العنوان تاريخ: صفحات من تاريخ الغرب المظلم محاكم التفتيش
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2007
مشاهدات 59
نشر في العدد 1762
نشر في الصفحة 28
السبت 28-يوليو-2007
الكنائس وضعت أوصافًا مزاجية للساحر تسببت في إحراق مئات الآلاف من الأبرياء في أوروبا
مجمعان كنسيان منعا رجال الدين من الاشتغال بالطب.. واعتبرا المرض عقابًا مرسلًا إلى الشخص الآثم
بيان «طورس» إيذان ببدء عهد دام قرونًا من «صيد» مئات الآلاف من الأبرياء بتهمة السحر والشعوذة.. تحت شعار «تطهير أرواحهم من دنس الشيطان»!
«صيد» السحرة والتعرف عليهم بات مهنة مربحة.. لذا قام البريطاني «ماثيو هوبكنس» بإرسال مائتي بريء إلى الحرق بتهمة السحر بين عامي ١٦٤٤ – ١٦٤٦م
كتاب «مطرقة الساحر» الذي ألفاه هنريش كرومر وجاكوب سبر نكر عام ١٤٨٧ م أصبح المرجع الرسمي والقانوني لجميع المدعين العامين وقضاة المحاكم
يتصور معظم القراء في العالم العربي أن محاكم التفتيش، هي المحاكم التي شكلت في إسبانيا فقط بعد سقوط دولة الإسلام فيها، وكانت مثال الوحشية إذ قامت بصب ألوان العذاب على رؤوس من لم يتنصر من المسلمين واليهود، وأعدمت وأحرقت الآلاف منهم، وأنها استمرت بضع سنوات أي حتى وصولهم إلى غايتهم، تنصير من لم يستطع الهروب، ولكن الحقيقة أن محاكم التفتيش لم تكن مقتصرة على إسبانيا ، ولم تدم بضع سنوات، بل انتشرت في جميع دول أوروبا المسيحية، واستمرت مئات السنين، ولا تزال هذه المحكمة موجودة في الفاتيكان، ولكن تحت اسم آخر.
واعتمدت الكنيسة الأوروبية محاكم التفتيش أداة رهيبة لحفظ العقيدة المسيحية أمام الهراطقة والسحرة، زاعمة أنها حينما تحكم بالموت عليهم -حرقًا في الأغلب- فإنها تخلص أرواحهم من الشيطان، أي أنها في الحقيقة تحسن إليهم وترعى مصلحتهم في حياتهم الأخروية وتطهر أرواحهم من رجس الشيطان.
وقد قامت الشعوب الأوروبية -ولمئات السنوات- من هذا الظلم الصارخ ومات مئات الآلاف، فيما يؤكد بعض المؤرخين أن عدد الذين أعدموا أو أحرقوا يبلغ حوالي مليونين من النساء والرجال والأطفال.
«بيان طورس»... خرافات كنسية
وظل هاجس الخوف من الشيطان. ومحاولة اتخاذ التدابير ضد شروره متحكمًا في حياة الشعوب الأوروبية في القرون الوسطى.
ففي عام ٨٢٣م أصدر المجلس الكنسي الذي اجتمع في طورس Tours، البيان الآتي: «على جميع القسس والرهبان ورجال الدين المسيحي أن يحذروا الشعوب المؤمنة بأن فنون السحر والتعاويذ لا تستطيع شفاء أي مرض، ولا علاج أي حيوان أعرج أو مشرف على الموت أو مريض، وأن المراهم والنباتات أيضًا لا تفيد.. فجميع هذه الأمور لیست إلا ألاعيب وأحابيل العدو المخادع القديم الشيطان.
وفي إطار تلك المزاعم اعتبر المرض عقابًا مرسلًا إلى الشخص الآثم، لذا قام مجمعان كنسيان عام ۱۱۳۹م وعام ١٢١٥م يمنع اشتغال رجال الدين المسيحي بالطب.
وكان بيان «طورس» إيذانًا ببدء عهد دام مئات السنوات من صيد مئات الآلاف من الرجال والنساء والشيوخ والشباب الأبرياء بتهمة السحر والشعوذة، تحت شعار تطهير أرواحهم من دنس الشيطان.
حرب الكنيسة والسحرة
في بداية القرن الرابع عشر اكتسبت حرب رجال الكنيسة مع السحرة سرعة كبيرة.
حيث أصدر البابا (جين الثاني والعشرين) عام ١٣٢٦م ما يأتي:
«نشاهد مع الأسف العديد من الناس -الذين لا علاقة لهم بالمسيحية سوى بالاسم- وهم يتعرضون لمواضيع الموت ويساومون على جهنم، ويقدمون الأضحيات للشيطان ويعبدونه، ويقومون بعمل الخواتم والمرايا والقناني الزجاجية وأمثالها، ويحبسون فيها الجن بواسطة السحر، ويقومون بطرح الأسئلة عليهم، ويأخذون منهم الأجوبة.. ويستعينون بالجن من أجل تحقيق مآربهم الدنيئة ويكونون عبيدًا للشيطان من أجل أخس الغايات. إن هذا الوباء يهدد حملان المسيح تهديدًا متزايدًا على مر الأيام».
- وفي عام ١٤٨٤م أصدر البابا أنوسنت الثامن Innocent8 والبابا الكسندر بورجيا عام ١٤٩٤م بيانًا آخر، يشابه البيان السابق أكد ما جاء في البيان الأول.
ولكن من هو الساحرة وكيف يمكن التعرف عليه وتشخيصه؟ وكيف يحاكم؟ وما العقوبات التي توقع عليه؟... هذا ما سنتناوله.
في البدء كان كل ملك أو حاكم ولاية أو مقاطعة يقوم بنفسه بتعيين كل هذه الأمور ولكن بعد أن قام هنريش كرومر Kramer Heinrch وجاكوب سبرنكر ger Jacob Spren- بكتابة كتاب (مطرقة الساحر Malleus (Maleficarum عام ١٤٨٦ – ١٤٨٧م تناولا هذه الأمور بالتفصيل، وأصبح الكتاب المرجع الرسمي والقانوني لجميع المدعين العامين وقضاة المحاكم.
تعريف الساحر: وعرف هذا الكتاب الساحر حسب بأنه الشخص الذي عقد مع الشيطان عقدًا قام الشيطان بموجبه بمسح إشارات التعميد في جسده، ووضع إشارات شيطانية بدلًا منها.
ويعدد كتاب Compendium Malef-Icarum لمؤلفه Guaccius المطبوع عام ١٦٠٨م في مدينة ميلانو الإيطالية جرائم الساحر كما يلي:
هو شخص أصبح عبدًا للشيطان بعد توقيع اتفاقية معه.
يقوم الساحر بتحقير العقيدة الكاثوليكية وإهانتها، ويتخلى عن المسيح وعن مريم ويتهرب من العبادة.
يقوم الساحر بعبادة الشيطان ضمن مراسيم مستهجنة وفاضحة.
يدعو الآخرين إلى مراسيم عبادة الشيطان.
يتعمد من جديد ويبدل اسمه المسيحي باسم بذيء وفاضح.
يعطي الشيطان قطعة من ملابسه كعلامة ارتباط به ويتقبل الشيطان منه هذه القطعة ويخفيها عنده.
يكرر عبادته للشيطان داخل دائرة يرسمها الشيطان له.
يطلب من الشيطان مسح اسمه من كتاب المسيح، وتسجيله في الكتاب الأسود له (أي للشيطان).
ينذر أضحية للشيطان.
يحمل إشارة الشيطان.
وليس هناك من عقاب لكل هذه الجرائم الخطيرة سوى الحرق فهو وحده الذي يستطيع تطهير جسد وروح هذا الساحر!.
يقول Nicolas Eymericفي كتابه Directorum Inquistorium المنشور في (عام ١٤٧٨ – ١٤٧٩م): «عندما يحرق مثل هذا المرتد، يكون الحرق في مصلحة الشعب الكاثوليكي وسلامة روحه.. أي المصلحة المجتمع، ومصلحة المجتمع مقدمة على مصلحة هذا الساحر الملعون الذي يموت دون توبة».
وفي عام ۱۲۸۲م أصدر برلمان باريس القرار الآتي: «إن الرهبان هم المدعون العامون الوحيدون في المواضيع المتعلقة بالشيطان».
أما في عام ١٣٩٠م -أي بعد مائة عام تقريبًا- أصدر البرلمان نفسه قرارًا آخر: «يجب إحالة موضوع تعيين وتشخيص السحرة ومحاكمتهم إلى مدعين عامين علمانيين».
أجل تغيرت الجهة التي تقوم بالمحاكمة ولكن المتهمين لم يتغيروا.. كانوا من جميع فئات الشعب.. المنجمون الأطباء الشعبيون المجاذيب المصابون بالهيستريا الغجر النساء اللائي أجهضن ذوي العاهات والراقصات الشابات كان الرقص يعد آنذاك إشارة إلى الارتباط مع الشيطان.. وغيرهم.
وفي هذا السياق حوكمت جان دارك التي كانت تعد بطلة قومية للفرنسيين، وحاربت الإنجليز وانتصرت عليهم بتهمة السحر وأحرقت!
وجاء عهد أصبح فيه حرق السحرة مفخرة بين الكاثوليك والبروتستانت، وموضوعًا للمنافسة بينهما، فكل طرف يقول إنه أحرق عددًا أكبر من السحرة من الطرف الآخر.
فقد أحرق مئات الآلاف من الأبرياء والمظلومين والتعساء بتهمة السحر.
وعلى سبيل المثال: فقد قام شخص واحد اسمه Nicolas Remy وكان مدعيًا عامًا. بحرق ۹۰۰ متهم بالسحر في عشرة أعوام (١٥٨١ – ١٥٩١م).
وكان القرويون يجبرون على الإخبار عن السحرة، حتى إن الكنائس وضعت صناديق لتلقي أسماء السحرة.
وفي القرن السادس عشر علقت الكنائس في ألمانيا الإعلان الآتي: «إننا نستلهم العون من الشعب المسيحي الذي يحمل لنا الحب الخالص، وذلك من أجل الحفاظ على صفاء العقيدة الكاثوليكية ووحدتها، وصيانتها من جميع أمراض الارتداد. لذا نأمركم -باسم الإيمان المقدس- أن تخبرونا في ظرف ۱۲ يومًا من معرفتكم أو من شككم من كون أحدهم ساحرًا، فإن لم يرضخ من يعرف ساحرًا لهذا الأمر، فليعلم أننا سنقوم بحرمانه كنسيًا، وبعقوبات أخرى كذلك. بينما ستنمحي ذنوب المخبر مدة ستة أشهر وسيدخل في حمايتنا».
علامات السحرة
ولكن ما العلامات الدالة على الساحر؟
الغنى الفجائي مثل هذا الغنى لا يمكن أن يحدث إلا بمعونة الشيطان.
تغيير المسكن بشكل متكرر فالسحرة يرغبون في الخلوة، لذا يفتشون دائمًا عن مكان هادئ.
وجود علامات معينة في الجسم يفسر بأنها من صنع الشيطان.
والحقيقة أن الوعد بالجنة لمن يخبر عن السحرة دفع العديد من الناس إلى انتهاز هذه الفرصة الذهبية والسهلة للحصول على الجنة، والإخبار عمن يشكون بأنهم سحرة، وتصوروا مدى الظلم الفادح الذي لحق بآلاف الأبرياء جراء تهم وظنون لا أساس لها.
كما لعبت النزاعات والعداوات الشخصية والعائلية، وتضارب المصالح والنزاعات حول الأراضي، أو حول الميراث دورًا مهمًا في إرسال آلاف الأبرياء إلى الحرق فوق أكوام الحطب المشتعلة دون أن يرتكبوا ذنبًا.
ولم يكن هناك من يستطيع حماية نفسه من مثل هذه التهمة، أو يضمن كونه بعيدًا عنها.. لا الفقراء ولا الأغنياء ولا النبلاء ولا الرهبان ولا حتى المدعين العامين... كان الخطر محدقًا بالجميع، ولكن مع فرق واحد، هو أن الأغنياء والقريبين من السلطة كانوا يستطيعون الاستعانة بأمهر المحامين، ولا يعدمون من يشهد لصالحهم مقابل مبالغ معينة.
كما كانوا يملكون من النفوذ ما يؤمن تبرئتهم في المحكمة، لذا كان الفقراء هم الضحايا الرئيسين في نهاية المطاف.
يقول Gaule مؤلف كتاب Select cases of touching witches and witchcraft المنشور في لندن عام ١٦٢٤م حول أنواع الأدلة المقدمة ضد المتهمين بمزاولة السحر بأنها على أنواع ثلاثة:
الأدلة غير القاطعة: مثل وجود عاهة في العين، أو عدم استطاعته ذرف الدموع!
الأدلة المحتملة: مثلًا أن يكون الشخص من نسل ساحر، أو مثل وجود إشارات يرونها مريبة في جسمه.
الأدلة القاطعة: مثل شتم المقدسات والاشتراك في الاجتماعات الليلية.
بالنسبة للشهود يجوز أن يشهد الرجال من كل الأعمار، أما النساء فبين ١٢ عامًا فما فوق، أما أولاد السحرة فيجوز أن يشهدوا في أي عمر.
فمثلًا إن شهد طفل عمره ٥ – ٦ سنوات قائلًا: «نعم!... لقد اشترك والدي أو والدتي مرة في حفلة عبادة الشيطان»... فتؤخذ هذه الشهادة وتعد دليلًا قاطعًا، ويحرق الوالد أو الوالدة!
ثم تطور الأمر حتى أصبح صيد. السحرة والتعرف عليهم، مهنة مربحة يمتهنها بعضهم ويعيشون عليها.
فمثلا قام ماثيو هوبكنس Matthew Hopkins وهو بريطاني بإرسال مائتي بريء إلى الحرق بتهمة السحر خلال عامين فقط (١٦٤٤ – ١٦٤٦م).
تعذيب بزعم السحر
بعد أن تثار الشكوك حول كون أحدهم ساحرًا يتم الهجوم على بيته فجرًا في العادة ويقلب البيت رأسًا على عقب للعثور على أي دليل.. يمكن أن يكون هذا الدليل تعويذة أو مرهمًا أو دهنًا ذا رائحة نفاذة أو تمثالًا صغيرًا ... إلخ.
ثم يساق المتهم مع هذه الأدلة إلى الاستجواب. وقبل الاستجواب يتم تعريته تمامًا، ثم يطلب منه قراءة دعاء خاص.. فإذا لم يستطع قراءة الدعاء حتى النهاية قويت الشكوك حوله.
ثم يحبس لمدة ٣ – ٤ أيام في غرفة صغيرة مظلمة وعارية، ثم تبدأ التجارب معه، مثلًا يوزن المتهم، لأنهم كانوا يعتقدون أن الشيطان يجعل حليفه خفيفًا. ثم يبدؤون بتجربة النهر حيث يرمون المتهم في النهر فإن غرق فهذا دليل على براءته ويأسفون عليه.
أما إن طفا فوق الماء ولم يغرق فهذا دليل على أن الشيطان ساعده! وتزداد الشكوك حوله... أي أن المتهم خاسر في الحالتين: إن غرق أو إن لم يغرق.
ثم يزال الشعر من كل جسده للبحث عن أي علامة شيطانية مسحت إشارة التعميد وهذه العلامة يمكن أن تكون ندبة أو مكانًا مرقطًا، أو بقعة غامقة اللون أو انتفاخًا ... إلخ.
لأن مثل هذه العلامات دليل على أن الشيطان قبله من ذلك المكان!
وكان عدم القدرة على ذرف الدموع من أهم الأدلة ضد المتهم، وكانت المحكمة تعتقد أن المتهم يستطيع التظاهر بالبكاء والصراخ أو يقوم بترطيب عينيه بلعابه، ولكنه لا يستطيع ذرف الدموع، والتي تعد علامة التوبة.. كان المطلوب ذرف ثلاث قطرات من الدموع على الأقل!
لم تكن هناك فترة محددة لاستجواب المتهم وحبسه، فقد يستمر الحبس سنوات حيث يوضع في حجرة مظلمة.
ولكي يحولوا دون زيارة الشيطان للمتهم والاتصال به جنسيًا، كان المتهم يوضع تحت رقابة مستمرة. كما كانوا يرسلون له أحيانًا جاسوسًا من قبل المحكمة لعله يحصل على اعتراف منه بالذنب.
رسالة من داخل جهنم
ندرج هنا رسالة بعثها أحد المتهمين الأبرياء إلى ابنته واسمهJean Junius وكان رئيس بلدية وتعرض لتهمة كيدية من قبل أحد خصومه عام ١٦٢٨م قال فيها:
«ابنتي العزيزة فارونيكا.. أسعدت مساءً ألف مرة، لقد دخلت السجن وأنا بريء وقاسيت ألوان التعذيب، وأنا أموت بريئًا؛ لأن كل من يدخل السجن لا بد أن يعترف بأنه ساحر، شاء ذلك أم أبى... وكل شخص هنا يتعرض للتعذيب حتى يضطر إلى الكذب وإلى الاعتراف بالسحر... لم أنكر الله أبدًا طوال حياتي، ولن أنكره. جاء الجلاد وربط يدي، ثم قيد أصابعي بالحديد. غرقت أصابعي في الدماء -وكما ترين من الرسالة لا أستطيع استعمال أصابعي بسهولة- ثم ربطوا يدي وراء ظهري ثم رفعوني بالحبال إلى فوق... حسبت أن السماء قد هوت على رأسي رفعوني ثماني مرات وأنزلوني ثماني مرات. أحسست بألم فظيع..كنت عاريًا.وعندما قادني الجلاد إلى السجن قال لي: أتوسل إليك يا سيدي بحق الله أن تقول شيئًا، وأن تعترف بشيء حتى وإن لم يكن صحيحًا. اخترع شيئًا .... لأنك لن تستطيع تحمل ما ستتعرض له من ألوان التعذيب.... وحتى لو تحملتها فلن تتخلص... لأن أنواع التعذيب ستتعاقب عليك إلى أن تعترف بأنك ساحر». وماذا كان مصيره؟.. المصير المحتوم طبعًا! وهو الاضطرار -أمام صنوف التعذيب الرهيبة إلى الاعتراف كذبًا بأنه ساحر.. ثم أرسل إلى كومة الحطب وحرق.