسبة.
وقررت النيابة العسكرية إيقاف جمعية العمل الديمقراطي «وعد» عن العمل، وإغلاق جميع مقارها وموقعها الإلكتروني، إضافة إلى القبض على أمينها العام «عبد الحميد عبد الرحمن مراد» للتحقيق معه بشأن بيان أصدرته الجمعية «تضمن عبارات ماسة بالقوات المسلحة، وأخبارًا كاذبة تثير الفتنة والفرقة بين المواطنين، وتعرض لإجراءات التحقيق المتخذة من قبل النيابة العسكرية في القضايا المتعلقة بإعلان حالة السلامة الوطنية، رغم وجود حظر بعدم جواز النشر صادر من النائب العام العسكري».
وكانت السلطات البحرينية قد قبضت على رئيس الجمعية «إبراهيم شريف» ضمن المجموعة الأولى من زعماء المعارضة. وانهالت – بجانب ذلك – بيانات الجمعيات والفعاليات والشخصيات السياسية السنية المطالبة بالقصاص العادل من كل من تسبب في أعمال قتل أو تخريب أو تأزيم، وتقدم عدد من المواطنين ببلاغ للنائب العام وشكوى لوزير العدل والشؤون الإسلامية؛ للتحقيق في مخالفات الجمعيات السياسية السبع الوفاق، وعد أمل المنبر الديمقراطي التقدمي التجمع القومي الديمقراطي الإخاء الوطني التجمع الوطني الديمقراطي لقانون العقوبات وقانون الجمعيات السياسية وقيامهم بالدعوة إلى تغيير وقلب النظام السياسي والاجتماعي، والتعاون مع جهات خارجية لتحقيق هذا الغرض، وتورطهم في أنشطة مست الأمن الوطني خلال الأحداث السابقة.
قراءة رسمية للأحداث
وفي الجانب الرسمي، قال ولي العهد الأمير «سلمان بن حمد آل خليفة»، في خطاب متلفز مساء الخميس السابع من أبريل: «لن نتساهل مع من يريد شق مجتمعنا»، موضحًا أنه «أسيء استخدام الحرية؛ حيث وصل الأمر إلى القتل والجرح وتمزيق النسيج الاجتماعي، وخسائر مادية للبلاد تقدر بمئات الملايين». وأعرب عن ألمه من «دفع بعض الشباب البحريني إلى أمور بعيدة عن الشرعية والمطالبة السلمية بالحقوق»، مؤكدًا أن القيادة «بادرت إلى كل ما من شأنه المحافظة على الأرواح ومقدرات البلد». وأضاف: «لم يدرك هؤلاء أن البحرين أكبر من الحسابات التجزيئية والطائفية»، مؤكدًا «أنهم كانت لديهم قراءة خاطئة للموازين السياسية ووضع البحرين في المنظومة الخليجية»، لكنه أشار إلى أن «المؤسسات الدستورية ستبقى قادرة على القيام بدورها، كل حسب تخصصه وصلاحياته».
وقال: «اليوم نتطلع بكل عزم إلى تبني التعددية الجامعة بعيدًا عن التطرف، فلا مستقبل لنا إلا بين أحضان هذا المجتمع ... ومن غير المسموح أن يشعر أحد بأنه لا مكان له في مجتمعه».
خارطة طريق
وقد لقي هذا الخطاب ترحيبًا من القوى السياسية؛ إذ اعتبرته كتلة المستقلين النيابية «خارطة طريق» للمستقبل. وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني بمجلس الشورى ورئيس الهيئة الاستشارية لجمعية المنبر الوطني الإسلامي «د. صلاح علي»: «إن كلمة ولي العهد عبر تلفزيون «البحرين» تحمل مؤشرات تبعث على الطمأنينة وتحمل الكثير من التفاؤل، وتبث الأمل في نفوس المواطنين جميعًا».
وهكذا، فإن خطاب ولي العهد وما تبعه من تعليقات يؤكدان أن الدولة البحرينية ماضية في مشروعها الإصلاحي، ولكن برؤية جديدة مبنية على «المواطنة والكفاءة»، بعيدًا عن النزعات المذهبية والتحيز الأعمى للطائفة، وهذا من الناحية النظرية كلام جيد ومقبول لكنه عمليًا يحتاج إلى جهود كبيرة جدًا وغير تقليدية لتذويب ما حاق بالصدور من استنفار واستقطاب جراء الأحداث الأخيرة.
طمأنينة.. ولكن!
صحيح أن الطمأنينة والهدوء عادا إلى شوارع البحرين، وبدأت الحركة التجارية في الانتعاش مرة أخرى بعد خسائر قدرت بالملايين، وعاد طلبة المدارس والمعلمون لكن حالة الترقب تسود الجميع مع اختلاف النسب والأسباب، فمن قائل: ماذا بعد تخفيف الإجراءات الأمنية؟ ومن متسائل هل يعود الصف الوطني إلى التماسك بعدما مر من أحداث؟ وثالث يدعو إلى سرعة تطبيب الجراح وعدم تعميقها أكثر من اللازم، خاصة أن واقع البحرين يفرض التعايش بين الجميع وأن التشدد من أي طرف سيزيد من عمق الفجوة الحاصلة الآن بين المكونين الرئيسين للمجتمع السنة والشيعة؛ مما ينذر بعواقب وخيمة.
ومن هنا, جاء بيان وزارة العدل والشؤون الإسلامية البحرينية الأخير بأنه «لا يجوز استهداف الناس وفق اعتبارات معينة، وتصفية الحسابات على أسس غير مقبولة، مما يرفضه الشرع والقانون .. كما لا يجوز تعميم الأحكام واستخدام عبارات التخوين والتشكيك والتكذيب، التي تسهم في الإضرار بالمجتمع البحريني».
وأكدت الوزارة أن «النظر في التجاوزات والأعمال الخارجة عن القانون ستمر وفق قنوات قانونية ونظامية كفلها القانون والدستور المحاسبة المتجاوزين، لا أن تمر عن طريق الشك والظن وإلقاء الاتهامات جزافًا» ... فهل تفلح دعوات العقلاء من الجانبين في كبح جماح الأزمة ولملمة أطرافها قبل أن تتسع إلى الحد الذي لا يمكن السيطرة عليه، أم أن البحرين تنتظر بدائل أخرى لا يستطيع أحد التنبؤ بها الآن؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل