; المجتمع الثقافي (1156) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1156)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1995

مشاهدات 179

نشر في العدد 1156

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 04-يوليو-1995

 المادة القصيصة في روايات نجيب الكيلاني تجمعها وحدة منسجمة

 يحتاج الروائي إلى استغراق مشاعرنا الذاتية معه قبل أن يكون في مقدوره تحقيق أفضل نتائجه الدرامية

ومضة

كانت الصالة ساكنة، بناء على الأمر الإمبراطوري الذي أصدره الأب ليتمكن من سماع نشرة الأخبار وكان الأولاد يضغطون على أنفسهم ويغالبون ابتسامات أو كلمات يتبادلونها همسًا مرة ويندفعون بصوت مسموع -على غير إرادة منهم- مرة أخرى.

وعندما انتهت النشرة، تنفسوا الصعداء، وانفجروا جميعًا وفي وقت واحد يصخبون ويتساءلون، وانهالوا على أبيهم بأسئلة واستفسارات كثيرة، حول ما سمعوه أو فهموه من الأخبار وحول أشياء أخرى.

كأنهم بذلك يعبرون عن ضيقهم بفترة الحظر التي مرت قبل لحظات.. أو أنهم يحاولون الدخول إلى عالم الكبار، والمشاركة في اهتماماتهم، وإشعارهم بوجودهم.

بصعوبة بالغة استوقفهم الأب لترتيب أسئلتهم حسب الأهمية أو لاعتبارات أخرى ربما يكون من بينها التحضير للإجابات المقنعة لأن الأطفال في عالمهم البريء وإحساسهم المرهف لا يستسيغون الإجابات السياسية التي لا تتضمن معنى محددًا وإنما تأتي لملء الفراغ وإسكات السائلين.

ثم بدأت الأسئلة أو قل التحقيقات وتلتها الإجابات هادئة تارة وغاضبة أخرى.. واستنفد الأب جهده لكن الأسئلة لم تنفد وخيل إليه أنها لن تنفد طلب استراحة قصيرة استغلها في التفكير وراح يسائل نفسه كم من الآباء والأمهات يسمحون لأبنائهم أن يسألوا ويعبروا عما في نفوسهم، وكم منهم من يهتم باستفساراتهم ويجيبهم عليها، وكم منهم من يوفق في إجابات تناسب احتياجاتهم.

قطعت الأم تفكيره عندما طلبت منه أن يستمع إلى الحديث الذي يدور بين أصغر طفلين في الأسرة، حيث كان الأخ يشرح لأخته عملية المقاتلين الشيشان في المدينة الروسية وهي لا تفهم كثيرًا مما يقول على الرغم من بساطة كلماته وبراءة عاطفته إلا أنها كانت متجاوبة مع انفعالاته وإشاراته.. وهنا أدرك الأب أن اهتمامات الكبار تنتقل إلى صغارهم عن طريق المحاكاة، كما تنتقل كثير من عادات السلوك.

جائزة عالمية للعلامة عبد الفتاح أبو غدة

لندن: المجتمع

تقرر منح جائزة السلطان حسن البلقية العالمية حول موضوع: «الحديث النبوي الشريف وعلومه العام ١٩٩٥م لفضيلة الشيخ المحدث الجليل العلامة عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله تعالى المقيم في الرياض، المملكة العربية السعودية.

تهدف هذه الجائزة إلى التشجيع والاعتراف بالتفوق الأكاديمي في أي فرع من فروع الفنون والعلوم الإنسانية والاجتماعية مما له علاقة بالإسلام والعالم الإسلامي، وافتتح برنامج الجائزة بموضوع «الحديث النبوي الشريف وعلومه».

الجدير بالذكر أن مركز أوكسفورد للدراسات يتلقى لموضوع الجائزة ترشيحات مختلفة من الأفراد والمؤسسات العلمية وقامت لجنة للمحكمين بالنظر في هذه الترشيحات، ووافقت اللجنة على اختيار فضيلة الشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة للجائزة.

ولد الشيخ الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة في مدينة حلب بسورية سنة ١٩١٧م، ودرس بها حتى عام ١٩٤٢م، ثم دخل في كلية الشريعة في الجامع الأزهر بمصر عام ١٩٤٤م.

وقد حضر محاضرات الأساتذة عبد الوهاب خلاف، ومحمد أبو زهرة، وعبد الوهاب حمودة, ودروس الإمام حسن البنا– رحمهم الله تعالى.

وكانت له تلمذة خاصة لشيخ الإسلام مصطفى صبري والشيخ محمد زاهد الكوثري رحمهما الله تعالى، لازمهما لمدة ست سنوات ملازمة تامة، وتخرج في عام ١٩٤٨م حائزًا على شهادة العالمية من كلية الشريعة ثم درس في تخصص أصول التدريس في كلية اللغة العربية بالجامعة الأزهرية أيضًا لمدة سنتين وتخرج سنة ١٩٥٠م.

درس في ثانويات حلب مادة التربية الإسلامية، كما درس العلوم الشرعية المختلفة في المدرسة الشعبانية والثانوية الشرعية التي تخرج منها.

انتخب عضوًا في المجلس النيابي بسورية في سنة ١٩٦٢م، ثم انتدب للتدريس في كلية الشريعة بجامعة دمشق، ثم قام بإدارة «موسوعة الفقه الإسلامي» في كلية الشريعة بدمشق، فأتم تأليف كتاب «معجم فقه المحلى

لابن حزم». 

درس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة ٢٣ سنة من ١٣٨٥ إلى ١٤٠٨هـ، كما درس علوم الحديث في كلية التربية لجامعة الملك سعود بالرياض حتى تقاعد عن التدريس في سنة ١٤١١هـ.

وانتدب أستاذًا زائرًا للتدريس في جامعة أم درمان الإسلامية في السودان العام ١٣٩٦هـ، وأستاذًا زائرًا لليمن عام ١٣٩٨هـ, وأستاذًا زائرًا لجامعة ندوة العلماء بلكنو، الهند عام ١٣٩٩هـ، كما شارك في مؤتمرات وندوات علمية كثيرة جدًا في سورية والعراق واليمن والسودان والهند وباكستان وأوزبكستان والمغرب وفي أوروبا، وأمريكا وغيرها.

ووقع اختياره للجائزة لما يمتاز به من خدمات علمية جليلة في مجال الحديث النبوي الشريف وعلومه تأليفًا وتدريسًا، بلغت مؤلفاته في الحديث وعلومه خمسة وعشرين مؤلفًا, أخرجها إخراجًا عصريًا مشوقًا مفهرسًا، كما أن له تسعة عشر كتابًا آخر في غاية الأهمية في مصطلح الحديث وعلومه ورجاله، ومن أهمها: فهرسته لكتاب السنن للإمام النسائي أحد أصول الإسلام الستة، وتحقيقه لكتاب «الرفع والتكميل في الجرح والتعديل» للإمام عبد الحي اللكنوي، وتحقيقه لكتاب «قواعد في علوم الحديث» للعلامة ظفر أمد التهانوي، وكتاب: الإسناد من الدين، وكتاب أمراء المؤمنين في الحديث، وكتاب لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث، وكتاب الجمع والترتيب لأحاديث تاريخ الخطيب وغيرها من الكتب الكثيرة القيمة..

واحة الشعر

شعر: عدنان محمد فقيه

ياسراييفو

لا تقولي حسب البلى ما يقول
 
 فلقد طال في الظلام الرحيل
 
ولقد طال في المهامه سير
 
 ليت شعرى متى وكيف الوصول
 
كيف ننسى الجراح والقلب منها
 
 وعلى صدره تدق النصول
 
یا «سراييف» والمآذن ثكلى
 
 غاب عنها الأذان والترتيل
 
قد حنت هامها من الذل قهرًا
 
 حينما سـامها العدو الذليل
 
كم طلول يقصر الوصف عنها
 
 لو أطاقت لساءلتنا الطلول
 
يا حقوق الإنسان أين الدعاوى؟
 
 أین ولت لما أغار الدخيل؟
 
كيف مات «النظام» قبل ابتداء؟
 
 كيف يغدو قبل البزوغ الأفول؟
 
هيئة تنصر الضعيف إذا ما
 
 أيدته لدى القرار «الحقول»
 
وإذا غابت المصالح يومًا
 
 أعوز «الفارس النبيل» الدليل
 
***  
یا «سراييف» لا تطيلي الشكاوى
 
 ف «المغيثون» قاتل وقتيل
 
و«المغيثون» حاسر عن عداء
 
 وكذوب وخائن وعميل
 
«وسوى الصرب من حواليك صرب»
 
 فلك الله أين.. أين.. السبيل
 
***  
يا «سراييف» والمدامع حرى
 
 لو أفاد البكا وأغنى العويل
 
يشفق الدمع أن يسيل حياء
 
 والدماء التي عليك تسيل
 
ليس يشفي إلا نحيب الشظايا
 
 وعويل الردى وسيف صقيل
 
***  

المجتمع الثقافي

البناء الفني في

روايات نجيب الكيلاني الواقعية الإسلامية (١ من ٢)

بقلم: د. حلمى محمد القاعود(1)

لا ريب أن الخبرة الطويلة لنجيب الكيلاني في ميدان الكتابة القصصية قد أعطته قدرة على بناء قصصه ورواياته بصورة جيدة ومحكمة ومتماسكة.. لذا نجد المادة القصصية في رواياته تجمعها وحدة منسجمة مترابطة، ويستطيع القارئ –على حد قول بعض الباحثين- أن يتتبعها بشوق وفهم دون أن يعاني صعوبة ما في تفهمها ورصد أحداثها (2).

وروايات نجيب الكيلاني من النوع الذي يطلق عليه القصة التمثيلية Dramatic Novel؛ حيث يكون التفاعل على أتمه بين الحوادث والشخصيات، فالحادثة التي تجترحها الشخصية، سرعان ما تصبح عاملًا مؤثرًا في القصة، قد يمس الشخصية نفسها مسًا رفيقًا لينًا، أو عنيفًا عاتيًا..(3).

لذا فإن روايات نجيب الكيلاني تحقق التفاعل بين بناء الشخصيات وبناء الحوادث في إطار متماسك ومتنام، بحيث تترابط الحوادث بالشخصيات ترابطًا طرديًا، يجعل نمو كل منهما مرتبطًا بالآخر ارتباطًا وثيقًا.

إن نمو الحوادث يتسق مع التتابع الزمني, قليلة هي الحوادث التي تبدو معقدة، أو تتكشف من خلال سياق متقاطع «رأسيًا وأفقيًا» إنها أي الحوادث تسير في اتجاه أفقي بصفة عامة وهو ما يجعلها بصورة ما أقرب إلى الحوادث البسيطة، ويعد هذا ميزة من ميزات العمل الروائي الذي لا يلجأ إلى الحوادث المعقدة أو الغربية أو المثيرة، ولكنه يقدم واقعًا يوميًا أو اجتماعيًا مألوفًا يعيشه الناس، ويمرون به ويتفاعلون معه سلبًا أو إيجابًا، وتكمن براعة الكاتب في تقديمه بصورة مشوقة تحفز على المتابعة والتأمل والتفكير وتكوين موقف معين تجاه الواقع وحوادثه، أو على حد تعبير بعض النقاد «إن الروائي يحتاج إلى استغراق مشاعرنا الذاتية معه قبل أن يكون في مقدوره تحقيق أفضل نتائجه الدرامية والخيالية»(4).

إن الكاتب ينتخب مادته الروائية من الحوادث التي يحفل بها الواقع، ويقنعنا بإمكان حدوثها، ويضعها في إطار منظم ليفسر بها الحياة من حولنا، ولا ريب أن نجيب الكيلاني قد فعل ذلك في رواياته الأربع، وفقًا لمقولة «جورج مور» عن «فن كتابة القصة» الذي يعده تتابعًا إيقاعيًا منظمًا للحوادث في أسلوب إيقاعي منظم للعبارات (5).

ويتجلى التتابع الإيقاعي المنظم للحوادث والأسلوب الإيقاعي المنظم للعبارات في بناء الروايات بطريقة فنية جذابة، إذا وقفنا عند كل رواية على حدة، مع الأخذ في الحسبان أن روايتي «اعترافات عبد المتجلي» و«امرأة عبد المتجلي» يعدان بناء موحدًا، جزؤه الأول، الرواية الأولى، وجزؤه الثاني الرواية الثانية.

ويلاحظ بصفة عامة أن البناء الروائي يقوم على ما يسمى بالحبكة المركبة التي تبنى على أكثر من حكاية، ومع بساطة الحوادث، فإننا في كل رواية نطالع أكثر من حكاية تمضي بالتوازي مع الحكاية الأساسية أو تتفرع عنها غالبًا.

وتقوم رواية «اعترافات عبد المتجلي» على تكوين شخصية الشاب «عبد المتجلي القصاص» الموظف الصغير بمجلس القرية ويحمل دبلومًا متوسطًا في التجارة، ولكنه مثقف يقرأ ويتعلم ويفكر، تذهله حادثة سرقة الونش العملاق من أكبر ميادين القاهرة وسط الزحام والناس ورجال الأمن، ولا تستطيع الأجهزة المعنية العثور عليه، فيقرر عبد المتجلي أن يحصل على إجازة من عمله ويذهب إلى القاهرة ليتابع قصة الونش ويبحث عنه بنفسه, وفي القاهرة ينكشف عالم جديد بالنسبة له, ويخوض عباب مأزق ومحن تنتهى به إلى السجن والتعذيب ومن ثم يعود إلى قريته.

وقد يبدو حدث البحث عن الونش غير مقنع بصورة ما، أو خياليًا في مفهوم البعض، وبخاصة بعد أن عم الإحباط المجتمع بأسره, وسيطر عدم المبالاة على الناس، وانشغالهم بالبحث عن توفير رغيف الخبز أو أساسيات الحياة، وبعد أن تكفلت الدولة بإدارة كل المرافق وتركت للناس شئونهم الشخصية فقط، بل إنها تتدخل في هذه الشئون أحيانًا «تحديد النسل مثلًا».

بيد أن نموذج عبد المتجلي موجود، وقائم داخل المجتمع مع ظروف الإحباط وعدم المبالاة والانشغال بالذات، وإن لم يعبر عن نفسه تعبيرًا إيجابيًا كما فعل عبد المتجلي، فالكثيرون يحلمون بالتغيير ويتحرك في أحشائهم الرفض للفساد والقهر والعفن وكل ما هو شانه صحيح أن القلة هي التي تبادر إلى الفعل أو التعبير العملي عن الفكر، ولكن الأغلبية مع ظروفها الصعبة تحلم وترفض، وإن كان ذلك يتم في صمت نتيجة للخوف أو أسباب أخرى، ومن ثم فإن نموذج عبد المتجلي ممكن التحقق والالتقاء به في المجتمع بصورة وأخرى.

ويستطيع عبد المتجلي بعد بحث أن يتوصل إلى أن الونش قد تم تقطيعه في إحدى الورش الميكانيكية، وبيع إلى تجار في الصعيد فيستعد للسفر إلى هناك، وهنا تتصاعد الأحداث وتتلاحق، بعد أن يتابعه أحد المخبرين ويتقرب إليه، فينطلق لسان عبد المتجلي بالحديث عن الفساد العام، فيقوده المخبر إلى «لاظوغلي» ويسأله عبد المتجلي:

- أين نحن؟؟

- بين فكي الأسد.. (6)

ويبدأ الاستجواب والتعذيب الذي يكشف عن توتر ورغبة قاهرة في القمع، وهو ما يدفع الضابط المستجوب إلى أن يعد موضوع الونش مجرد ستار يختفي وراءه عبد المتجلي الحقيقي.. عبد المتجلي المتطرف ذو الوجه الإرهابي القبيح، الذي ينقل الرسائل والأوامر بين الفصائل الإسلامية المتطرفة في المحافظات والقاهرة وأسيوط(7).

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد الأثر إلى الناس في القرية حيث صاروا يفرون من بيته ومنه كما يفرون من الوباء، وتوقفت المجاملات الإنسانية بالنسبة لأمه وأخته، وقالت الأم:

«لقد جر على نفسه المصائب.. لكن لا بد أن نوكل له أحد المحامين.. ولا مانع أن نبيع الأرض لنشتري رجلنا»(8).

وهكذا تتوالى أحداث الرواية حتى يتم الإفراج عنه، ويعود مع زوجته إلى القرية ليبدأ مرحلة جديدة.

في خلال هذه الأحداث، تظهر حكايات أخرى تصب غالبًا في إحكام البناء الروائي وتشويق القارئ للمتابعة، وتخدم في الوقت نفسه القصة الأصلية أو الأساسية، فهناك قصة تجريف الأرض الزراعية التي سبقت الإشارة إليها، وقصة خطوبة أخت عبد المتجلي لأحد شبان القرية، وحكاية الحشاشين وحكاية أم صابرين وزوجها السابق، ومواقف عبد المتجلي مع العمدة وإمام المسجد... إلخ كلها تبرز الحدث الأساسي وتضيئه، وتحقق التشويق الذي تسعى إليه الرواية من أجل بلورة شخصية بطل الرواية عبد المتجلي القصاص، في كفاحه للبحث عن الونش، أو بمعنى آخر الحديث عن سلبيات المجتمع ومآسي القهر!.

أما الرواية الثانية أو الجزء الثاني من الرواية «امرأة عبد المتجلي»، فإن البناء الروائي تتصاعد أحداثه، بل يبدو أكثر دراماتيكية، لطبيعة ما جرى فيه لعبد المتجلي، وإن حاول الكاتب أن يوهمنا أن الموضوع يدور حول امرأته «أم صابرين» بالدرجة الأولى.

تقدم لنا الرواية امرأة عبد المتجلي، نقيضًا لزوجها، ففي الوقت الذي يشاقق فيه عبد المتجلي المجتمع بسبب الفساد والقهر تحاول أم صابرين، أن تتناغم معه، وتتعامل معه بسلاح المادة، بل تسيطر على من بيدهم زمام الأمور والسلطة، في القرية والمدينة، عن طريق المال، وتعمل على مواجهة ذئاب التجارة والفساد بأساليبهم ومنطقهم وإن كانت تقع في النهاية مصرحة بدمائها ضحية للمجتمع الفاسد وأسلوبه!

وترتب على ذلك دخولها في صراع مع المنافسين من ناحية، وصراع مع زوجها من ناحية أخرى، وتعتمد في صراعها المزدوج على المال الذي يخضع الجميع:

«لا أستطيع أن أتعامل بعملة غير عملة العصر الجنيه المصري ينخفض، والدولار يرتفع، لكنك تستطيع أن تشتري النفوس بأي منهما.. وأنا والحمد لله أصبح لدي رصيد من العملة المحلية والأجنبية، لا يجب أن نتصور أن أمامنا عقبة برغم الحريق المدمر الذي أصاب مقرنا والبادي أظلم والحديد بالحديد..».

ويعلق عبد المتجلي على منهج زوجته.. برؤيته المناقضة:

- «ذلك طريق الندامة..

- بل السلامة.

- هذه المرة فقدنا بيتًا وأثاثًا، أما المرة القادمة، فقد يفقد أحدنا حياته، وتلك خسارة فادحة لن يعوضها شيء...» (9).

ومع ما لمسه عبد المتجلي من تغير في مستوى حياته، وإحساسه بالثراء والغني وعيشه عيش الرخاء والترف، فقد كان إحساسه الداخلي بالتناقض مع ما تفعله زوجته سببًا لتوتر دائم في علاقاتهما انتهى بالطلاق في لحظة غضب عارمة.

لقد دفع الرخاء عبد المتجلي إلى دخول الانتخابات اعتمادًا على حب الناس له قديمًا، وتصور أنه سيفوز فوزًا ساحقًا على منافسيه, ولكن النتيجة كانت هزيمة ساحقة، فأصيب بصدمة عنيفة، وتصور أن الحكومة هي السبب، ولم يدرك أن تغيره أو قبوله بالتغير هو الذي أسقطه، وقد واجهه شيخ الجامع بذلك:

«زوجتك أقامت إمبراطورية للشر، إن السوق السوداء طريق إلى جهنم.. والاحتكار ملعون في الكتاب والسنة.. والعمل على رفع الأسعار إجحاف بحق الفقراء.. وشعبنا مسكين– لقد أسقطك الشعب يا عبد المتجلي»(10).

ومع أن المياه عادت إلى مجاريها مرة أخرى بين عبد المتجلي وامرأته، إلا أنه عاش التمزق بين ما آمن به من قيم ومثل ترفض الفساد والظلم والاستغلال والرشوة والتعامل مع المفسدين بمعنى تقبلهم والتناغم معهم، وما تقوم به زوجته من خلال إمبراطوريتها التي تتوسع باستمرار.. لقد بنت بيتًا حديثًا بعد الحريق الذي أصاب منزلهم المتواضع, وواصلت مسيرتها الظافرة في التجارة, والبحث عن الجناة الذين أحرقوا البيت، وقد توصلت إليهم وتعاملت معهم بما يقتضيه الموقف، ولكن عبد المتجلي كان يقارن دائمًا بين حياتين: «حياته الأولى الهادئة الفقيرة المتواضعة كانت أفضل كثيرًا مما يعانيه اليوم, بل إن وقوعه بين براثن رجال الأمن السياسي, وهو يبحث عن الونش كانت أخف وطأة مما هو عليه الآن القناعة والبساطة حققت له الأمن والسلام، وعندما انتعش اقتصاديًا واجتماعيًا بدأت تتوافد عليه الأحداث القاتلة والهموم والمخاوف»(11).. وكثيرًا ما يعلن عن إحباطه وأساه، وإحساسه بالإخفاق «لا الونش عاد، ولا أيام الصفاء دامت، ولا الدنيا تغيرت إلى الأفضل»(12).. بل إنه أصيب فجأة بضغط الدم نتيجة التوتر والاضطراب اللذين يعيشهما.

ومن الطريف أنه في هذه المرحلة يعلن عن رغبته في تكوين حزب يسميه «حزب الصابرين» لأن الصبر ألصق صفة بشعبنا منذ آلاف السنين، أو ينشغل بتكوين فرقة مسرحية يحاول من خلالها إصلاح المجتمع ولكنه لا يحقق نجاحًا يذكر، في الوقت الذي تستمر فيه المسيرة التجارية الناجحة لزوجته.

تكشف الأحداث عن حجم المافيا التي تتحكم في التجارة والسلطة، وتفرض شروطها على الجميع، ومن يخالف يدفع الثمن غاليًا، وهو حياته في الغالب، ثم إنها - أي المافيا- تمارس الانحلال والفساد في أبشع صورهما.

ولأن امرأة عبد المتجلي، خرجت على المافيا إلى حد ما، فقد كان القتل من نصيبها، وقد اتهم عبد المتجلي النظام - يقصد الطوارئ- بقتلها، ورأى أن موتها يميت الحب أيضًا، وأن دمها سوف يشعل الثورة التي لن تبقي ولن تذر، وبعد نفسه منذ موتها رجلًا متطرفًا، ولكن العمدة بعده ملتاثًا ويطلب إحالته إلى أخصائي أمراض عقلية حماية له ولأسرته.. ولا يزال التحقيق مستمرًا لأن المعركة بين الخير والشر لم تحسم بعد!

هكذا تنتهى رواية «امرأة عبد المتجلي» أو الجزء الثاني من «اعترافات عبد المتجلي» ويبدو تتابع الأحداث من خلال شخصية أم صابرين وزوجها عبد المتجلي، متدفقًا ومثيرًا, ولعل هذا من وراء ترقيم فصول الروايتين معًا, دون أن يضع لهما الكاتب عناوين.

(1 ) أستاذ النقد الأدبي بجامعة طنطا.

(2 ) محمد يوسف نجم, فن القصة، ص ٣٤.

(3) السابق ص 49.

(4 ) روجر، ب هيتكلي، وصلاح رزق في قراءة الرواية ص ١٣

(5 ) أنظر: طه محمود طه, القصة في الأدب الإنجليزي, ١٣٣.

(6 ) اعترافات عبد المتجلي, ص ٨٩ .

(7 ) السابق ص ٩٨-9٩.

(8 ) نفسه ص ۱۰2 .

(9 ) امرأة عبد المتجلي، ص69، 82

(10 ) امرأة عبد المتجلي من 82,69 .

(11 ) السابق 34,67.

(12) السابق 34,67.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

861

الثلاثاء 31-مارس-1970

سراقة بن مالك

نشر في العدد 3

195

الثلاثاء 31-مارس-1970

سراقة بن مالك رضي الله عنه