; صفحات من دفتر الذكريات.. ثغرة في الحائط العربي الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات.. ثغرة في الحائط العربي الإسلامي

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

مشاهدات 86

نشر في العدد 1122

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

  • الشعب التونسي متعطش للفكر الإسلامى والثقافة العربية ومستعد للسير في طريق الدعوة الإسلامية وشارك شبابه في حرب فلسطين.

عندما أنشأ ممثلو الأحزاب الوطنية في المغرب وتونس والجزائر، المقيمون بمصر، مكتبا مشتركا لهم بالقاهرة اختاروا له اسما يربطه بدول المشرق العربي، فسموه مكتب المغرب العربي، لتمييزه عن دولة المغرب ولكي يشيروا إلى اتجاههم نحو التعاون مع الجامعة العربية ودول المشرق التي أنشأتها، وهنا نرى إصبع عبد الرحمن عزام الذي نعتبره أول من عمل لتوسيع نطاق الجامعة العربية، لتشمل جميع أقطار شمال إفريقيا ابتداء من ليبيا، وما يليها من الأقطار المغربية، إن عزام هو الذي وجه هؤلاء الوطنيين إلى وجوب التعاون والتنسيق فيما بينهم، ليكون ذلك تمهيدا لاتحاد هذه الحركات، يؤدي في النهاية إلى توحيد أقطار الشمال الإفريقي بصورة أو بأخرى، وكذلك ارتباطها جميعًا بتيار العروبة الذي تمثله جامعة الدول العربية، التي تجسد في نظره فكرة الوحدة العربية.

إلى عهد قريب كنا في مصر، نصر على تسمية الدولة المغربية باسم مراكش، لأن تلك المدينة كانت عاصمة الدولة مدة طويلة، قبل أن تنتقل العاصمة إلى فاس، ثم إلى الرباطه بعد الاحتلال الفرنسي، وقد جرى عرف المؤرخين العرب على إطلاق اسم العاصمة على الدولة كلها، فتونس عاصمتها مدينة «تونس» و الجزائر، عاصمتها الجزائر، لكن في العصر الحديث خرجت دولة مراكش، عن هذه القاعدة وسميت دولة «المغرب» والاسم الإسلامي لها كان المغرب الأقصى، وتبعا لذلك كانت «الجزائر» هي المغرب الأوسط، أما تونس وليبيا، فهما المغرب الأدنى، وقد عادت دول الشمال الإفريقي أخيرًا إلى الإقرار بأن هناك عدة مغارب، وليس مغربًا واحدًا ولذلك سموا حركة الاتحاد بين تلك الدول باسم الاتحاد المغاربي، الذي إتسع لكي يضم ليبيا وموريتانيا إلى جانب المغرب والجزائر وتونس.

الإسلام والوحدة

إن فكرة الوحدة بين أقطار المغرب قبل استقلالها، بدأت في مصر بتشجيع الجامعة العربية، وأمينها العام عبد الرحمن عزام إن متبعها كان قلب عبد الرحمن عزام وفكره، وكان الموضوع بالنسبة لنا في القاهرة والإخوان المسلمين بصفة خاصة، أمراً بدهيًا، لأننا في الواقع لم تتصل بهذه الحركات الوطنية إلا انطلاقًا من مبدأ الوحدة الإسلامية، وقد تأكدت هذه الفكرة بعد إنشاء هذا المكتب الموحد للمغرب العربي وكان الفرق بيننا وبينهم أن الوحدة العربية هي مرحلة في طريق الوحدة الكبرى، فى حين أن كثيراً من الوطنيين كان يعتبرها غاية في ذاتها بل إن البعض يرى أنها كانت مجرد وسيلة للاستقلال الوطني القطري، الذي كان هو الهدف النهائي في نظر بعض الزعماء فكان كل قطر من هذه الأقطار الثلاثة له قضيته وله حزبه أو أحزابه، وله واقع يميزه بل يفصله عن جيرانه كما يفصل ممثليه عن ممثلي الأحزاب الوطنية الأخرى، وقد كان هذا الواقع منشأ صعوبات كثيرة واجهتها عندما كنت أدعو المسؤولين عن تلك الأحزاب الوطنية لضرورة العمل الجدي. للتعاون على أساس الوحدة أو الاتحاد أو التعاون على الأقل، ولكن عندما يعرفون أنني من الإخوان المسلمين الذين يدعون للوحدة الإسلامية الشاملة كان كلامي عن الوحدة والاتحاد مفهومًا ومقبولًا على أساس الإسلام، وهو هدف غير مستبعد حتى من جانب دعاة «الاستقلال القطري» المحدود في شمال إفريقيا، فيما عدا بورقيبة وجماعته الذين يكونون ثغرة في حائط الكفاح العربي الإسلامي.

خطة استعمارية

كان الإسلام هو النقطة الأساسية التي يلتقي عندها قادة الكفاح الوطني، وهو الذي يطبع هذه الشعوب بطابع وحدوي رغم اختلاف الظروف السياسية، إن الاستعمار نفسه لم يكن يصف أهالي تلك البلاد جميعًا إلا بصفة واحدة هي أنهم المسلمون، وكان يتفادى وصفهم بأنهم مغاربة أو جزائريون أو تونسيون خشية إثارة فكرة القومية لديهم، لأن خطته كانت تهدف لتوطين أكبر عدد من الفرنسيين والأوروبيين في جميع هذه البلاد وتمكينهم من احتكار المال والإدارة والسلطة والسيادة فيها، وإبادة شعوبها الأصلية الإسلامية أو استبعادها وإذابتها لتصبح مستعمرة أوروبية للاستيطان على نمط المستعمرات الاستيطانية التي أصبحت شعوبا ودولا أمريكية، بعد أن أبادت السكان الأصليين أو أذابتهم في مجتمعات المهجرين والمستوطنين الأوروبيين، والذين فرضوا على العالم وصفهم بأنهم أمريكيون، سواء في أمريكا الشمالية أو الجنوبية، وكان المعمرون والمستوطنون الفرنسيون والأوروبيون عمومًا في شمال إفريقيا يسيرون في هذا الاتجاه، حتى إنهم كانوا يتباهون بتسمية أنفسهم جزائريين أو ماروك . مغاربة، أو تونسيين، أما السكان الأصليون فيصفونهم بأنهم المسلمون، وهم طائفة فقط من طوائف المجتمع مصيرها إلى الإبادة، أو الذوبان في مجتمع أوروبي استيطاني.

الإسلام أفشل خطط المستعمرين

وإذا لاحظنا النجاح الذي حققه المشروع الاستعماري في أمريكا وأستراليا بإبادة السكان الأصليين، وقارنا ذلك بما حدث في إفريقيا الشمالية، حيث كانت المقاومة العنيدة الصامدة الناجحة التي مكنت شعوب تلك الأقطار من مقاومة مشروع الاستيطان في بلادهم وهزيمته رغم أنها كانت أقرب الأقاليم إلى فرنسا وأوروبا فإن مرجع ذلك في نظر الأوروبيين هو العقيدة الإسلامية التي كانت العروية في نظرهم تعبيرا عنها، إن كلمة المسلمين، وكلمة «العرب» كانتا دائما ومازالتا مترادفتين في قاموس الاستعمار الأوروبي، بل وفي نظر جماهير شعوب تلك البلاد ذاتها، ومازال الأمر كذلك حتى الآن، رغم محاولات الدعوة لفصل القومية العربية عن الإسلام التي يروج لها القوميون وعملاء الاستعمار وحلفاؤه ممن يعارضون الوحدة الإسلامية ويتخذون القومية العربية سلاحًا لعزل شعوبنا عن الإسلام وعن كل دعوة للأصالة الإسلامية.

لازلت أذكر وقائع كثيرة تقطع بأن تلك الشعوب لا تفرق بين الإسلام والعروبة فهم كانوا يصفون الفرنسيين والأوروبيين جميعًا بأنهم النصارى، وكانوا يصفون أنفسهم بأنهم المسلمون أو العرب والكلمتان مترادفتان ولم يستعملوا كلمة الأوروبيين مطلقًا وإلى عهد قريب كانوا يبدون دهشتهم عندما نقول لهم إن عندنا فى مصر وفى سوريا وفلسطين عربًا غير مسلمين، وإذا كان بعض المثقفين الذين عاشوا فى الخارج قد اقتنعوا بذلك أخيرًا، فإن مواطنيهم فى الداخل كانوا يجهلون ذلك وينكروه ويصعب إقناعهم به، بل كلهم مسلمون على مذهب الإمام مالك، لذلك فإنه فيما يتعلق بالإسلام، فإن الوحدة بين الشعوب في شمال إفريقيا، بل بينها وبين الشعوب الإسلامية «العربية وغير العربية» في آسيا وإفريقيا لم تكن قط محل شك، وهذا هو ما سهل مهمتي إلى حد كبير في هذه الناحية، ولكنني لاحظت أن «تونس» فيها ثغرة يمكن أن تكون سبب ضعف مسيرة الوحدة، وأنها مرشحة من قبل بعض القوى الأجنبية لكي تقوم بدور لبنان، في تعطيل الوحدة بين شعوب المشرق العربى، إن تونس في نظرهم ستكون لبنان المغرب العربي.

 لقد كانت المهمة أسهل في علاقاتي بالطلبة التونسيين في باريس، لكن الأمر كان يزداد صعوبة عندما كنت أتكلم في ذلك مع كبار المسؤولين في الحزب البورقيبي، الذين التقيت بهم في القاهرة أو باريس، وأذكر مثالًا لذلك مناقشاتي المطولة بباريس مع السيد جلولي فارس، عضو المكتب السياسي للحزب الدستوري الجديد، وقد بعثه المكتب السياسي إلى باريس ليكون ممثلا له في فرنسا، وبقى كذلك طوال مدة إقامتي في فرنسا، وكانت لي فرصة للحوار معه حول هذه النقطة أكثر من أي مسؤول آخر، وكان منذ وصوله إلى باريس لم يستأجر مكتبًا يعمل فيه بل كان محله المختار هو قهوة بالحي اللاتيني في شارع سان ميشيل وكانت تسمى لاما سكوت، ولما زرت باريس مؤخرًا وجدت أن اسمها قد تغير، وأنها تسمى لوكسمبورج، لأنها تطل على حديقة الكسمبورج الشهيرة، وكان يجلس هناك ويستقبل أصدقاء من التونسيين والعرب والمسلمين والفرنسيين أيضًا، ومنهم بعض الصحفيين ولذلك كنت ألتقي به يوميًا تقريبًا كلما ذهبت إلى كلية الحقوق القريبة من حديقة لوكسمبورج، وكان فى الأصل كما أخبرني معلمَا للغة العربية، ومن أعضاء حزب الدستور الجديد، وأنه من الجنوب من بلدة «واحة» تسمى الحامه، وتقدم في إطارات الحزب حتى أصبح عضوا بالمكتب السياسي. 

ولذلك اختاروه ممثلا لهم في باريس وكانت صلتي الشخصية به في باريس وثيقة جدًا لأن الشعور الإسلامي عنده أصيل وحي وكنا نتكلم عن الإسلام والمسلمين كلامًا عامًا صريحًا ولكني لم أحاول مطلقًا أن أخرج في كلامي عن نطاق عمله فى الحزب الوطني، أو أدعوه للتعاون مع الإخوان، بل كان كل حديثنا عن حزبه والأحزاب الأخرى وقياداتها وكانت نقطة الخلاف بيني وبينه دائمًا هى مسألة التعاون بين الأحزاب الوطنية الثلاثة حزب الاستقلال في المغرب، وحزب الشعب في الجزائر، وحزب الدستور الجديد في تونس، وكان يقول إن كل بلد منها له ظروفه ومسألة التعاون هذه غير مجدية لأن كل واحد منا خاضع لقيادة حزبه في بلده، وهذه القيادة هي التي تقرر مبدأ التعاون ونظامه، وحسب ما يوجهوننا فنحن ملتزمون به وكنت ألمح من خلال حديثه أنه حتى إذا كان لابد كان هدف خطط الاستيطان الأوربى فى المغرب العربي تمكين الأوروبيين من احتكار المال والإدارة والسلطة والسيادة وإبادة شعوبها الأصلية الإسلامية على نمط ما حدث في أمريكا من حوار حول هذه الوحدة أو التعاون فلابد أن يكون على مستوى القيادات الحزبية، وأن ممثلي حزب الشعب وحزب الاستقلال فى باريس حاليًا هم من الطلبة، ولذلك لا يمكن أن يناقش هذه النقطة معهم لأنه هو عضو بالمكتب السياسي لحزبه، وإذا كان هناك محل للحوار فيكون بينه وبين زعماء الأحزاب الأخرى أو أعضاء بالمكتب السياسي بها، وفيما يخص مصالي حاج، فقد كان يبتعد عن الحديث عنه طالما هو تحت الإقامة الجبرية، ولا أذكر إن كان قد التقى معه أم لا ومع ذلك أقنعته بأن من الممكن أن يكون هناك لقاء وتنسيق بين ممثلي الأحزاب فى باريس للتشاور وتبادل المعلومات والتنسيق فى العمل المحلي هنا، حتى لا يوجد هناك شقاق أو تعارض، واتفقنا على هذا التعاون في الإطار المحلي فقطه مثل حضور اجتماعات بشأن قضية فلسطين أو غيرها من القضايا، وهذا أمر كان يتم فعلا من قبل على مستوى القاعدة دون حاجة لقرار من الحزب أو ممثليه.

نشاط الحزب الدستورى محصور بين ذوى الثقافة الفرنسية

وبالنسبة للحزب الدستوري التونسي الجديد كان هو يشعر بأنه ليس له قاعدة بين العمال التونسيين فى فرنسا، وأن نشاط الحزب فى باريس محصور في محيط الطلبة، ولجنة الطلبة هي التي كانت تعمل قبل حضوره والآن تعمل معه وعملهم كان وما يزال في نطاق الطلبة فقط وكلهم طبعًا من تلاميذ المدارس والجامعات الفرنسية، وليس فيهم عدد كبير من ذوي الثقافة العربية والإسلامية حتى إن صديقي الطاهر جيجة، لم يكن يعرف عنه شيئا كثيرًا، لأنه معتزل عن الطلبة التونسيين ويعمل في طريقه مع الجزائريين ولم يكن هذا الأمر محل نقاش معه وكنت أحدث السيد جلولي فارس، بما يصلني من أخبار القاهرة، وكانت تأتيه بعض الرسائل من الحبيب بورقيبة، وزملائه في القاهرة، وقد بقي جلولي فارس، مدة طويلة يمثل الحزب في فرنسا حتى إنني حينما تركت فرنسا عائدًا إلى مصر بقي هو فيها، وكان زعماء الحزب الآخرون مستريحين لذلك، لأنه لم يكن لديه طموحات في منافستهم على الزعامة، والغريب أن «تونس» كانت أول أقطار شمال إفريقيا التي استطعت دخولها في عام ١٩٤٨م، وهي تحت الاحتلال الفرنسي والحماية الفرنسية.

 وقد أراد الله أن تهيا لي الظروف كى أشاهدها من أقصاها إلى أقصاها في ذلك الوقت، وأكون صداقات كان لها دور كبير في المستقبل، ولذا أصبحت صورة تونس كبلد وكشعب أقرب صورة لشمال إفريقيا في ذهني، في حين كانت قضية الجزائر والحركة الوطنية الجزائرية هي أهم ما يشغلني من قضايا شمال إفريقيا، وكنت أسمع أن الفرنسيين كانوا يعتبرون أن قضية تونس والمغرب ليستا إلا فرعًا مكملًا لقضية الجزائر لأنهم احتلوها قبل تونس بخمسين عامًا، وقبل المغرب بمائة عام تقريبًا، وكان هدفهم من احتلال تونس والمغرب هو تأمين بقائهم في الجزائر وهذا هو الأمر الذي تعبت في شرحه لأخينا جلولي فارس، ولغيره من التونسيين، ومن المغاربة وهم كانوا لا يريدون أن يفهموا أن قضية الجزائر هي القضية الأم، ونسوا أن بعض الساسة الفرنسيين كانوا يقولون إن المغرب وتونس ليستا إلا قرطين في أذني الجزائر ومعنى ذلك أن قضية الجزائر هي القضية الأساسية في شمال إفريقيا في نظرهم، وأن الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا يعتبر قاعدته الأولى هي الجزائر، وعندنا أمل في أن  تكون هي القاعدة الأخيرة، وأن تحررها يعني تحرر شمال إفريقيا ويعني تحرر إفريقيا كلها.

العمل للتعاون بين أحزاب المغرب العربي

ونظرا لأنني أعتبر التعاون بين الحركات الوطنية الثلاثة أمرًا جوهريًا، فقد بذلت كل جهدي لدفعهم جميعًا نحو هذا التعاون، ولاشك أن الجزائريين كانوا أكثر العناصر استعدادًا لذلك ورغبة فيه، وكان الآخرون يعلمون ذلك، ولكنهم كانوا يعملونه بأن الجزائريين يشعرون أنهم فى حاجة إليهم، لأن ظروف تونس والمغرب أفضل بكثير من ظروف الجزائر وأملهم في التحرر والاستقلال ليس محل شك أو جدل وهي مسألة وقت فقط، أما الجزائر فإن المبدأ نفسه مبدأ الاستقلال ليس متفقًا عليه حتى بين الجزائريين أنفسهم، وكانوا يستدلون على ذلك بوجود حزب البيان الذي يرأسه «عباس فرحات» الذي يعلن رفض هذا الشعار، ويتبرأ من هذا الهدف، وكان ردي على ذلك أن استقلال تونس والمغرب لا يمكن أن يتحقق فعلًا إلا إذا قويت الحركة الوطنية في الجزائر، وأصبحت تهدد وجود فرنسا بها، وأنه عندما يشعرون بأن الحركة الوطنية الجزائرية تهدد وجودهم فى الجزائر فعند ذلك فقط يحاول الفرنسيون إرضاء المغاربة والتونسيين، وصرفهم عن التضامن مع الثورة الجزائرية أولا، لإخراجهم من ميدان الكفاح، حتى يتفرغوا للقضاء على الحركة الجزائرية، أما إذا بدأت تونس والمغرب بالابتعاد عن الكفاح الجزائري، فإن مركزها سيكون ضعيفًا أمام فرنسا، بل هم يحققون لها هدفًا إستراتيجيًا دون مقابل.

 كان التونسيون والمغاربة كأفراد مقتنعين بذلك، لكن من كان منهم ملتزمًا بقيادة حزبه لم يكن يجرؤ على أن يتخذ أي مبادرة نحو التعاون مع الجزائريين، أما من تضعف صلتهم بالحزب مثل غالبية الطلبة التونسيين، فكانوا يعملون في هذا الاتجاه، وكان أحسن مثل لذلك عندي هو الطاهر جيجة، الذي لا يخفي التزامه القاطع بالعمل في إطار الحركة الوطنية الجزائرية وكذلك «محمد الميلي» الطالب التونسي الذي كان يهاجم الطلبة الملتزمين بقيادة الحزب الدستوري الجديد، ويشكو من عجزهم، ويؤكد أنهم منفصلون عن القاعدة الشعبية، لأن المنصف بأى من ناحية ونقابات العمال التونسيين من ناحية أخرى، لديهم شعبية أكبر بكثير من قادة حزب الدستور الجديد، ولذلك كان يلمح إلى أن بعض قادة الحزب الدستوري الجديد لديهم غيرة من كل نفوذ يكسبه المنصف «باي» أو زعيم نقابات عمال تونس فرحات حشاد، ويعتقدون أن شعبية هذين الزعيمين كانت على حساب نفوذهم وشعبيتهم، وقد سمعت هذه الملاحظة من عدد من المعلقين الفرنسيين أنفسهم، وخاصة عندما جاء نبأ وفاة المنصف باي، ونبأ اغتيال الشهيد فرحات حشاد فيما بعد، حتى إن بعضهم كان يصرخ بأن الحزب كان مسرورًا لوقوع هذا الاغتيال، ولمح بعضهم إلى أن بعض قادة الحزب كانوا متواطئين مع من دبروا الحادث.

جذور الحركة الإسلامية التونسية

وكان محمد الميلي، وكثيرون غيره يعتقدون أن الحزب يحصر نفسه في دائرة المثقفين بالثقافة الفرنسية، ويهاجم بشدة علماء الزيتونة وخريجيها، وجميع أصحاب الثقافة العربية والإسلامية، وأن الصحافة المحلية في عهد الاحتلال كانت تغذي هذا الاتجاه، وهى فى عمومها تحت سيطرة الإدارة الفرنسية والماسونية اليهودية التي لها نفوذ كبير في الاقتصاد والمجتمع التونسي، وأن هذه الصحف قامت بدور كبير في توسيع الهوة الفاصلة بين الحزب، وعلماء الزيتونة وطلبتها، وجميع من يرفعون شعارات إسلامية، وحجة بورقيبة وأمثاله في ذلك أن هذه الشعارات تثير فرنسا، وتجعل حصولهم على الإستقلال أكثر صعوبة. فهم يسعون إلى استقلال تمنحه فرنسا باختيارها، إذ إن كثيرًا من هؤلاء الزعماء كانوا يعتقدون أن تونس بسبب صغر مساحة إقليمها، وقلة عدد سكانها، يجب أن تسعى للحصول على حريتها على طريق المفاوضات مع الحكومة الفرنسية، وكانوا يستبعدون أى تفكير فى المقاومة المسلحة، ولذلك كانوا يصرون على عدم التورط مع الحركة الوطنية الجزائرية التي تعد نفسها دائمًا للمقاومة بجميع الوسائل بما في ذلك استخدام السلاح، ولذلك فإن بورقيبة زعيم الحزب بعد اتفاقه مع فرنسا على صورة متواضعة من الحكم الذاتي، فوجىء بأن هناك مقاومة تونسية مسلحة باسم «الفلاجة»، يحركها ويؤيدها بعض الإسلاميين، فسارع بورقيبة إلى معاونة الفرنسيين للقضاء عليهم، وقتلوا من قبض عليه منهم، وواصلوا هجومهم الإعلامي على العلماء التقليديين وعلى كل الإسلاميين الذين سموهم فيما بعد بالأصوليين.

 واستمرت زعامة الحزب البورقيي فى التنديد بالعلماء والتهجم عليهم اعتقادًا منهم بأن ذلك يزيد فى رصيد الحزب لدى الرأي العام الفرنسي، ومراكز القوى الإدارية والمالية، وخاصة من اليهود والأجانب فى تونس، ويسبب ذلك خسر جانبًا كبيرًا من المثقفين بالثقافة العربية، وأصبح لا يمثل جمهور الشعب التونسي لأن شطرًا كبيرًا من هذا الشعب من المؤمنين بالمقومات الإسلامية، كما أنه كان يوجد به طائفة كبيرة من ذوي الثقافة العربية والإسلامية. نتيجة وجود الجامعة الزيتونية والمركز الاجتماعي الذي يحتله خريجوها بين المؤيدين للاتجاه الإسلامي الذين لا يمكن أن ينضموا للحزب البورقيبي أو يؤيدوه، وبقوا طاقة مجمدة أو معطلة في انتظار من يقودهم فى الاتجاه العربي الإسلامي، وتذكرت ما سمعته من الشيخ محيي الدين القليبي، والشيخ الفاضل بن عاشوره وقبلهم من الشيخ محمد الخضر حسين عن تعطش التونسيين للفكر الإسلامي والثقافة العربية، واستعدادهم للسير في طريق الدعوة الإسلامية بمجرد أن يجدوا القيادة الشابة الفتية التي ترفع هذا الشعار وقد فهمت منهم في مقابلاتي العديدة لهم فى القاهرة في صيف ١٩٤٧م. إن عددًا كبيرا من الشباب التونسي، قد جاءوا إلى مصر للانضمام إلى صفوف الجهاد فى فلسطين، ثم علمت بعد ذلك أن كثيرًا منهم قد اعتقلوا فى السلوم، وأعيدوا لبلادهم فيدوا في تأسيس خلايا وأسر تعمل للدعوة الإسلامية، بعيدًا عن صفوف الحزب وقياداته وأن جميع الطلبة التونسيين في مصر أو غيرها من البلاد المشرقية يسيرون في هذا الاتجاه، ولا يمثلون الحزب البورقيبي ولا يعملون باسمه، وقد لمست هذا بنفسي في مصر، وكان هؤلاء هم نواة الاتجاه الإسلامي الذي أصبح فيما بعد يسمى بـ حركة النهضة، التي مازالت إلى اليوم تحمل لواء العمل الإسلامي في تونس.

رغم كل ما سمعته من هؤلاء عن عدم جدوى التعاون مع حزب بورقيبه، ومعارضتهم الاتصالي بقادته، فإنني بقيت مصرًا على أن أتعامل مع هذا الحزب على نفس الأسس التي أتعامل بها مع حزب الاستقلال المغربي وحزب الشعب الجزائري وتركت لمن بالقاهرة أن يواصلوا عملهم مع العناصر الخارجة على الحزب أو المعارضة له مع إيماني بأن المستقبل لهم. وازداد التزامي بهذا المبدأ بعد زيارتي لتونس في عام ١٩٤٨م، التي كان لها أثر كبير في علاقتي بها، لأني استطعت أن أجد ثغرة في داخل الحزب في تونس نفسها عرفتني بكثير ممن أصبحوا فيما بعد قواعد التيار الإسلامي وإطاراته .

الرابط المختصر :